إخضاع المسار القانوني لكافة المنازعات الحيازية

بقلم المحام الدكتور: مدحت طلعت

تُعد الحيازة من أهم النظم القانونية التي أولتها التشريعات الحديثة عناية خاصة، ليس فقط باعتبارها قرينة على الحق، وإنما لكونها تمثل مركزاً قانونياً مستقراً يتعين حمايته حماية عاجلة حفاظاً على الأمن والاستقرار العام ، منعاً لانتشار ظاهرة اقتضاء الحقوق بالقوة.

ولم يكن المشرع المصري بمنأى عن هذا الاتجاه، إذ تدخل بموجب القانون رقم (29) لسنة 1982 بإضافة المادة (373 مكرراً) إلى قانون العقوبات لمواجهة جرائم الاعتداء على الحيازة، ثم عاد بعد عشر سنوات تقريباً ليعيد تنظيم المسألة بصورة أكثر شمولاً بموجب القانون رقم (23) لسنة 1992 ، الذي نقل الحماية الإجرائية للحيازة إلى قانون المرافعات من خلال استحداث المادة (44 مكرراً)، وجعل اختصاص النيابة العامة يمتد إلى كافة منازعات الحيازة المدنية والجنائية.

وقد استهدف المشرع من هذا التنظيم المستحدث تمكين النيابة العامة من التدخل السريع لحماية الأوضاع الحيازية القائمة، وذلك من خلال إصدار قرار وقتي مسبب واجب التنفيذ فوراً، منعاً لتفاقم النزاعات العقارية وما قد يترتب عليها من إخلال بالأمن والاستقرار العام.

إلا أن التطبيق العملي كشف عن إشكالية قانونية دقيقة تتمثل في قيام بعض جهات التحقيق بالتصرف في الدعوى الجنائية وإحالة المتهم للمحاكمة دون إصدار القرار الوقتي المنصوص عليه في المادة (44 مكرراً) من قانون المرافعات، رغم وجود منازعة جدية بشأن الحيازة.

الامر الذي يجعلنا نتسأل: هل يلتزم عضو النيابة العامة بإصدار القرار الوقتي المنصوص عليه بالمادة (44 مكرراً) من قانون المرافعات قبل التصرف الجنائي في منازعات الحيازة العقارية، أم يجوز له تحريك الدعوى الجنائية أو الإحالة إلى المحكمة دون إصدار هذا القرار؟

ومن هنا تبرز أهمية البحث في محاولة تحديد مدى التزام النيابة العامة بإصدار قرار الحيازة قبل التصرف الجنائي، وما إذا كان هذا الإجراء يمثل التزاماً قانونياً واجباً أم مجرد سلطة تقديرية تملك النيابة استعمالها أو العدول عنها. وتتجلي تلك ألاهمية في اعتبارات عدة : تزايد منازعات الحيازة العقارية في الواقع العملي وما يترتب عليها من اضطراب في المعاملات العقارية. ندرة الدراسات التطبيقية التي تناولت العلاقة بين قرار الحيازة والتصرف الجنائي. بالاضافة الي الأهمية العملية للموضوع بالنسبة للمحامين وأعضاء النيابة العامة والقضاة. ارتباط الموضوع بمبدأ المشروعية الإجرائية وضمانات التقاضي.

التطور التشريعي للحماية القانونية للحيازة، وفيه:

اولاً: الحماية المدنية للحيازة

استقرت التشريعات المدنية الحديثة على توفير حماية مستقلة للحيازة بصرف النظر عن أصل الحق، وذلك منعاً للجوء الأفراد إلى استعمال القوة في اقتضاء الحقوق. ومن ثم أقر القانون المدني المصري دعاوى الحيازة الثلاث:

(1) دعوى منع التعرض: وهي الدعوي يقصد فيها ذو اليد حمايته من تعرض يوجه ضد وضع يده علي عيناً او فى الانتفاع بحق عيني علي هذه العين.

(2) دعوى استرداد الحيازة: ويقصد بها استرجاع وضع يد او حيازة سلبت قهراً علي صاحبها.

(3) دعوى وقف الأعمال الجديدة: يقصد منها منع إتمام عمل بدء فيه المدعي عليه، لو تم أصبح تعرض لحق واضع اليد فى وضع يده فيرفع واضع اليد الدعوي بطلب وقف تنفيذ هذه الاعمال.

وتستند هذه الدعاوى إلى فكرة أساسية مؤداها أن الحيازة بذاتها جديرة بالحماية متى توافرت شروطها القانونية.

ثانياً: الحماية الجنائية للحيازة

(1) قبل القانون رقم 23 لسنة 1992

لم يكن رائد المشرع الجنائي فى حماية الحيازة احداث ازدواج فى الحماية القانونية يتساوي فيها مع المشرع المدني، بل أنه استهدف مصلحة أخري غير المصلحة المدنية. ولما كان ذلك، فأنه وقبل صدور القانون رقم (23) لسنة 1992 كانت الحماية الجنائية للحيازة تستند إلى المادة (373 مكرراً) من قانون العقوبات التي أضيفت بموجب القانون رقم (29) لسنة 1982.

وكان نطاق تطبيقها قاصراً على المنازعات التي تنطوي على جريمة من جرائم الاعتداء على الحيازة. كما منحت النيابة العامة سلطة اتخاذ تدابير تحفظية في الحدود التي رسمها النص. إلا أن التطبيق العملي كشف عن قصور هذا التنظيم بسبب اقتصاره على الجانب الجنائي دون المنازعات المدنية للحيازة.

(2) فلسفة القانون رقم 23 لسنة 1992

إزاء تزايد منازعات الحيازة واتساع نطاقها العملي، تدخل المشرع بالقانون رقم (23) لسنة 1992 مضيفاً المادة (44 مكرراً) إلى قانون المرافعات. وقد نصت المادة على أنه: “يجب على النيابة العامة متى عرضت عليها منازعة من منازعات الحيازة مدنية كانت أو جنائية أن تصدر فيها قراراً وقتياً مسبباً واجب التنفيذ فوراً بعد سماع أقوال أطراف النزاع وإجراء التحقيقات اللازمة…”

والجدير بالذكر وفى ضوء ما صرحت به المذكرة الايضاحية تعليقاً علي المادة 44 مكررا من قانون المرافعات أنه ” عندما استشعر المشرع الخطر ما آل إليه الواقع أصدر القانون رقم 29 لسنة 1982 الذى استحدث به المادة 373 مكرراً من قانون العقوبات ولكنه لم يتناول بالعلاج الا جانب جزئي يتعلق بحالة جدية الاتهام بجريمة، وقد كشف التطبيق العملي لهذه المادة منذ صدورها عن صعوبات كثيرة جعلت مسألة التظلم من قرارات الحيازة أكثر عسراً مما كانت عليه قبل صدورها، فأصبح من المتعين علي النيابة ان تحجب نفسها عن اصدار قرارات وقتيه فى شأن منازعات الحيازة المدينة البحته التي لا تثير شبهة جريمة من جرائم انتهاك حرمة ملك الغير مع أن هه المنازاعات فى كثير من الاحيان تكون مشتعلة بين اطرافها إلي حد يوشك ان ينتقل بها الي نطاق الجريمة إذا تركت دون حل وقتي عادل”

واستكملت قولها “… فوضع – اي المشرع- تنظيماً جديداً لمنازعات الحيازة يكون مجاله قانون المرافعات المدنية والتجارية فنص فى المادة الرابعه منه علي أضافة مادة جديدة إلي قانون المرافعات المدنية والتجارية برقم 44 مكررا أوجب فيها علي النيابة العامة متي عرضت عليها منازعة من منازاعات الحيازة ان تصدر فيها قرارا واجب التنفيذ فورا، سواء كانت مدنية بحته أو جنائية، فشمل ذلك كافة منازعات الحيازة المدنية والجنائية، واوكل صدور هذا القرار الذي يصدر بعد سماع أقوال أطراف النزاع واجراء التحقيقات، اللازمة إلي عضو من أعضاء النيابة العامة بدرجة رئيس نيابة علي الاقل وذلك حتي يكون لمصدر القرار الخبرة والدراية اللازمة لما تتسم به هذا المنازاعات من اهمية خاصة، ولا يمنع من صدور هذا القرار المؤقت النيابة العامة من المبادرة إلي رفع الدعوي الجنائية، إذا شكلت هذه المنازعة جريمة من الجرائم واوجب اعلان هذا القرار لذوي الشأن خلال ثلاثة أيام من تاريخ صدوره، الذين يكون لهم التظلم منه أمام القاضي المختص بالامور المستعجلة بدعوي ترفع بالاجراءات المعتادة لرفع الدعوي فى ميعاد لا يتجاوز خمسة عشر يوما من يوم اعلانه به بحسبان ان القرار ان صدر من النيابة العامة فى شأن منازعة جنائية فهو يتصل بجريمة من الجرائم تدخل فى اختصاص جهة القضاء العادي، كما ان القرار إذا صدر من النيابة العامة فى شأن منازعة غير جنائية فإن جهة القضاء العادي هي الاحق بنظر التظلم منه علي اعتبار ان الحيازة متفرعة عن الملكية التي هي رأس المنازعات المدنية وتصدر فيه المحكمة حكما وقتياً اما بتأييد القرار أو بتعديلة أو بالغائه، وبديهي انه لا يمنع صدور الحكم فى التظلم من رفع أية دعواي سواء كانت مدنية أو جنائية ، متعلقة بالحيازة أو أصل الحق”

ويكشف هذا النص عن إرادة تشريعية واضحة في توحيد نظام حماية الحيازة وإخضاع كافة المنازعات الحيازية – مدنية كانت أو جنائية – لنظام إجرائي واحد. كما أن استعمال المشرع لعبارة النص”يجب” يفيد – في الأصل – الإلزام لا التخيير.

الاختصاص الاستثنائي وتدخل النيابة العامة في منازعات الحيازة

يُعد تدخل النيابة العامة في منازعات الحيازة العقارية خروجاً على الأصل العام في توزيع الاختصاص بين القضاء المدني والجنائي، إذ إن الأصل أن الفصل في الحيازة من اختصاص قضاء الموضوع المدني، بينما يقتصر دور النيابة العامة على تحريك الدعوى الجنائية. غير أن المشرع المصري، اعتباراً لخطورة منازعات الحيازة وما قد تثيره من اضطرابات اجتماعية، منح النيابة العامة اختصاصاً استثنائياً بإصدار قرار وقتي مسبب بشأن الحيازة.

وإزاء ذلك أوجب المشرع بموجب نص المادة (44 مكرراً) من قانون المرافعات علي النيابة العامة أن تتدخل وأن تصدر قراراً وقتياً فى منازاعت الحيازة المعروضة عليها سواء كانت هذه المنازعة مدنية أو جنائية، دون التطرق إلى أصل الحق، ويكفي لقيام المنازعة أن يكون هناك تنازع جدي حول وضع اليد، بصرف النظر عن سند الملكية.

يظهر مما سبق أن النظام القانوني للحيازة يقوم على فكرة جوهرية مؤداها أن الحيازة في ذاتها جديرة بالحماية، بصرف النظر عن الحق، ومن ثم فإن قرار النيابة العامة لا يبحث الملكية، وإنما يحدد من هو الأولى بالحماية المؤقتة. وبذلك وقد نقل المشرع الحماية من المجال الجنائي البحت إلى نظام إجرائي متكامل داخل قانون المرافعات.

مدى جواز التصرف الجنائي قبل إصدار قرار الحيازة

أولاً: الاتجاه الأول (عدم إلزام النيابة العامة): يرى هذا الاتجاه أن النيابة العامة تملك تحريك الدعوى الجنائية متى توافرت أدلة كافية على ارتكاب الجريمة، وأن قرار الحيازة إجراء مستقل لا يقيد سلطة الاتهام، لأن:

– سلطة الاتهام أصلية للنيابة

– المادة 44 مكرراً تتعلق بالحماية المدنية للحيازة

– لا يوجد نص صريح ببطلان الإحالة

ثانياً: الاتجاه الثاني (الوجوب والإلزام) :يرى هذا الاتجاه أن:

– النص جاء بصيغة الوجوب “يجب على النيابة العامة”

– القرار الوقتي يمثل مرحلة سابقة منطقياً على أي تصرف

– طبيعة المنازعة الحيازية تستلزم تحديد المركز القانوني أولاً

– وإلا ترتب اضطراب في المراكز القانونية

وإزاء ذلك نذهب – وبحق – إلى ترجيح الاتجاه الثاني للأسباب الآتية:

1. أن المشرع قصد إنشاء نظام حماية سابق على الدعوى الجنائية، بدليل نقل التنظيم من قانون العقوبات إلى قانون المرافعات.

2. أن النص ورد بصيغة إلزامية صريحة لا تحتمل التأويل.

3. أن طبيعة الحيازة تستلزم حماية عاجلة مستقلة عن الاتهام الجنائي، فالأصل في منازعات الحيازة هو الشق المدني والاستثناء هو التدخل الجنائي.

4. أن التصرف الجنائي قبل إصدار قرار الحيازة يُعد مخالفاً للغرض التشريعي من المادة 44 مكرراً، ويمثل إخلالاً بمبدأ المشروعية الإجرائية.

وعليه، فإن الاحتياط يوجب على النيابة العامة – استيثاقاً لحماية الحقوق وترفعاً عن الشبهات – أن تتدخل للفصل في الشق المدني أولاً، ثم يكون لها بعد ذلك شأنها في نظر الشق الجنائي.

 

زر الذهاب إلى الأعلى