
الخيانة الزوجية في عصر التكنولوجيا
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
قبل أن أقول كلمتي في هذه الواقعة، أؤكد ابتداءً أنني لا أستبق التحقيقات، ولا أصدر حكمًا على أحد، ولا أضع نفسي مكان النيابة العامة أو القضاء؛ فهذه جهات لها اختصاصها، والقضاء وحده هو صاحب الكلمة الفصل في ثبوت الوقائع ونسبتها وتكييفها القانوني. وما أطرحه هنا ليس حكمًا على الواقعة، وإنما قراءة قانونية في الوقائع كما وصلت إلي، وفي تساؤلات أثيرت أمامي من عدد من الأصدقاء والزملاء: هل يتوافر في هذه الواقعة عذر الاستفزاز؟ وهل مشاهدة الزوج تسجيلا مصورا لزوجته من مكان بعيد يمكن أن يكون لها من الأثر ما للمشاهدة المباشرة؟ وهل انتقاله من دولة ليبيا إلى مصر يكفي للقول بقيام سبق الإصرار؟! وبحسب ما تداولته وسائل الإعلام، فإن الزوج كان موجودا في دولة ليبيا، ووصل إليه تسجيل مصور لزوجته في علاقة جنسية مع رجل آخر، وقيل إن العلاقة الأولى تمت بإرادتها، ثم قام هذا الشخص بتصويرها وابتزازها وحملها على إقامة علاقة مع شخص آخر، ثم علم الزوج بما جرى وشاهد التسجيل، وانتقل من ليبيا إلى مصر، حيث وقعت بعد ذلك واقعة قتل الزوجة وشخصين في سوهاج. لكن إذا افترضنا ثبوت هذه الوقائع على النحو المتداول، فإن أول ما ينبغي أن نتوقف عنده هو توقيت العلم.
فقد تكون العلاقة قد وقعت منذ أشهر أو سنوات، ولكن الزوج لم يعلم بها إلا لحظة «مشاهدة» التسجيل. وهذه مسألة لا يجوز المرور عليها سريعا؛ لأن هناك فارقا بين تاريخ وقوع الفعل وتاريخ انكشافه لمن أصابه أثره. قد تقع الواقعة منذ زمن، لكنها بالنسبة إلى من كان يجهلها لم تبدأ نفسيا إلا لحظة علمه بها. ومن ثم، فإن السؤال عند بحث الاستفزاز لا ينبغي أن يكون فقط: متى وقعت الخيانة؟ وإنما أيضا: متى علم الزوج بها؟
فإذا كان قد علم بها للمرة الأولى عند مشاهدة التسجيل، فإن هذه اللحظة هي التي تستحق أن توضع تحت المجهر عند تقدير المفاجأة والانفعال؛ لأن الإنسان لا ينفعل بتاريخ الواقعة المجهولة، وإنما ينفعل حين تنكشف له حقيقتها. وهنا نصل إلى المادة 237 من قانون العقوبات، التي أفردت للزوج الذي يفاجئ زوجته حال تلبسها بالزنا ويقتلها هي ومن يزني بها معاملة عقابية خاصة. وأنا لا أغفل أن النص خاص واستثنائي، وأن تطبيقه لا يكون إلا بتوافر شروطه، لكن السؤال الذي تفرضه هذه الواقعة هو: هل تظل «المفاجأة» مرتبطة بالوجود المادي للزوج في المكان نفسه، في زمن أصبحت فيه الصورة قادرة على أن تنقل الواقعة الحقيقية إلى الإنسان في اللحظة نفسها، أو بعد وقوعها بوقت يسير؟ هنا أقول بوضوح: إذا ثبت أن التسجيل حقيقي، وأنه يصور الواقعة ذاتها، وأن الأشخاص الظاهرين فيه هم أطرافها، فلا ينبغي أن تكون الشاشة حائلًا دون الاعتداد بالمشاهدة وأثرها النفسي. فالتكنولوجيا لم تصنع هنا واقعة أخرى، وإنما نقلت الواقعة الحقيقية إلى عين الزوج.
لقد قبلنا التكنولوجيا في التحقيقات، وفي الأدلة الرقمية، وفي التواصل القضائي، بل إن قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 أخذ بالتنظيم الصريح لإجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد باستخدام وسائل وتقنيات الاتصال الحديثة المسموعة والمرئية، وأجاز اتخاذ هذه الإجراءات كذلك في شأن النظر في أوامر الحبس الاحتياطي ومدها والإفراج المؤقت واستئناف الأوامر المتعلقة بها. ومن المقرر أن يبدأ العمل بالقانون في الأول من أكتوبر 2026. فإذا كانت العدالة نفسها قد أصبحت تقبل أن يرى القاضي ويسمع المتهم والشاهد والخبراء وغيرهم عبر وسيلة تقنية، وأن تُجرى إجراءات قضائية عن بُعد، بل وأن يُنظر في الحبس الاحتياطي ومده والإفراج المؤقت بهذه الوسائل، فكيف نقول بعد ذلك إن التكنولوجيا لا تستطيع أن تنقل إلى الإنسان واقعة حقيقية يمكن أن تحدث في نفسه أثر المشاهدة؟
المسألة ليست في الوسيلة، وإنما في الحقيقة التي نقلتها الوسيلة. قد يكون شخص أخبر الزوج أن زوجته خانته، وهذا مجرد خبر يحتمل الصدق والكذب. أما أن يرى الزوج تسجيلًا مصورًا لواقعة حقيقية، بعد أن يثبت فنيًا أنه غير مفبرك ولا مركب ولا مولد بالذكاء الاصطناعي، فهذه درجة مختلفة تمامًا من الإدراك. ولهذا لا ينبغي أن نضع «الرؤية عن بُعد» في مقابل «الرؤية بالعين» وكأنهما حقيقتان متناقضتان. العين هي التي ترى في الحالتين، وإنما الكاميرا هي التي نقلت الصورة في إحداهما. بل إن التطور التكنولوجي يفرض علينا أن نعيد النظر في بعض المفاهيم القانونية التقليدية دون أن نتجاوز النصوص. فإذا كانت التكنولوجيا قد أصبحت وسيلة معترفًا بها في الإجراءات القضائية وفي نقل المشاهدة والسماع، فلا ينبغي أن نعاملها في مجال الحالة النفسية للجاني باعتبارها شيئًا وهميًا أو أقل من الواقع لمجرد أنها شاشة.
وإذا ثبت أن التسجيل حقيقي، فإن ما وصل إلى الزوج لم يكن خيالًا، ولا شائعة، ولا رواية شخص ثالث؛ وإنما واقعة مصورة انتقلت إليه بالصوت والصورة. أما إذا كان التسجيل مزيفًا أو مركبًا أو مصنوعًا بتقنيات الـDeepfake، فهنا تتغير المسألة تمامًا؛ لأن التكنولوجيا في هذه الحالة لم تنقل الحقيقة، وإنما صنعت صورة كاذبة لها. ولذلك يصبح الفحص الفني لأصالة التسجيل ونسبته أمرًا جوهريًا قبل أن نبني عليه أي استنتاج. وهنا أتذكر واقعة سبق أن أثيرت في إحدى القضايا التي تولى الدفاع فيها المستشار بهاء أبو شقة، وكان جوهرها ــ بحسب ما روي عنها ــ أن الزوج لم يشاهد واقعة الخيانة بنفسه، وإنما وصل إليه خبر يمس زوجته وسمعتها، ومع ذلك كان لهذا العلم أثر في تقدير حالته النفسية. فإذا كان مجرد العلم الذي وصل إلى الزوج عن طريق السماع يمكن أن يكون له أثر في تقدير حالته النفسية، فما بالك بتسجيل مصور يراه بعينيه، متى ثبتت صحته؟ ومن هنا لا أرى أن التكنولوجيا ينبغي أن تكون سببًا لاستبعاد فكرة الاستفزاز، بل على العكس، قد تكون هي الوسيلة التي جعلت واقعة كانت بعيدة عن الزوج حاضرة أمامه فجأة بكل تفاصيلها.
ثم تأتي المسألة الثانية، وهي أهم ما أثير حول انتقال الزوج من ليبيا إلى مصر: سبق الإصرار. وهنا أقولها بوضوح: لا يجوز أن نحول الزمن إلى سبق إصرار. المشرع عندما تناول سبق الإصرار في المادة 231 من قانون العقوبات لم يحدد له مدة زمنية معينة. لم يقل إن مرور ساعة يحققه، أو أن يومًا يكفي، أو أن الانتقال من دولة إلى دولة يجعله قائمًا. لأن سبق الإصرار في حقيقته حالة ذهنية، تقوم على إعمال الفكر والتروي والتدبر السابق على التنفيذ. ومن هنا، فالسؤال ليس: كم استغرقت الرحلة من ليبيا إلى مصر؟! وإنما: ماذا حدث في نفس الزوج خلال هذه الرحلة؟ وليست واقعة مأمور البداري عنا ببعيد؛ فقد استقر قضاء النقض منذ ذلك الحكم على أن العنصر الزمني وحده لا يكفي لقيام سبق الإصرار، وأن العبرة بأن يكون الزمن قد أتاح للجاني فرصة التروي والتفكير الهادئ المطمئن. فإذا كانت النفس لا تزال موتورة، منزعجة، هائجة مائجة، فإن مجرد امتداد الزمن لا يحولها تلقائيًا إلى نفس هادئة قادرة على التدبر. وقد ظلت هذه القاعدة حاضرة في قضاء النقض عند استخلاص سبق الإصرار من ظروف الدعوى وملابساتها. وهذه القاعدة تحديدًا هي التي تجعل انتقال الزوج من ليبيا إلى مصر لا يحسم وحده مسألة سبق الإصرار. فقد يقطع الإنسان مسافة طويلة، ويظل طوالها تحت تأثير صدمة واحدة لم يستطع تجاوزها. وقد ينتقل من دولة إلى دولة، وتظل نفسه هائجة مضطربة، لا تستعيد هدوءها ولا تتهيأ لتفكير مطمئن وروية هادئة.
وفي المقابل، قد يستغرق اتخاذ القرار دقائق، لكن الجاني يكون قد استجمع هدوءه ودبر أمره وأعد وسيلته واختار طريق التنفيذ. إذن، ليست المسافة هي التي تصنع سبق الإصرار، وإنما الحالة النفسية التي صاحبتها. ولهذا فإن القول بأن انتقال الزوج من ليبيا إلى مصر يعني حتمًا توافر سبق الإصرار لا يستقيم في ذاته. نعم، قد تكون الرحلة قرينة على سبق الإصرار إذا كشفت ظروفها عن تخطيط هادئ وتدبير سابق؛ لكنها قد تكون، في ظروف أخرى، مجرد انتقال مادي لجاني ظل منذ لحظة المشاهدة أسيرًا لصدمة وانفعال لم ينقطعا. والسؤال الذي يجب أن تطرحه التحقيقات ليس عن عدد ساعات الرحلة فقط، وإنما: هل هدأ؟ هل فكر في هدوء؟ هل أعد للجريمة؟ هل اختار وسيلتها ومكانها وضحاياها؟ هل اتخذ خطوات متتابعة تكشف عن تدبير وروية؟ أم أنه ظل يتحرك تحت وطأة الانفعال ذاته حتى وصل إلى مكان الجريمة؟ إذا أثبتت الأوراق الصورة الأولى، فهنا يمكن الحديث عن سبق الإصرار. أما إذا أثبتت الصورة الثانية، فإن القول بانتفاء سبق الإصرار يصبح له سنده؛ لأن مجرد مرور الوقت لا يكفي متى لم يكن هذا الوقت قد أتاح التروي والتفكير الهادئ المطمئن. وهنا تتضح العلاقة بين المسألتين: قد يكون الاستفزاز قائمًا، وقد لا يكون سبق الإصرار قائمًا؛ لأن العذر المخفف والظرف المشدد لكل منهما مناطه المستقل. ولا يجوز أن نستنتج أحدهما من مجرد وجود الآخر.
فإذا ثبت أن الزوج فوجئ بالواقعة لحظة مشاهدته التسجيل، وأن التسجيل حقيقي، وأنه لم يكن يعلم بالخيانة قبل ذلك، وأن الصدمة ولّدت حالة انفعال شديدة ظلت متصلة حتى التنفيذ، فإن القول بتوافر عذر الاستفزاز يجد له أساسًا جديًا في الوقائع التي ستكشف عنها التحقيقات. وفي الوقت ذاته، إذا ثبت أن هذه الحالة الانفعالية لم تنقطع، وأن الفترة بين المشاهدة والتنفيذ لم تتحول إلى فترة هدوء وروية وتدبير، فإن سبق الإصرار قد لا يتوافر في شأنه. وهنا بالذات يجب أن نقرأ واقعة مأمور البداري لا بوصفها حكاية تاريخية، وإنما باعتبارها قاعدة تكشف لنا جوهر سبق الإصرار: القانون لا ينظر إلى الساعة وحدها، وإنما ينظر إلى النفس التي مرت داخل هذه الساعة. قد تمر ساعات ولا يهدأ الإنسان، وقد تمر أيام ولا يستعيد توازنه، وقد يستمر الهياج النفسي فترة طويلة. فما بالك بمن ينتقل من دولة إلى دولة وهو ــ بحسب الفرض الذي نبحثه ــ يحمل معه صدمة اكتشاف مفاجئ لم يكن مستعدًا له؟
ومن ثم، فإن مجرد القول: «لقد كان أمامه وقت كافٍ» لا يكفي. السؤال الذي يسبق ذلك: وقت كافٍ لماذا؟ هل كان وقتًا كافيًا للتروي والتفكير الهادئ أم كان وقتًا كافيًا فقط للانتقال من مكان إلى آخر؟ وهذه نقطة فارقة. وفي تقديري، فإن التكنولوجيا هنا لا تعقد المسألة بقدر ما تكشف عن الحاجة إلى تحديث طريقة فهمنا لبعض المفاهيم الجنائية. لقد أصبح الإنسان يرى ويسمع من مكان بعيد، وأصبح القضاء نفسه يستخدم الوسائل ذاتها. وقانون الإجراءات الجنائية الجديد يضع ذلك في إطار تشريعي صريح، فينظم التحقيق والمحاكمة عن بُعد، ويجيز استخدام وسائل الاتصال الحديثة في إجراءات الحبس الاحتياطي ومده والإفراج المؤقت واستئناف أوامر الحبس، بما يؤكد أن المشرع لم يعد ينظر إلى الحضور المادي في المكان بوصفه الطريق الوحيد لتحقيق المشاهدة والسماع والمواجهة.
وهنا يصبح من غير المنطقي أن نقول إن التكنولوجيا تصلح لكي يرى بها القاضي المتهم ويسمعه، ويصلح بها الشاهد أن يدلي بشهادته، ويصلح بها إجراء قضائي أن يتم عن بُعد، ثم نقول إنها لا تصلح لكي تكون الوسيلة التي رأى بها شخص واقعة حقيقية وانفعل بها. إذا كانت التكنولوجيا قادرة على أن تنقل الحضور القضائي، فهي قادرة كذلك على أن تنقل المشاهدة الإنسانية. والفارق في النهاية ليس بين «واقع» و«افتراض»، وإنما بين تسجيل حقيقي وتسجيل مزيف. فإذا ثبتت الحقيقة، فلا ينبغي أن نضع الشاشة بين الإنسان والواقعة ثم نقول إن ما شاهده ليس مشاهدة. ولهذا فإنني، في ضوء الوقائع كما وصلت إلي، لا أرى غضاضة في القول إن الدفاع عن توافر عذر الاستفزاز يستحق أن يؤخذ بجدية، إذا أثبتت التحقيقات حداثة العلم، وصحة التسجيل، وحقيقة المشاهدة، واتصال الانفعال بها، ووقوع الفعل في سياق لم يسترد فيه الزوج هدوءه. كما لا أرى أن الانتقال من ليبيا إلى مصر يكفي وحده لإثبات سبق الإصرار؛ فقد يثبت، وقد ينتفي، بحسب ما تكشف عنه التحقيقات من حقيقة ما جرى خلال هذه الفترة. فإذا كان الزوج قد هدأ وفكر ودبر، فهذه صورة، وإذا كان قد ظل في حالة هياج واضطراب حتى التنفيذ، فهذه صورة أخرى تمامًا.
ولذلك فإن القضية في حقيقتها ليست قضية «فيديو» فقط، ولا قضية «رحلة من ليبيا إلى مصر» فقط. إنها قضية توقيت، وإدراك، وحالة نفسية، وزمن، وتدبر. متى علم؟ ماذا رأى؟ هل كان ما رآه حقيقيًا؟ كيف كان أثر المشاهدة عليه؟ ماذا فعل خلال الفترة التي فصلت بين المشاهدة والتنفيذ؟ هل هدأ أم ظل هائجًا؟ هل خطط أم اندفع؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تبحثها التحقيقات، ومنها وحدها يمكن أن يتحدد الموقف القانوني. أما نحن، فليس لنا إلا أن نقرأ النص في ضوء الإنسان، وأن نقرأ الإنسان في ضوء النص، وأن ندرك أن القانون الجنائي لا يعيش خارج الزمن، وإنما يعيش داخل مجتمع تتغير أدواته ووسائل إدراكه للواقع. وسندع التحقيقات تكشف الحقيقة، وسندع القضاء يقول كلمته؛ فهذه في النهاية ليست قضية تُحسم بانطباع عابر أو بحكم يصدر من خلف شاشة، وإنما قضية ينبغي أن تُقرأ بعين القانون، وبعقل القانون، وبحساسية القانون تجاه النفس البشرية في اللحظة التي انتقلت فيها من العلم إلى الانفعال، ومن الانفعال إلى الفعل. والله من وراء القصد.