الجنون الطارئ والحكم البات بالإعدام: وجوب تنفيذه

بقلم: د. مدحت طلعت

وردت إلينا استشارة قانونية نادرة، قلّما تطرّق إليها الفقه أو القضاء، فكان من باب «نشر العلم الذي يُنتفع به» أن نتناولها بالبحث والتمحيص، وتتلخص الاستشارة في الآتي:

شخص صدر ضده حكم بات بالإعدام، غير قابل للطعن فيه بالنقض، فأصيب قبل تنفيذ الحكم بجنون طارئ. فهل يحول هذا الجنون دون تنفيذ العقوبة؟

وقد استغرق هذا البحث جهدًا في تقليب صفحات التشريع المصري، ومقارنة النصوص الملغاة بالنصوص الحالية، للوقوف على إرادة المشرع الحقيقية من وراء هذا الحكم.

إن المتأمل لنصوص قانون الإجراءات الجنائية الحالي يلحظ خلوه التام من أي حكم يجيز وقف تنفيذ عقوبة الإعدام بسبب طارئ يصيب المحكوم عليه.

ولما كان الأمر كذلك، كان لزامًا علينا الرجوع إلى تاريخ التشريع الإجرائي الجنائي في مصر.

فقد صدرت مجموعة الإجراءات الجنائية بالقانون رقم 150 لسنة 1950، وتضمنت نصًا مستحدثًا في الفقرة الأولى من المادة 476 أ.ج، نصها:

«إذا أصيب المحكوم عليه بالإعدام بجنون، يوقف تنفيذ الحكم عليه، ويوضع في أحد المحال المعدة للأمراض العقلية بالمكان المخصص للمسجونين بناءً على أمر النيابة العامة حتى يبرأ».

وكانت هذه الفقرة إضافة جديدة لم يكن لها نظير لا في «قانون تحقيق الجنايات» ولا في «لائحة السجون» القديمة أو الجديدة.

إلا أن المشرع لم يستبق هذا النص طويلًا، فصدر المرسوم بقانون رقم 116 لسنة 1952 بحذف الفقرة الأولى من المادة المشار إليها، وأصبح نصها:

«يوقف تنفيذ عقوبة الإعدام على الحبلى إلى ما بعد شهرين من وضعها».

وبذلك عاد الحال إلى ما كان عليه قبل صدور القانون الحالي، بإلغاء صريح لوقف التنفيذ بسبب الجنون.

النتيجة القانونية

وبناءً عليه: لا يجوز وقف تنفيذ عقوبة الإعدام إذا طرأت على المحكوم عليه عاهة عقلية بعد صيرورة الحكم باتًا.

ويظهر جليًا أن غاية المشرع من هذا الحذف هي سد باب التحايل أمام المحكوم عليهم الذين قد يدعون الجنون بقصد تأجيل تنفيذ حكم الإعدام.

ويؤكد هذا الاتجاه ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور توفيق الشاوي من أنه: «حتى إذا فُرض أن الجنون كان حقيقيًا، فإن المشرع لم يرَ فائدة من تأجيل التنفيذ ما دام مصير المتهم هو الإعدام».

يبدو مما سبق أنه يشترط لتطبيق هذه القاعدة أن يكون الجنون طارئًا بعد صيرورة الحكم باتًا غير قابل للطعن.

أما إذا أصيب المحكوم عليه بالجنون قبل انقضاء ميعاد الطعن بالنقض، أو قبل الفصل فيه، فإنه يترتب على ذلك وجوب وقف إجراءات الدعوى، ووقف سريان ميعاد الطعن بالنسبة له، تطبيقًا لنص الفقرة الأولى من المادة 339 أ.ج.

في الختام، يبدو أن المشرع المصري اختار الحسم، فلم يجعل للجنون الطارئ أثرًا على تنفيذ حكم الإعدام البات، تغليبًا لاعتبارات العدالة الناجزة على اعتبارات الرأفة التي قد يُساء استخدامها.

زر الذهاب إلى الأعلى