جرائم العدوان على أموال الاتحادات والأندية الرياضية

بقلم / الدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة – المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي
مقدمة
في شهر سبتمبر 2026م، باشرت نيابة الأموال العامة تحقيقاتها في وقائع مالية داخل نادي الزمالك، على خلفية تقرير مخالفات يعود إلى العام 2020م، مع فحص المستندات والحسابات المتعلقة بعدد من الملفات خلال فترات سابقة. وتتناول التحقيقات وقائع يشتبه في ارتباطها بمخالفات مالية بلغت قيمتها، وفقاً لما ورد في التحقيقات، نحو 1.644 مليار جنيه، مع التركيز على عدد من الملفات، من بينها؛ صفقات سابقة للاعبين، أبرزها صفقتا محمد إبراهيم والمغربي خالد بوطيب. وقامت نيابة الأموال العامة بالاستماع إلى أقوال نائب المدير المالي السابق بنادي الزمالك وفحص المستندات المقدمة من النادي، للوقوف على مدى مسؤوليته القانونية عن الوقائع محل التحقيق. وأصدرت جهات التحقيق أمراً بحبس نائب المدير المالي السابق بنادي الزمالك احتياطياً على ذمة التحقيقات، في القضية المتعلقة بوقائع مالية داخل النادي خلال فترة عمله. كما تعمل جهات التحقيق على مراجعة التعاملات المالية التي تمت خلال الفترة محل الفحص، من خلال مطابقة المستندات والبيانات مع الحسابات البنكية الخاصة بالنادي، وذلك لتحديد طبيعة العمليات المالية وملابساتها. وباشرت نيابة الأموال العامة إجراءاتها القانونية من خلال فحص الأوراق وسماع أقوال الأطراف المعنية ومراجعة الحسابات والتعاملات البنكية، للتحقق من مدى وجود مخالفات وتحديد المسؤولين عن ارتكاب هذه المخالفات. وشملت التحقيقات استدعاء عدد من أعضاء مجالس الإدارة السابقة ومسؤولي الإدارة المالية بالنادي، لسماع أقوالهم بشأن الملفات محل الفحص، في إطار استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات. كما يجري فحص المستندات الخاصة بعدد من مجالس الإدارات السابقة، إلى جانب مراجعة الإجراءات والقرارات المرتبطة بالصفقات والمعاملات المالية التي تتضمنها القضية. وبمناسبة هذه التحقيقات الجنائية، ولتفادي ملاحقتهم جنائياً عن الوقائع المنسوبة إليهم، أجرى أحد أعضاء مجلس إدارة سابق بالنادي تسوية مالية بقيمة 1.8 مليون جنيه، بالتزامن مع استمرار فحص المستندات والوقائع المتعلقة بالفترات السابقة.
وفي شهر أكتوبر 2026م، تقدم نادي الزمالك ببلاغ إلى نيابة الأموال العامة ضد أحمد السيد زيزو، اللاعب السابق بالفريق الأول لكرة القدم بنادي الزمالك ونجم نادي الأهلي الحالي، وذلك على خلفية امتناع اللاعب عن سداد المبالغ المستحقة للنادي من الإعلانات التي ظهر فيها وهو على ذمة الزمالك. ويذكر البلاغ أن اللاعب عمل أكثر من عشرة إعلانات وتحصل على مبالغ مالية نظير هذه الإعلانات، ولم يرسل المبالغ المستحقة للنادي عنها طبقاً لبنود العقد المبرم بينه وبين النادي. إذ ينص العقد على أن الزمالك يستحق الحصول على نسبة عشرين في المئة من قيمة الإعلانات التي يقوم بتصويرها اللاعب طوال مدة تعاقده. وقد وضع النادي مبلغ تقديري لمثل تلك الإعلانات والظهور الإعلامي، مطالباً بمبلغ معين من هذا المبلغ التقديري، محسوباً على أساس النسبة المنصوص عليها في العقد، لكن معرفة الرقم بالتحديد سيكون من خلال النيابة العامة، وذلك بالطبع في حالة ما إذا انتهت النيابة العامة إلى اختصاصها بالتحقيق في الواقعة وإقامة الدعوى الجنائية ضد اللاعب.
وفي يوم الأحد الموافق الخامس والعشرين من شهر أكتوبر 2026م، كشفت بعض المواقع الإخبارية عن استقرار مجلس إدارة نادي الزمالك على إحالة ملف التعاقدات مع اللاعبين الأجانب، التي أُبرمت خلال فترة تولي جون إدوارد منصب المدير الرياضي، إلى النيابة العامة، بسبب وجود مخالفات جسيمة على حد وصف الأخبار المنشورة في هذا الصدد. وتذكر الأخبار أن مجلس إدارة نادي الزمالك بصدد إحالة عدة ملفات إلى النيابة، خصوصًا ملف التعاقد مع اللاعبين الأجانب خلال فترة المدير الرياضي السابق جون إدوارد. لقد اكتشفوا مخالفات كبيرة، ووجود نسب من إعادة بيع اللاعبين الأجانب تذهب إلى بعض الوكلاء بدلاً من النادي. وأضاف الخبر أن «هناك الكثير من المشكلات والمخالفات في ملف التعاقدات، والمجلس بصدد إحالة الملف إلى النيابة للبت فيه».
تساؤلات الدراسة
تثير الوقائع الثلاث سالفة الذكر تساؤلات أربعة، وهي:
التساؤل الأول، هو ما إذا كانت الاتحادات والأندية الرياضية أشخاصاً معنوية عامة، وتعتبر بالتالي الأموال المملوكة لها أموالاً عامة.
التساؤل الثاني، ويثور في حالة انتفاء صفة الشخص المعنوي العام عن الاتحادات والأندية الرياضية. إذ ينبغي في هذه الحالة لاعتبار الأموال المملوكة لها مالاً عاماً أن يتدخل المشرع بنص صريح لإسباغ صفة المال العام على هذه الأموال.
التساؤل الثالث، وهو ما إذا كان العاملون في الاتحادات والأندية الرياضية ينطبق عليهم صفة الموظف العام ومن في حكمه، أم أن هذا الوصف لا ينطبق عليهم. وبعبارة أكثر تحديداً، فإن من المقرر أن العاملين في الاتحادات والأندية الرياضية ليسوا موظفين عموميين. ولكن، التساؤل يثور عما إذا كانوا يعدون في حكم الموظف العام في تطبيق أحكام قانون العقوبات. وهذا التساؤل قاصر على أعضاء مجالس إدارات الاتحادات والأندية الرياضية. أما اللاعبين، فإن عقد الاحتراف الذي يربطه بناديه يجعل منه شخصاً خاضعاً لأحكام قانون العمل.
التساؤل الرابع، وهو ما إذا كان لازماً أن يكون المال قد انتقل إلى الاتحاد أو النادي ودخل في حوزته بسبب صحيح ناقل للملكية، أم يكفي أن الاتحاد أو النادي مستحقاً للمال طبقاً لبنود العقد المبرم بين اللاعب وبين شركة الإعلانات. ففي الواقعة المتعلقة باللاعب أحمد السيد زيزو، يلاحظ أن المال محل البلاغ أو محل النزاع لم ينتقل إلى نادي الزمالك، ولم يدخل حوزته فعلاً، وإنما تلقاه اللاعب من صاحب الإعلان والقناة مباشرة.
خطة الدراسة
لإلقاء الضوء على الموضوع الذي نحن بصدده، وللإلمام به من مختلف جوانبه، نرى من المناسب تقسيم خطة الدراسة في هذا الموضوع إلى مباحث أربعة:
المبحث الأول: طبيعة الشخصية المعنوية للاتحادات والأندية الرياضية.
المبحث الثاني: إسباغ صفة المال العام على أموال الاتحادات والأندية الرياضية.
المبحث الثالث: مدى اعتبار أعضاء مجالس إدارات الاتحادات والأندية الرياضية في حكم الموظف العام.
المبحث الرابع: مدى لزوم أن يكون المال قد دخل في حوزة الاتحاد أو النادي الرياضي.
المبحث الأول
طبيعة الشخصية المعنوية للاتحادات والأندية الرياضية
قضت المحكمة الإدارية العليا في مصر بأنه «بالرجوع إلى القانون رقم 77 لسنة 1975 المعدل بالقانون رقم 51 لسنة 1978 بشأن الهيئات الخاصة للشباب والرياضة تبين أنه نص في المادة 6 من مواد الإصدار على أن (تسري على الأندية الرياضية فيما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون أحكام القانون رقم 52 لسنة 1949 بشأن الأندية). ونص القانون في المادة 15 على أنه (تعتبر الهيئات الأهلية لرعاية الشباب والرياضة من الهيئات الخاصة ذات النفع العام وتتمتع كل من هذه الهيئات بامتيازات السلطة العامة الآتية: …) ونص في المادة 71 على أن (النادي الرياضي هيئة تكونها جماعة من الأفراد بهدف تكوين شخصية الشباب بصورة متكاملة من النواحي الاجتماعية والصحية والنفسية والفكرية والروحية عن طريق نشر التربية الرياضية والاجتماعية وبث روح القومية بين الأعضاء من الشباب… وذلك كله طبقا للتخطيط الذي تضعه الجهات الإدارية المركزية). ويتضح من ذلك أن الأندية الرياضية طبقاً لأحكام هذا القانون لا تعد شخصا من أشخاص القانون العام رغم تمتعها ببعض امتيازات السلطة العامة والتزامها بالتخطيط التي تضعه الجهة الإدارية المختصة لتسير عليه في مباشرتها لنشاطها وخضوعها لإشرافها وقيامها على تحقيق أغراض النفع العام فكل ذلك لا يخرجها عن طبيعتها باعتبارها من الهيئات الخاصة ذات النفع العام كما نص القانون، وعلى هذا النحو لا تكون القرارات الصادرة من مجالس إدارتها من القرارات الإدارية بما تعنيه من إفصاح جهة الإدارة عن إرادتها الملزمة طبقا لأحكام القوانين واللوائح بقصد إحداث مركز قانوني معين أو تعديله أو إلغائه ابتغاء مصلحة عامة» (حكم الإدارية العليا المصرية، 27 فبراير سنة 1988م، الطعن رقم 1805 لسنة 33 القضائية، مجموعة الأحكام، س 33، الجزء الأول، أول أكتوبر 1987– آخر فبراير سنة 1988، رقم 161، ص 1014). وهكذا، قضت المحكمة الإدارية العليا بانتفاء صفة القرار الإداري عن القرارات الصادرة عن مجالس إدارة الأندية الرياضية. وترتيباً على ذلك، يمكن القول إن الأندية الرياضية تخرج من عداد الأشخاص المعنوية العامة، وتندرج بالتالي ضمن أشخاص القانون الخاص.
وفي حكم آخر، وبشكل مباشر، أكدت المحكمة الإدارية العليا المصرية أن «قضاء هذه المحكمة جرى على أن الهيئات الأهلية لرعاية الشباب – ومنها النوادي الرياضية التي تعد من الهيئات الخاصة ذات النفع العام طبقا للمادة (15) من قانون الهيئات الخاصة بالشباب والرياضة، تخضع في سبيل قيامها برسالتها المنوطة بها – لرقابة الجهة الإدارية المختصة التي تملك بسط الرقابة على كافة الإجراءات التي تتخذ سواء من الناحية المالية أو التنظيمية أو الصحية أو الإدارية ولها الحق في التثبت من أن القرارات أو الإجراءات التي اتخذتها لم تخالف نصا في القوانين أو اللوائح أو القرارات المنفذة لها وأنها لم تحد عن السياسة العامة التي وضعتها الجهة الإدارية لها وللجهة الإدارية في حال اكتشافها لأي مخالفة مما تقدم سلطة إبطال القرارات المنطوية على المخالفة وعدم الاعتداد بها» (حكم الإدارية العليا المصرية، 2 نوفمبر سنة 1997م، الطعن رقم 4641 لسنة 40 قضائية عليا، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا، س 43، الجزء الأول (من أول أكتوبر سنة 1997 إلى آخر فبراير سنة 1998)، رقم 27، ص 231).
وفي الاتجاه ذاته، تقول محكمة القضاء الإداري في مصر، الدائرة الثانية، إن «قضاء هذه المحكمة والمحكمة الإدارية العليا قد استقر على أن النوادي الرياضية هي هيئات اجتماعية خاصة حباها المشرع ببعض امتيازات السلطة العامة، وهي تقوم برسالتها في ظل أحكام الدستور والقانون، وقد أخضعها المشرع في القانون رقم (77) لسنة 1975 سالف الذكر للرقابة التي تباشرها الجهة الإدارية المختصة طبقا للتخطيط الذي تضعه لها الجهة الإدارية المركزية، وخول هذه الجهات سلطة بسط رقابتها على جميع الإجراءات التي تتخذها وأعطى للجهة الإدارية المختصة في حالة اكتشاف أية مخالفة للقوانين واللوائح أن تعلن بطلان هذه القرارات وعدم الاعتداد بها، ويتعين عليها ممارسة هذه السلطة ولو لم يتوجه إليها أصحاب الشأن بتظلم من هذه القرارات إذ أن المشرع يخول الجهة الإدارية المختصة سلطة الإشراف والرقابة على الأندية والهيئات لمجرد إعطاء مزايا خاصة للقائمين على إدارتها لمباشرة سيطرة ووصاية تحكمية إن شاءت أعملتها وإن شاءت أحجمت عن استعمالها، وإلا كانت الرقابة التي نظمها القانون لا طائل من ورائها مما يجعل هذه الأندية إزاء ما خولها المشرع من امتيازات السلطة العامة سلطة تصرف مطلقة من كل قيد» (حكم محكمة القضاء الإداري – الدائرة الثانية، 16 مايو 2010م، الدعوى رقم 31490 لسنة 59 ق، غير منشور).
وهكذا، فإن المبدأ المقرر في أحكام القضاء المصري هو أن الاتحادات والأندية الرياضية تعد من أشخاص القانون الخاص.
وفي دولة قطر، أكدت إدارة الفتوى والتشريع أن الأندية الرياضية تعتبر من أشخاص القانون الخاص. وترتيباً على ذلك، انتهت الإدارة المذكورة إلى أن «نص المادة (18) من قرار وزير الداخلية رقم (9) لسنة 1963 بشأن تنظيم منح التأشيرات وأنواعها والرسوم المستحقة عليها، واضح في أن الإعفاء من هذه الرسوم إنما يقتصر على موظفي الدولة والهيئات والمؤسسات العامة والزوار القادمين على كفالة أي من هذه الجهات، دون غيرهم، باعتبارها من أشخاص القانون العام. ولما كانت الشركات التي تؤسسها الحكومة أو غيرها من المؤسسات العامة، سواء بمفردها أو بالاشتراك مع مؤسس آخر أو أكثر تعتبر من أشخاص القانون الخاص وتخضع لقانون الشركات التجارية. لهذا نرى أن الإعفاء المنصوص عليه في قرار وزير الداخلية رقم (9) لسنة 1963 المشار إليه لا يسري على الشركات المملوكة للدولة أو لإحدى المؤسسات العامة أو الأندية الرياضية» (راجع: ف. ت، 3/11- 1398، المؤرخ في 10/3/1413هـ الموافق 7 سبتمبر 1992م، مجموعة المبادئ القانونية التي تضمنتها الفتاوى، إدارة الفتوى والتشريع، من أول 1981 إلى آخر 1995م، الطبعة الثانية، 2011م، رقم 101، ضرائب ورسوم).
والواقع أن طبيعة الشخصية المعنوية للأندية الرياضية تبدو أكثر وضوحاً في حالة الأندية الرياضية التي تتخذ شكل الشركات التجارية. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، كانت المادة 38 البند الثاني من المرسوم بقانون اتحادي الملغي رقم 7 لسنة 2008 في شأن الهيئة العامة للرياضة والجهات الرياضية تنص على أن «يجوز مباشرة أنشطة الشباب والرياضة وأعمال الإدارة المتصلة بها من خلال شركات أو مؤسسات تجارية تؤسس أو تنشأ لهذه الغاية، كما يجوز تحويل أية جهة مشهرة إلى شركة أو مؤسسة تجارية، على أن تخضع أنشطتها لرقابة الهيئة، وذلك كله وفقا لما تقرر اللائحة التنفيذية». وفي الاتجاه ذاته، ووفقاً للمادة 78 الفقرة الأولى من القانون الجزائري رقم 13-05 بتنظيم الأنشطة البدنية والرياضية وتطويرها، «يعد النادي الرياضي المحترف شركة تجارية ذات هدف رياضي يمكن أن يتخذ أحد أشكال الشركات التجارية الآتية: – المؤسسة ذات الشخص الواحد الرياضية ذات المسؤولية المحدودة. – الشركة الرياضية ذات المسؤولية المحدودة. – الشركة الرياضية ذات الأسهم». وتضيف الفقرتان الثانية والثالثة من ذات المادة أن «تسير الشركات المنصوص عليها أعلاه، بأحكام القانون التجاري وأحكام هذا القانون، وكذا قوانينها الأساسية الخاصة التي يجب أن تحدد، لاسيما كيفيات تنظيمها وطبيعة المساهمات. تحدد القوانين الأساسية النموذجية للشركات المذكورة أعلاه، عن طريق التنظيم». كذلك، ووفقاً للمادة الثالثة والثلاثين من القانون القطري رقم 11 لسنة 2011 بتنظيم الأندية الرياضية، «يجوز للنادي تأسيس شركات تجارية أو المساهمة في تأسيسها، لخدمة نشاط أو أكثر من الأنشطة التي يقوم بها، وفقاً للقانون والضوابط التي تقررها اللجنة» (اللجنة المشار إليها في هذا النص هي لجنة شؤون الأندية الرياضية).
وعلى هذا النحو، تجيز بعض التشريعات العربية أن يتخذ النادي الرياضي شكل إحدى الشركات التجارية. وغني عن البيان أن الشركة التجارية هي أحد أشخاص القانون الخاص. ولا يختلف الحال فيما يتعلق الأندية الرياضية المنشأة بواسطة أشخاص معنوية خاصة. فعلى سبيل المثال، وطبقاً للمادة السادسة الفقرة الثانية من القانون القطري رقم 11 لسنة 2011 بتنظيم الأندية الرياضية، «يجوز، بناء على اقتراح اللجنة (أي لجنة شؤون الأندية الرياضية)، الترخيص للأشخاص المعنوية الخاصة بإنشاء ناد رياضي، أو تملك أندية قائمة، بمفردها أو بالاشتراك مع الغير».
وغني عن البيان أن اتخاذ النادي الرياضي شكل الشركة يتفق مع النظم العالمية الجديدة لإدارة أندية المحترفين، ويتسق مع متطلبات الاتحادين الدولي والأفريقي لكرة القدم، والخاصة بضرورة تأسيس شركات مساهمة تدير المنظومة الاحترافية لكرة القدم في الأندية. ووفقاً لهذا النظام، يتكون مجلس إدارة النادي المحترف (الشركة) من كبار حملة الأسهم، والذي يعين إدارة تنفيذية محترفة تدير كل شئون كرة القدم الفنية والاقتصادية، بينما يتولى مجلس إدارة آخر، منتخب من الجمعية العمومية للأعضاء العاملين (كما هو موجود في مصر في الوقت الحالي) إدارة شئون النادي الاجتماعية وتوفير الخدمات لأعضائه، إلى جانب الفرق الرياضية غير المحترفة (عصام عبد المنعم، توابع زلزال أورلاندو!!، جريدة الأهرام، قضايا وآراء، الخميس 24 من ذو الحجة 1436هــ الموافق 8 أكتوبر 2015م، السنة 140، العدد 47057).
ولكن، وفي المقابل، قد يثور التساؤل حول تحديد الطبيعة القانونية للأندية الرياضية المنشأة بواسطة الحكومة أو غيرها من الأشخاص المعنوية العامة. فعلى سبيل المثال، ووفقاً للمادة الثالثة من القانون القطري رقم 11 لسنة 2011 بتنظيم الأندية الرياضية، «يجوز للحكومة وغيرها من الأشخاص المعنوية العامة، تأسيس ناد رياضي أو أكثر، بمفردها أو بالاشتراك مع مؤسس آخر أو أكثر، سواء كان شخصاً طبيعياً أو معنوياً عاماً أم خاصاً. ولا تخضع الأندية المنصوص عليها في الفقرة السابقة لأحكام هذا القانون، إلا بالقدر الذي لا يتعارض مع الأحكام التي ينص عليها عقد تأسيسها ونظامها الأساسي». ومع ذلك، نعتقد أن هذه الطائفة من الأندية الرياضية تعد من أشخاص القانون الخاص، ولو كانت الحكومة هي التي قامت بإنشائها. وقد سارت أحكام النقض في إمارة أبو ظبي بهذا الاتجاه. ففي أحد أحكامها، أكدت المحكمة الكائنة على قمة القضاء في إمارة أبو ظبي أن «شركة أبو ظبي لإدارة رياضة السيارات» من أشخاص القانون الخاص، وتخضع بالتالي لقانون العمل. وتتلخص وقائع هذا الحكم في أن إحدى السيدات أقامت دعوى ضد الشركة المشار إليها على أساس أنها عملت كمديرة للموارد البشرية لدى الشركة، وأن هذه الأخيرة انتدبتها للعمل داخل الفيفا التي حددت مدة هذا الانتداب في أسبوعين فقط، إلا أنها فوجئت بالمدعى عليها تصدر قراراً بمنع عودتها للعمل لديها بعد انتهاء مدة انتدابها لدى الفيفا لحين الانتهاء من إجراءات التأديب المتخذة بحقها. وقد حكمت محكمة أول درجة بعدم قبول الدعوى لكون الشركة المدعى عليها من أشخاص القانون الخاص، وتخضع لقانون العمل والمدعية لم تلجأ قبل رفعها للمحكمة إلى دائرة العمل لتسوية النزاع ودياً عملاً بالمادة السادسة من قانون تنظيم علاقات العمل. استأنفت المدعية هذا الحكم، فألغته محكمة الاستئناف وقضت بإعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة سنداً إلى أن الشركة المدعى عليها من المشروعات الحكومية المستثناة مع العاملين فيها من تطبيق قانون العمل. فطعنت الشركة المدعى عليها في هذا الحكم بالنقض، ناعية عليه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، ذلك أنه من جهة اعتبر الشركة الطاعنة من أشخاص القانون الخاص الذين يخضعون لقانون العمل، ومن جهة أخرى اعتبرها من المشروعات الحكومية المستثناة مع العاملين لديها من نطاق تطبيق قانون العمل بموجب المادة 3 منه. في حين أن الشركات التي تثبت لها صفة التاجر حسب المادة 16 معاملات تجارية وتهدف إلى الربح حسب المادة 4 من قانون الشركات التجارية تعتبر من أشخاص القانون الخاص وتخضع مع العاملين لديها لقانون العمل حتى ولو كانت جميع أسهمها مملوكة للدولة. والحكم المطعون فيه لما استثنى الطاعنة من الخضوع لقانون العمل ودون أن يبين ما هو القانون الذي تخضع له فيما لم يرد بشأنه نص خاص يكون قد خالف القانون. وقد أكدت محكمة النقض أن هذا النعي سديد «لما هو مقرر في قضاء هذه المحكمة من أن المؤسسات الخاصة ولو كانت تقوم على إدارة مرفق عام وتؤدي خدمة عامة فهي ليست من أشخاص القانون العام، وإنما هي من أشخاص القانون الخاص والعاملون بها ليسوا موظفين بمفهوم القانون الإداري إذ أن أموالها ليست أموالاً عامة، ولذلك فهي تخضع في علاقتها مع العاملين لديها لقانون العمل الاتحادي. لما كان ذلك وكان يبين من النظام الأساسي للطاعنة أنها شركة ذات مسؤولية محدودة تملك الحكومة 60% من أسهمها والباقي تملكه شركة خاصة. لذلك فهي وإن كانت تهدف إلى تطوير رياضة السيارات بالدولة، فهي من أشخاص القانون الخاص وتخضع في علاقتها بالعاملين بها لقانون العمل. ومحكمة الاستئناف لما ألغت الحكم الابتدائي وقضت بإعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة بعلة أن الشركة الطاعنة من المشروعات الحكومية ومستثناة هي والعاملين بها من تطبيق قانون العمل عملاً بالمادة 3 منه – والحال أن الطاعنة تعتبر بموجب الفتوى الصادرة عن إدارة الفتوى والتشريع من أشخاص القانون الخاص لا يشملها الاستثناء الوارد بالمادة 3 من قانون العمل، وتخضع في علاقتها مع العاملين بها لأحكام هذا القانون، فإنها تكون قد خالفت مقتضيات الفتوى المشار إليها أعلاه وعرضت بذلك حكمها للنقض. وحيث إن موضوع الاستئناف صالح للحكم لذلك ترى المحكمة التصدي للبت فيه عملاً بالمادة 184 إجراءات مدنية. وحيث إن الحكم الابتدائي حينما قضى بعدم قبول الدعوى معتمداً على أحكام المادة 6 من قانون العمل بعلة أن الطاعنة من أشخاص القانون الخاص وتخضع في علاقتها مع العاملين لديها لمقتضيات قانون تنظيم علاقات العمل يكون قد طبق صحيح القانون مما يتعين معه تأييده» (حكم محكمة النقض في إمارة أبو ظبي، 11 أكتوبر 2011م، الطعن رقم 122 لسنة 2011 نقض مدني، غير منشور).
وعلى هذا النحو، يبدو جلياً أن الأندية الرياضية تعتبر من أشخاص القانون الخاص أو من الأشخاص المعنوية الخاصة، وذلك بغض النظر عن الجهة التي أنشأتها وما إذا كانت الحكومة ذاتها أم أحد الأشخاص المعنوية الخاصة. ومنظوراً إليها على هذا النحو، فإن الأندية الرياضية تكون مسؤولة جنائياً عن الأفعال التي يرتكبها ممثلوها أو مديروها ووكلاؤها باسمها ولحسابها. على أن هذا الرأي يصدق على التشريعات التي تتبنى مبدأ المسئولية الجنائية للشخص المعنوي كقاعدة عامة مقررة في قانون العقوبات، كما هو الشأن في قانون العقوبات الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة. أما في النظام القانوني المصري، فإن قانون العقوبات لم يتضمن النص على المسئولية الجنائية للشخص المعنوي، وإنما ورد النص عليها في بعض القوانين الجنائية الخاصة. وبالاطلاع على قانون الرياضة المصري الجديد رقم 71 لسنة 2017م، نجد أن المادة 93 منه تنص على أن «يعاقب المسئول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري بذات العقوبات المقررة عن الأفعال التي ترتكب بالمخالفة لأحكام هذا القانون أو أي قانون آخر متى ثبت علمه بها وكان إخلاله بالواجبات التي تفرضها عليه تلك الإدارة قد ساهم في وقوع الجريمة بأي صورة من صور المساهمة. ويكون الشخص الاعتباري مسئولاً بالتضامن عن الوفاء بما يحكم عليه من عقوبات مالية وتعويضات».
المبحث الثاني
إسباغ صفة المال العام على أموال الاتحادات والأندية الرياضية
كانت المادة الخامسة عشرة من القانون المصري الملغي بشأن الهيئات الأهلية لرعاية الشباب والرياضة الصادر بالقانون رقم 77 لسنة 1975م تنص على أن «تعتبر الهيئات الأهلية لرعاية الشباب والرياضة من الهيئات الخاصة ذات النفع العام، وتتمتع كل من هذه الهيئات بامتيازات السلطة العامة الآتية: أ- عدم جواز الحجز على أموالها إلا استيفاء للضرائب والرسوم المستحقة للدولة. ب- عدم تملك هذه الأموال بمضي المدة. جـ – جواز نزع الملكية للمنفعة العامة لصالحها، وتعتبر أموال هذه الهيئات من الأموال العامة في تطبيق أحكام قانون العقوبات». وبدورها، تنص المادة التاسعة من قانون الرياضة المصري الجديد رقم 71 لسنة 2017م على أن «تُعتبر الهيئات الرياضية المشهرة وفقاً لأحكام هذا القانون من الهيئات الخاصة ذات النفع العام وتتمتع بالامتيازات الآتية: 1- … 2- اعتبار أموالها أموالاً عامة في تطبيق أحكام قانون العقوبات. 3-…».
وفي الاتجاه ذاته، ووفقاً للمادة التاسعة من القانون العماني بشأن الهيئات الخاصة العاملة في المجال الرياضي رقم (81/2007)، تعتبر الهيئة الخاصة «من الهيئات الخاصة ذات النفع العام، وتكون لأموالها الثابتة والمنقولة صفة المال العام في تطبيق أحكام قانون الجزاء العماني».
كذلك، وفيما يتعلق بالقانون السوداني، وتحت عنوان «أموال هيئات الشباب والرياضة»، تنص المادة الثالثة والثلاثون من قانون هيئات الشباب والرياضة لسنة 2003م على أنه «لأغراض تطبيق القانون الجنائي تعتبر أموال هيئات الشباب والرياضة أموالاً عامة…».
وبدوره، أسبغ المشرع الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة صفة «المال العام» على أموال الهيئة العامة للرياضة. فوفقاً للمادة الثالثة والعشرين من المرسوم بقانون اتحادي الملغي رقم 7 لسنة 2008 في شأن الهيئة العامة للرياضة والجهات الرياضية، «تعتبر أموال الهيئة أموالاً عامة، وتعفى الهيئة من الضرائب والرسوم».
زر الذهاب إلى الأعلى