سبل المعالجة القانونية لعقود الشركات في مواجهة تقلبات سعر الفائدة المعلن من الفيدرالي وأثرها على الدولار

بقلم الدكتور/ محمد طرفاوي محمد المحامى بالنقض

يُعد البنك الفيدرالي الأمريكي بوصلة النظام المالي العالمي، فمنذ تولي العملة الخضراء سلطة المال في العالم باتفاقية بريتون وودز وما تبعها من البترودولار أصبحت تحركات الفيدرالي الأمريكي – خاصة فيما يخص الفوائد – محركاً عاماً للاقتصاد العالمي ومؤشراً ليوضح الحالة الاقتصادية؛ ففي ظل العولمة المالية وتكامل الأسواق الدولية، لم تعد الأسواق المالية العالمية تعمل بمعزل عن بعضها. فقد أصبحت تحركات البورصات الكبرى، وعلى رأسها البورصات الأمريكية مثل ناسداك وداو جونز، موضع متابعة دقيقة من المستثمرين في مختلف أنحاء العالم.

هذا التفاعل لا ينبع فقط من التغطية الإعلامية المكثفة للأسواق الأمريكية، بل من التأثيرات الواقعية التي تتركها هذه الأسواق على حركة السيولة العالمية، وتوقعات المستثمرين، وسلوك الأسواق الناشئة، إن فهم هذا الترابط لا يقتصر على متابعة الأرقام والمؤشرات، بل يتطلب قراءة عميقة للعوامل التي تحرّك الأسواق، ووعيًا استثماريًا يساعد على اتخاذ قرارات متوازنة تراعي الظروف المحلية والعالمية على حدٍ سواء؛ ومِن أبرز العوامل التي تترك أثرًا مباشرًا بين الأسواق الأمريكية هو سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، خصوصًا ما يتعلق بأسعار الفائدة:

• رفع الفائدة: عندما يقوم الفيدرالي برفع سعر الفائدة، قد يؤدي ذلك إلى تقوية الدولار، مما يزيد من جاذبية الأصول الأمريكية ذات العائد الثابت. هذا بدوره قد يؤدي إلى خروج بعض رؤوس الأموال من السوق.

• خفض الفائدة أو التثبيت: في حالات الخفض أو التثبيت، قد يفضل المستثمرون التوجه نحو أسواق أخرى، بحثًا عن عوائد أفضل.

وكما يرى البعض أن لقرارات أسعار الفائدة الصادرة عن الفيدرالي تأثير الدومينو على جميع أشكال الاقتراض تقريبا. فعندما تنخفض الأسعار (أو ترتفع)، تنخفض معها أيضاً تكاليف الاقتراض على قروض السيارات، وبطاقات الائتمان، وخطوط الائتمان المرتبطة بقيمة الأسهم العقارية (HELOCs) وغيرها. وقد تشهد أيضاً قيام البنوك بتعديل العوائد التي كانت تقدمها سابقاً على منتجات رئيسية مثل حسابات التوفير أو شهادات الإيداع (CDs). ولكن لقرارات الفيدرالي تأثيرات غير مباشرة أخرى. فبدايةً، يمكن لتكاليف الاقتراض الأرخص أن تحفز الشركات على توظيف عمال جدد أو الاستثمار في مبادرات جديدة. غير أن الأسعار المرتفعة يمكن أن تدفع كلاً من الشركات والمستهلكين إلى التراجع عن عمليات الشراء باهظة الثمن أو التوظيف -مما يؤدي إلى تفاقم وضع سوق العمل. نقلاً عن (https://www.bankrate.com/banking/federal-reserve/how-federal-reserve-impacts-your-money/#when-interest-rates-change)

وهدياً بما سلف نجد أن قرارات الفيدرالي الأمريكي تؤثر بشكل مباشر على الشركات التجارية، فبقيام الفيدرالي بتعديل أسعار الفائدة -وتحديداً سعر الفائدة الفيدرالية- للتعامل مع اتجاهات التضخم والبطالة، وسعر الفائدة الفيدرالية هو ما تقرضه البنوك لبعضها البعض لقروض ليلة واحدة؛ ويؤثر هذا المعدل على تكلفة رأس المال لدى البنوك، لذا فهي تستخدمه لتحديد تسعير القروض المقدمة للمستهلكين والشركات، وبعبارة أخرى، فإن الأسعار التي تدفعها على بطاقات الائتمان، وقروض السيارات، والقروض الشخصية ترتفع وتخف بشكل عام مع سعر الفائدة الفيدرالية، ومن ثم تتأثر الشركات في جميع نشاطاتها الاستثمارية نظراً للطبيعة الدولية العملية لتلك القرارات فتخضع البنوك المركزية المحلية قصراً لتلك القرارات لتعلقها بالعملة حاكمة النشاط الاقتصادي العالمي ولمحاولة الحفاظ على المنافسة الاستثمارية فيما يخص سعر السندات تحديداً.

ننتقل لمصر ومنطقة الشرق الأوسط، يمكن القول أن التأثير على الشركات يظهر جلياً في اختلاف قيمة العوائد الاستثمارية والأرباح مع تقلبات سعر صرف الدولار متأثراً بقرارات الفائدة، وهو ما يجعل عمليات الشركات وعقودها في خطر كبير، وأهم خطر عملية التسعير للمنتجات وتحديد الارباح، فكلاهما يخضع في المعاملة – بحسب الأصل – للدولار ونتيجة لانخفاض أو زيادة الدولار تتأثر الشركات بشدة.

يجب أن نراعى حقيقة واضحة أن النظام المالي العالمي يرتكز على الدولار الأمريكي؛ تستخدمه الدول والشركات والبنوك كل يوم لتجارة السلع، واقتراض الأموال، وتسوية المدفوعات عبر الحدود، والعديد من السلع الرئيسية، بما في ذلك النفط، مُسعرة بالدولار، مما يحافظ على طلب مستقر. كما يُصدر جزء كبير من الديون العالمية بالدولار، لا سيما في الأسواق الناشئة، مما يحافظ على دور العملة الرائد في التمويل العالمي.

كيفية إيجاد سبل العلاج لهذا التأثير:

أولاً: شرط إعادة التفاوض:

إن فكرة إعادة التفاوض أصبحت شرطاً جوهرياً في عقود التجارة لاسيما متراخية التنفيذ، نظراً لما يطرأ على السوق من تحديات في الوقت الحالى وتقلبات سريعة، وفي سبيل مواجهة تلك التقلبات يجب أن يَرِد بالعقد شرطاً يقضى بإعادة التفاوض على حسب تأثيرات السوق وما ينتج عن التغيرات العالمية خاصة فيما يتعلق بالعملة.

يقضى الشرط بأعادة التفاوض على بنود محددة أو التزامات محددة حال تغير السوق أو حدوث طارئ أو تقلبات سريعة في الأسواق تؤثر على تنفيذ كل طرف التزاماته التعاقدية، أو احدهما، وبهذه الكيفية يصبح الشرط سداً منيعاً ضد أي تقلبات في الأسعار أو تغيرات لا يُحمد عقباها.

يأتي التكييف القانوني لشرط إعادة التعاقد في المواد المدنية من القواعد العامة، حيث تنص المادة (147) من القانون المدني على أن العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين؛ وكذلك في العقود التجارية، فمبدأ الرضائية والحرية التعاقدية من المبادئ المستقرة في القانون بشكل عام، إذ يحكم سلطان الإرادة ما يتفق عليه الكتعاقدين ليُصاغ في عقد حاكم للعلاقة بينهما.

وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن” الأصل في العقود هو تغليب مبدأ سلطان الإرادة لذلك يعتبر العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون عملا بنص المادة 147 من القانون المدني وينبني علي ذلك أنه إذا توافرت في العقد أركانه من تراضي ومحل وسبب فانه يقع صحيحا وتترتب عليه آثاره القانونية التي اتجهت إليها إرادة المتعاقدين.” (الطعن رقم 488 لسنة 57 ق جلسة 28/6/1990- مدني – ص401 )

وبالتالي ومع خضوع الشرط لمبدأ سلطان الإرادة يجب أن يتم احترامه كشرط بالعقد ويمكن تنفيذ عيناً أو بمقابل، على النحو الوارد بالقانون المدني، ويخضع الشرط لمعايير موضوعية يجب احترامها عند الصياغة، منها اتباع أسس موضوعية في تحديد حالات إعادة التفاوض، مع مراعاة أن اختلال المصالح في العقد ليس مبرراً بذاته لإعادة التفاوض.( الدكتورة/ آلاء عاطف عبدالسلام – القواعد التي تحكم إعادة التفاوض والآثار التي يرتبها كل من القوة القاهرة وشرط إعادة التفاوض- بحث منشور بالمجلة القانونية – المجلد 25 – العدد 20 سنة 2025- صفحة 1886 وما بعدها)

ونرى ضرورة أن يراعى شرط إعادة التفاوض في العقود التجارية وضع الأثر المباشر والغير مباشر على السوق الدولية بسبب تقلبات أسعار العملات كعنصر موضوعي في الوقت الحالى ويحتاج إلى معالجة لاسيما مع تقلبات أسعار الطاقة وتأثيرات أسعار الفائدة الامريكية على سوق العملات وهو ما يؤكد ضرورة دراسة العقود بطريقة احترافية قبل التوقيع عليها.

ثانياً: التوسع في استخدام الوسائل البديلة لتسوية المنازعات:

لقد أصبحت الوسائل البديلة لتسوية المنازعات أساساً جوهرياً في صياغة العقود التجارية وتحديد التزاماتها، وقد تناولنا في مقالات عدة سابقة تحديد دور تلك الوسائل خاصة الوساطة في إبرام اتفاق وتسوية النزاع قبل أن يبدأ فعلياً، والتوفيق وهو وسيلة فعالة لتحديد أطر خاصة للنزاع وتسويتها من خلال موفق،( للكاتب أسس الوساطة كوسيلة لتسوية المنازعات – التوفيق كوسيلة لتسوية المنازعات)

ثالثاً: التوسع في استخدام الملاحق العقدية للالتزامات المالية بالعقود التجارية:

الملاحق العقدية هي اتفاق متمم ومكمل للعقد، وتتمتع بقوته في الحجية والتقرير الالتزامات بين الطرفين، وقد جاء بالقانون المدني المصري النص في المادة (148) على أنه” يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية؛ ولا يقتصر العقد على إلزام المتعاقد بما ورد فيه ولكن يتناول أيضاً ما هو من مستلزماته وفقاً للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام.”

وبالنظر لهذا النص نجد أن القوة الملزمة للعقد تسير جنباً إلى حنب مع تنفيذه، ومن هذا المنطلق يصبح استخدام الملاحق في بنود تتعلق بالتسعير على سبيل المثال أو الزمن المحدد لتنفيذ الالتزام كوسيلة لمواجهة تقلبات العملة الناتجة عن قرارات الفيدرالي الأمريكي، فيقوم كلا المتعاقدين بوضع الأسس الجوهرية للالتزام ثم يتركان تحديد تفاصيل التنفيذ لهذا الالتزام أياً كان نوعه لملحق العقد وبذلك يتفادي الطرفين فكرة التقلبات كما يلتزم كلاهما بشرط إعادة التفاوض بشكل مباشر لا جدال فيه، ونبتعد عن الجدل حول فكرة إعادة التفاوض لقصور التسريع واعتمادها على القواعد العامة، فنكون بهذه المثابة كمن أوجد حلاً مباشراً وفعالاً بما تيسر من النصوص الحالية.

وتتميز هذه الطريقة بجوازية تنفيذ الالتزام عيناً، فبموجب نص المادة (95) من القانون المدني إذ اتفق المتعاقدين على الشروط الجوهرية وتركاً المسائل التفصيلية لملاحق العقد أو للاتفاق عليها لاحقاً انعقد العقد كاملاً ويكون استكمال التعاقد طبقاً لطبيعة التعامل وقواعد العدالة والعرف بحكم يصدره القاضي.

هذه الوسائل السابقة هي مجرد توصيات قانونية للشركات التجارية عند إبرام العقود والنص عليها يهدف إلى مراجعة العقود جيداً قبل اتخاذ خطوة التوقيع، ويجب أن نوضح أن الموضوع بحثي مازال قيد التعمق نظراً لحداثته نسبياً في الأطر والأوساط التجارية.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى