حضور المحامى فى التحقيق التأديبي بين الإباحة و الحظر  

المستشار الدكتور / إسلام إحسان ، نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية

بعض الجهات الإدارية دأبت على منع المحامين من الحضور مع الموظفين المحالين للتحقيق ، استنادا إلى عدم وجود نص قانوني يلزم تلك الجهات بقبول حضور المحامي في جلسات التحقيق التأديبي ، مما يثير التساؤل حول مدى جواز حضور المحامين حضور التحقيقات التأديبية مع الموظفين المحالين للتحقيق ؟ و ما الوضع القانونى بالنسبة للحضور أمام المحاكم التاديبية و مجالس التأديب ؟ .

 

والواقع فقد نصت المادة الأولى من قانون المحاماة المصري على أن المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية فى تحقيق العدالة و كفالة حق الدفاع للمواطنين ، كما أن المادة (34) من قانون المحاماة المصري نصت على أن يجوز للمحامى الحضور أمام المحاكم الإدارية و الحضور فى سائر التحقيقات التى تجريها النيابة العامة ، كما نصت المادة ( 52 ) من ذات القانون على أن للمحامى حق الإطلاع على الدعاوى والأوراق القضائية ، و يجب على المحاكم و النيابات و دوائر الشرطة تمكينه من الإطلاع على الأوراق و حضور التحقيق مع موكله وفقاً لأحكام القانون .

 

ونصت المادة ( 29 ) من القانون رقم 117 لسنة 1958 بشأن النيابة الإدارية والمحاكم التأديبية على ان ” للموظف أن يحضر جلسات المحكمة بنفسه أو أن يوكل عنه محامياً مقيداً أمام محاكم الإستئناف ، و أن يبدى دفاعه كتابة أو شفاهة ، و للمحكمة أن تقرر حضور المتهم بنفسه ” ، كما تنص المادة ( 37 ) من قانون 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة على أن ” للعامل المقدم إلى المحكمة التأديبية أن يحضر جلسات المحاكمة أو أن يوكل عنه محاميا وله أن يبدى دفاعه كتابة أو شفاهة ، وللمحكمة أن تقرر حضوره شخصيًا ” .

 

و حيث إنه يبين من النصوص المتقدمة أن القوانين خلت من نص يبيح للمحامى الحق فى حضور التحقيق التأديبي مع الموظف ، إّذ لم ينص القانون إلا على حضور التحقيق الجنائي ، و أغفل تنظيم مسألة الحضور فى التحقيق التأديبي أو الإداري ، إلا أن المبادىء القانونية العامة مستقرة على أنه لا يجوز توقيع عقوبة تأديبية على الموظف إلا بقرار مسبب بعد التحقيق معه كتابة أو شفاهة وسماع أقواله وتحقيق دفاعه ، بذلك فإن القانون أحاط الموظف بضمانة التحقيق معه وسماع أقواله وتحقيق دفاعه قبل اتخاذ أي عقوبة بحقه ، و التحقيق لا يمكن أن يتم بصورة مشروعة وصحيحة إلا وفقا للقواعد العامة للتحقيق والإثبات ، وبما يوفر للموظف الضمانات اللازمة في جو من السلامة والحياد والاستقصاء وصولاً إلى الحقيقة وتحقيقًا للعدالة ، و من ثم فإن بين تلك الضمانات «الدفاع المكتوب»، و الدفاع القانوني لا يمكن أن يؤديه بصورة صحيحة إلا المحامون المتخصصون في الدفاع ، و لا ينال من ذلك خلو القوانين من النص على جواز الإستعانة بمحام في التحقيقات التأديبية و عدم النص على حق المحامى فى الحضور بجلسات التحقيق ، إذ لا يعني ذلك من وجهة نظري منح الإدارة سلطة مطلقة في هذا المجال ، إذ أن التحقيقات التأديبية ، شأنها شأن التحقيقات الجنائية ، ينبغي أن تراعى فيها الإجراءات والضمانات التي تكفل العدالة والأصول العامة في المحاكمات ، حتى في حال عدم وجود نص صريح يقضي بذلك.

 

ومن ثم فإن توافر مقومات التحقيق القانوني وضماناته قبل توقيع العقوبة التأديبية على الموظف ، بما في ذلك إحاطته علما بما هو منسوب إليه ، وسماع أقواله ، ومواجهته بأدلة الثبوت ، وإتاحة الفرصة له للدفاع عن نفسه وسماع شهود النفي الذين يرى الاستشهاد بهم ، تقتضى كفالة حق الدفاع كاملاً للموظف بما يقتضى حتماً الإستعانة بمحام .

 

لذا فإننى أري أن الاستعانة بالمحامي تمثل ضمانة أساسية لحماية حقوق الموظف و كفالة حقه في الدفاع فى التحقيق الإداري ، فمما لاشك فيه لدى أن عدم وجود نص قانوني ينظم صراحة حضور المحامين في جلسات التحقيق التأديبية لا يعني بأى حال من الأحوال منع الموظف من الاستعانة بمحام ، إذ أن الأمر يجد سنده في المبادئ العامة لفقه القانون وأصول المحاكمات العادلة ، ومن بينها أن الأصل في الأعمال الإباحة ، وأن المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد ما يقيده ، و القواعد العامة للتحقيق بوجه عام تسمح بحضور المحامي مع المتهم وترتب ضمانات قانونية على مخالفة إجراءات التحقيق، مما يستوجب إباحة حق المحامين في الحضور مع الموظفين أثناء جلسات التحقيق التأديبي متى رغب الموظف في ذلك ، و على ذلك فإن حضور المحامي يحقق للموظف الاطمئنان إلى عدم التعسف في إجراءات التحقيق، وعدم المساس بالضمانات القانونية الجوهرية المقررة له ، فضلا عن التأكد من احترام حقوقه وضماناته القانونية أثناء التحقيق.

 

و بناءً عليه فإنه لما كان حق الدفاع من الحقوق الدستورية ، فإن هذا الحق لا يقتصر على مرحلة المثول أمام القضاء، وإنما يمتد إلى الإجراءات التأديبية ، ومنها التحقيقات التي تجريها النيابة الإدارية الجهة المختصة دستورياً بالتحقيق فى المخالفات المالية و الإدارية إعمالاً للمادة 197 من الدستور أو الجهات الإدارية التى أجاز لها القانون إجراء التحقيق التأديبي مع الموظفين ، مما يستوجب تمكين الموظف ، سواء كان الاتهام الموجه إليه جزائيًا أو تأديبيًا، من الاستعانة بمحام مرخص للدفاع عنه ومراقبة إجراءات التحقيق والتأكد من عدم تجاوزها لضماناته القانونية الشكلية والموضوعية .

 

و يتولى القضاء الإداري التحقق من توافر السبب الفعلي والقانوني للعقوبة التأديبية ، فإذا تبين له أن خلو التحقيق من الضوابط والضمانات القانونية فإن ذلك يجعله غير صالح للاعتماد عليه قانونًا، ويعرض القرار التأديبي المبني عليه لعيب مخالفة القانون.

 

بقيت مسألة حضور المحامى أمام المحكمة التأديبية أو مجلس التأديب ، فى هذا الصدد أري أن ذلك حق مكفول و مقرر قانوناً وفقاً لصريح نص المادة ( 29 ) من القانون رقم 117 لسنة 1958 بشأن النيابة الإدارية و المحاكم التأديبية و المادة ( 37 ) من قانون 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة ، إذ لا إجتهاد مع صراحة النص ، و هو حق يسري على مجالس التأديب بالجهات التى لا تخضع لولاية المحاكم التأديبية و ذلك لتوافر ذات العلة فى طبيعة عمل وإختصاص مجلس التأديب الذى يتشابه مع طبيعة عمل و إختصاص المحكمة التأديبية.

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى