
استحالة تنفيذ الحكم القضائي
المستشار الدكتور ـ إسلام إحسان ـ نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية
استحالة تنفيذ الحكم القضائي هي الحالة التي يتعذر فيها مادياً أو قانونياً تطبيق مضمون الحكم الصادر بسبب ظروف طارئة أو قوة قاهرة تجعل الإجراءات العملية للتنفيذ على الوجه العيني الذى قضى به الحكم غير ممكنة .
و الأصل أن المادة ( 72 ) من دستور جمهورية مصر العربية الحالي كانت تنص على أن تصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب، ويكون الامتناع من تنفيذها أو تعطيل تنفيذها من جانب الموظفين العموميين المختصين جريمة يعاقب عليها القانون ، كما أن المادة (٥٢) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم (٤٧) لسنة ۱۹۷۲ تنص على أن تسرى في شأن جميع الأحكام القواعد الخاصة بقوة الشيء المحكوم فيه على أن الأحكام الصادرة بالإلغاء تكون حجة على الكافة، وأن المادة (۱۰۱) من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم (٢٥) لسنة ١٩٦٨ تنص على أن الأحكام التي حازت قوة الأمر المقضى تكون حجة فيما فصلت فيه من الحقوق ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه الحجية ……
و حيث أن الدستور جعل إصدار الأحكام القضائية وتنفيذها باسم الشعب، وبالنظر إلى أهمية وضرورة احترامها عد الامتناع عن تنفيذها، أو تعطيل تنفيذها من جانب الموظفين العموميين المختصين جريمة يعاقب عليها القانون، وأن المشرع أضفى بموجب حكم المادة (٥٢) من قانون مجلس الدولة المشار إليه على جميع أحكام محاكم مجلس الدولة القطعية قوة الأمر المقضى بمجرد صدورها، وجعل الأحكام الصادرة في دعاوى الإلغاء حجة على الكافة ، وتلك نتيجة لا معدى عنها إدراكا للطبيعة العينية لدعوى الإلغاء ، وأن احترام قوة الشيء المقضى به مبدأ أساسي وأصل من الأصول القانونية الواجبة الاحترام تمليه الطمانينة العامة ، وتقضى به ضرورة استقرار الأوضاع استقرارا ثابتا، باعتبار أن قوة الأمر المقضى التي اكتسبها الحكم تعلو على اعتبارات النظام العام ، وأنه إذا حكم بالإلغاء فإن جهة الإدارة تلتزم تنفيذ الحكم وإعادة الحال إلى ما كان عليه وكأن القرار لم يصدر إطلاقا، دون أن تمتنع عن تنفيذه ، أو تتقاعس عنه نزولاً على قوة الأمر المقضى المقررة للحكم والتزاماً بسيادة القانون، إلا أن تقوم استحالة قانونية ، أو مادية تحول دون تنفيذه ، وتتمثل الأخيرة في اصطدام التنفيذ بعقبة تحول دون ذلك، كأن يكون محل تنفيذ الحكم قد زال من الوجود قبل التنفيذ ، إذ الأصل هو تنفيذ الالتزام عينا حتى لو كان ذلك جبرا على المدين به متى كان هذا التنفيذ ممكنا، وأن التنفيذ بطريق التعويض لا يكون إلا عوضا عن التنفيذ العيني إذا استحال هذا التنفيذ. أو إذا اتفق الدائن والمدين على استبدال التعويض بالتنفيذ العيني، سواء أكان ذلك صراحة، أو ضمناً وأن تنفيذ الحكم عيناً ، أو تنفيذه بطريق التعويض قسيمان متكافتان قدرا و متحدان موضوعا يندمج كل منهما في الآخر، ويتقاسمان معا تنفيذ الالتزام الأصلي.(الجمعية العمومية لقسمي الفتوى و التشريع – الفتوى 58/1/468 – جلسة 23/10/2017 )
و على ذلك فإنه ولئن كانت الأحكام القضائية القطعية تفرض نفسها عنوانا للحقيقة ، ويلزم تنفيذها نزولاً على قوة الأمر المقضى الثابتة لها قانونا والتي تشمل – على نحو ما تقدم – الحجية ؛ لكون قوة الأمر المقضى التي اكتسبها الحكم تعلو على اعتبارات النظام العام ، بما لا يسوغ معه قانونا – مع نهائية الحكم – إعادة مناقشته، وإنما التسليم بما قضى به ؛ لأنه هو عنوان الحقيقة، وأن مقتضى تنفيذ الحكم الحائز لقوة الأمر المقضى، أن يتم تنفيذه بالمدى الذى عينه الحكم، فيجب أن يكون التنفيذ كاملاً غير منقوص على الأساس الذى أقام عليه الحكم قضاءه ، إلا أن هناك فرقا بين حجية الحكم وقوته التنفيذية ، فلا خلاف على أن الحكم بما له من حجية يعد عنوانا للحقيقة ، ولكن تنفيذ الحكم قد يتعطل أثره ، أو يستحيل تنفيذه إذا اصطدم الأثر المترتب على تنفيذ الحكم بعقبة تحول دون ذلك كأن يكون محل تنفيذ الحكم قد زال من الوجود قبل التنفيذ.
و لذلك أفتى مجلس الدولة بأن صدور القرار الذى حكمت المحكمة بوقف تنفيذه قد جرى تعديله بموجب قرار أخر في تاريخ سابق على إقامة الدعوى ، وذلك باستبدال المادة الأولى منه لتصبح بالموافقة على المساهمة في نفقات علاج السيد المذكور ، ومن ثم يكون الحكم الصادر في هذه الدعوى قد حكم بوقف تنفيذ قرار زال من الوجود في تاريخ سابق على إقامة الدعوى ، على نحو يضحى معه هذا الحكم واردًا على غير محل ، ومن ثم تكون هناك استحالة مادية تحول بين هذا الحكم وتنفيذه لانتفاء محله .(الجمعية العمومية لقسمي الفتوى و التشريع – الفتوى 58/1/467 – جلسة 27/6/2018 )
واستحالة التنفيذ التى ينقضى بها الإلتزام هى الاستحالة المطلقة ، وتتنوع استحالة التنفيذ إلى استحالة مادية أو واقعية مثل زوال محل أو موضوع الدعوى في الواقع أو زوال الوظيفة تماماً، أو بلوغ الموظف سن التقاعد القانونية، أو إلغاء الوظيفة التي كان يعمل بها الموظف ، و ستحالة قانونية تتمثل فى ظهور موانع تشريعية أو قانونية تمنع إتمام التنفيذ مثل صدورقانون لاحق يمنع أثر الحكم أو يتعارض الحكم مع حكم أخر سابق حائز قوة الأمر المقضى أو صدور حكم تأديبي بتوقيع جزاء يستحيل تنفيذه قانوناً أو صدور قوانين لاحقة تضع شروط جديدة لشغل الوظيفة ، أو يتعارض تنفيذ الحكم بعودة الموظف لوظيفة سابقة مع مراكز قانونية مستقرة لغيره لا يمكن المساس بها (كأن يكون المكان قد شغل بقرار تعيين نهائي تحصن و لا يجوز المساس به) .
و فى أحوال إستحالة تنفيذ الحكم فإن ذلك يفتح الباب أمام تحويل الالتزام إلى التعويض المالي الجابر للضرر نتيجة استحالة تنفيذ الحكم ، وتقرير التعويض يكون بما يعادل الأضرار المادية والأدبية التي لحقت جراء عدم تنفيذ الحكم عينياً.