نمذجة ديباجة الأوامر والأحكام القضائية

مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة – المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي

مقدمة

 من خلال استعراض النصوص الواردة في قانون الإجراءات الجنائية المصري الجديد رقم 174 لسنة 2025م، يبدو جلياً أن المشرع يستهدف من وراء هذه النصوص القضاء على مشكلة تشابه الأسماء وما تثيره من مساس بحريات الأفراد بدون وجه حق، وذلك من خلال تطلب تدوين الرقم القومي في المحاضر والأوامر والأحكام القضائية. ومع ذلك، فإن تحقق هذا الهدف على أرض الواقع مرهون بمدى التزام القائمين على تطبيق القانون بإدراج الرقم القومي فعلاً في الأوراق القضائية سالفة الذكر. ومن خلال استعراض الاجتهاد القضائي بشأن إغفال ذكر بعض البيانات الشخصية في ديباجة الأحكام والأوامر القضائية، فإن أغلب الظن أن القضاء لن يرتب البطلان على إغفال ذكر الرقم القومي للمتهم.

 والحل في اعتقادنا لهذه الإشكالية هو نمذجة ديباجة الأوامر والأحكام القضائية، مع كفالة الوسائل والآليات اللازمة لتعبئة هذه النماذج بشكل دقيق وتدوين كل البيانات المطلوبة وتفعيل التفتيش الإداري على القلم الجنائي. ولتوضيح وجهة نظرنا، تجدر الإشارة إلى أن قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م قد أشار إلى عبارة «النموذج الذي يقرره وزير العدل» في أربعة مواضع. وقد ورد نظير لثلاثة من هذه المواضع في قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م، بينما ورد خلواً من الموضع الرابع. ولكن، وفي مقابل ذلك، تضمن القانون القديم موضعاً لم يرد له مقابل في القانون الجديد، ويتعلق بنظام الإكراه البدني الذي ألغي في القانون الجديد.

خطة الدراسة

المطلب الأول: نموذج إعلان الأوامر الجنائية.

المطلب الثاني: نموذج أمر إيداع المحكوم عليه بالإعدام في مركز الإصلاح والتأهيل.

المطلب الثالث: نموذج أمر تنفيذ الأحكام الصادرة بالعقوبات السالبة للحرية.

المطلب الرابع: نموذج أمر تنفيذ الإلزام بعمل للمنفعة العامة.

المطلب الخامس: نموذج أمر تنفيذ الإكراه البدني.

المطلب السادس: مدى ملاءمة إقرار نموذج لديباجة الأحكام القضائية.

المطلب السابع: جهة الاختصاص بإصدار النماذج.

المطلب الأول

نموذج إعلان الأوامر الجنائية

ففيما يتعلق بإعلان الأوامر الجنائية، ووفقاً للمادة (328) الفقرة الثانية من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م، «يعلن الأمر على النموذج الذي يقرره وزير العدل إلى المتهم والمدعي بالحقوق المدنية، ويجوز أن يكون الإعلان بواسطة أحد رجال السلطة العامة، كما يجوز الإعلان عن طريق الهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني المثبت ببيانات الرقم القومي بحسب الأحوال».

وهذه المادة تقابل المادة (326) الفقرة الثانية من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م، بنصها على أن «يعلن الأمر إلى المتهم والمدعي بالحقوق المدنية على النموذج الذي يقرره وزير العدل، ويجوز أن يكون الإعلان بواسطة أحد رجال السلطة العامة».

وهكذا، يتطلب المشرع أن يتم إعلان الأمر الجنائي على النموذج الذي يقرره وزير العدل. والمقصود هنا هو نموذج الإعلان، وليس نموذج الأمر الجنائي ذاته. ونعتقد أنه لا يوجد ما يمنع من تقرير نموذج لديباجة الأمر الجنائي، وبحيث يلتزم بهذا النموذج كل من يعهد إليه القانون بإصداره. وفيما يتعلق بأعضاء النيابة العامة، وبحكم تبعيتهم للنائب العام، يمكن أن يصدر هذا النموذج من النائب العام. وميزة هذا النموذج هي أنه يضع تحت بصر المنوط به إصدار الأمر البيانات الواجب توافرها في ديباجته، حيث يغلب أن ينصب اهتمام المنوط به إصدار الأمر على مضمونه وفحواه.

ويثور التساؤل في هذا الشأن عن السبب وراء إفراد إعلان الأمر الجنائي بنموذج، بينما لا يتم إقرار نموذج مماثل لإعلان أمر الإحالة وكذا إعلان الأحكام والأوامر القضائية الأخرى. وحبذا ولو تم إعداد هذا النموذج باللغتين العربية والانجليزية، بحيث يراعي الاحتياجات اللغوية لغير الناطقين بالعربية.

المطلب الثاني

نموذج أمر إيداع المحكوم عليه بالإعدام في مركز الإصلاح والتأهيل

فيما يتعلق بأمر إيداع المحكوم عليه بالإعدام في مركز الإصلاح والتأهيل ريثما يتم تنفيذ العقوبة الصادرة بحقه، ووفقاً للمادة (444) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م، «يودع المحكوم عليه بالإعدام في مركز الإصلاح والتأهيل بناء على أمر تصدره النيابة العامة على النموذج الذي يقرره وزير العدل إلى أن ينفذ فيه الحكم».

وهذه المادة تقابل المادة (471) من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م، بنصها على أن «يودع المحكوم عليه بالإعدام في السجن بناء على أمر تصدره النيابة العامة على النموذج الذي يقرره وزير العدل إلى أن ينفذ فيه الحكم».

المطلب الثالث

نموذج أمر تنفيذ الأحكام الصادرة بالعقوبات السالبة للحرية

الأمر ذاته ينطبق على الأمر الصادر من النيابة العامة بتنفيذ الأحكام الصادرة بالعقوبات المقيدة للحرية بمراكز الإصلاح والتأهيل. إذ تنص المادة (451) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م على أن «تنفذ الأحكام الصادرة بالعقوبات المقيدة للحرية بمراكز الإصلاح والتأهيل المعدة لذلك بمقتضى أمر يصدر من النيابة العامة على النموذج الذي يقرره وزير العدل».

وهذه المادة تقابل المادة (478) من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م، بنصها على أن «تنفذ الأحكام الصادرة بالعقوبات المقيدة للحرية بالسجون المعدة لذلك بمقتضى أمر يصدر من النيابة العامة على النموذج الذي يقرره وزير العدل».

المطلب الرابع

نموذج أمر تنفيذ الإلزام بعمل للمنفعة العامة

إذا كان المشرع يعهد لوزير العدل بأن يقرر النموذج الذي يصدر به أمر النيابة العامة فيما يتعلق بتنفيذ عقوبة الإعدام وتنفيذ العقوبات المقيدة للحرية، فإن الاختصاص ينعقد للنائب العام فيما يتعلق بالنموذج الذي يصدر وفقاً له أمر النيابة العامة بتنفيذ الإلزام بعمل للمنفعة العامة. ولعل ذلك يبدو جلياً من مطالعة المادة (475) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م، بنصها على أن «يكون تنفيذ الإلزام بعمل للمنفعة العامة بأمر يصدر من النيابة العامة على النموذج المعد لهذا الغرض بعد إعلان المتهم طبقًا للمادة 464 من هذا القانون، وبعد أن يكون قد أمضى جميع مدد العقوبات المقيدة للحرية المحكوم بها». «ويصدر بتحديد النموذج وأنواع الأعمال التي يجوز إلزام المحكوم عليه بالعمل فيها للمنفعة العامة والجهات الإدارية التي تتقرر بها هذه الأعمال، قرار من النائب العام بالتنسيق مع الجهات المعنية».

المطلب الخامس

نموذج أمر تنفيذ الإكراه البدني

طبقاً للمادة (516) من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م، «يكون تنفيذ الإكراه البدني بأمر يصدر من النيابة العامة على النموذج الذي يقرره وزير العدل، ويشرع فيه في أي وقت كان بعد إعلان المتهم طبقاً للمادة 505، وبعد أن يكون قد أمضى جميع مدد العقوبات المقيدة للحرية المحكوم بها».

وهذا النص لا نظير له ولا مثيل في قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م، حيث ألغى هذا القانون الإكراه البدني كوسيلة لتنفيذ عقوبة الغرامة وغيرها من العقوبات المالية، واستعاض عن هذا الإجراء بالعمل للمنفعة العامة. وحسناً فعل المشرع المصري في هذا الشأن. ويشكل ذلك أحد مزايا القانون الجديد.

المطلب الخامس

مدى ملاءمة إقرار نموذج لديباجة الأحكام القضائية

 يتضمن الحكم أجزاء ثلاثة: الديباجة والأسباب والمنطوق. ووفقاً للمادة (310) من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025م، «يجب أن يشتمل الحكم على الأسباب التي بني عليها، وكل حكم بالإدانة يجب أن يشتمل على بيانات المحكوم عليه بما فيها الرقم القومي وبيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، وأن يشير إلى نص القانون الذي حكم بموجبه». وهذه المادة تقابل المادة (310) من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م، بنصها على أن «يجب أن يشتمل الحكم على الأسباب التي بني عليها، وكل حكم بالإدانة يجب أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها وأن يشير إلى نص القانون الذي حكم بموجبه». والبين من هذا النص أن قانون الإجراءات الجنائية كان يتناول فقط الجزئية المتعلقة بتسبيب الحكم، فلم يحدد البيانات التي يجب أن تشتمل عليها ديباجة الحكم، مكتفياً في هذا الشأن بما ورد في المادة (178) من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 13 لسنة 1968م.

وقد أجملت المادة 178 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري رقم 13 لسنة 1968م البيانات التي يتعين أن يتضمنها الحكم، بنصها على أن «يجب أن يبين في الحكم المحكمة التي أصدرته، وتاريخ إصداره، ومكانه، وما إذا كان صادراً في مادة تجارية أو مسألة مستعجلة، وأسماء القضاة الذين سمعوا المرافعة واشتركوا في الحكم وحضروا تلاوته وعضو النيابة العامة الذي أبدى رأيه في القضية إن كان، وأسماء الخصوم وألقابهم وصفاتهم وموطن كل منهم وحضورهم وغيابهم. كما يجب أن يشتمل الحكم على عرض مجمل لوقائع الدعوى ثم طلبات الخصوم وخلاصة موجزة لدفوعهم ودفاعهم الجوهري، ورأي النيابة ثم تذكر بعد ذلك أسباب الحكم ومنطوقه. والقصور في أسباب الحكم الواقعية، والنقص أو الخطأ الجسيم في أسماء الخصوم وصفاتهم كذا عدم بيان أسماء القضاة الذين أصدروا الحكم يترتب عليه بطلان الحكم».

والمبدأ القانوني المقرر في قضاء محكمة النقض المصرية والقضاء المقارن هو أن القانون لم يرسم شكلاً أو نمطاً حرفياً موحداً لصياغة الأحكام القضائية، ويكفي لسلامة الحكم أن يتضمن البيانات الأساسية والجوهرية ويشتمل على الوقائع والأسباب والمنطوق دون تقيد بصيغة جامدة. وبعبارة أخرى، يكفي أن يكون مجموع ما أورده الحكم مؤدياً إلى تفهم الواقعة بأركانها وظروفها. وفي المقابل، قضت محكمة النقض المصرية في أحكام عديدة بأنه لا يبطل الحكم تحريره على نموذج مطبوع من قبل، طالما أنه قد استوفى البيانات التي يتطلبها القانون (يراجع على سبيل المثال: نقض 9 فبراير سنة 1959م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 10، رقم 38، ص 170؛ نقض 21 مارس سنة 1976م، س 27، رقم 67، ص 320؛ نقض 31 مايو سنة 1976م، س 27، رقم 130، ص 589؛ نقض 17 يناير سنة 1977م، س 28، رقم 25، ص 119؛ نقض 16 مايو سنة 1977م، س 28، رقم 130، ص 614؛ نقض 7 نوفمبر سنة 1977م، س 28، رقم 192، ص 921؛ نقض 8 مايو سنة 1978م، س 29، رقم 90، ص 487؛ نقض أول أكتوبر سنة 1979م، س 30، رقم 157، ص 746؛ نقض 11 نوفمبر سنة 1981م، س 32، رقم 152، ص 889؛ نقض 15 ديسمبر سنة 1981م، س 32، رقم 203، ص 1136؛ نقض 21 يناير سنة 1982م، س 33، رقم 12، ص 68؛ نقض 29 مايو سنة 1984م، س 35، رقم 121، ص 538؛ نقض 3 مايو سنة 1990م، س 41، رقم 118، ص 684).

والواقع أن الهدف من وراء هذا القضاء هو مجرد التيسير في العمل. وقد كان هذا الهدف هو رائد المشرع نفسه في المادة 312 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م والمادة 312 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م، عندما أجاز تحرير الحكم بأسبابه كاملاً خلال ثمانية أيام من تاريخ صدوره، بقدر الإمكان، …، ولا يجوز تأخير توقيع الحكم عن الثمانية أيام المقررة إلا لأسباب قوية. وعلى كل حال يبطل الحكم إذا مضى ثلاثون يوماً دون حصول التوقيع، ما لم يكن صادراً بالبراءة….». إذ يقرر هذا النص مبدأ تحرير الحكم بأسبابه والتوقيع عليه، وحدد له ميعادين: الأول، ثمانية أيام، والثاني ثلاثون يوماً. وجعل الميعاد الأول إرشادياً، والثاني وجوبياً. والواقع أن الأصل هو أن يدون الحكم في منطوقه وأسبابه قبل النطق به، كي لا تنطق المحكمة به إلا وهي مقتنعة تماماً ما تريد تقريره، مقتنعة كذلك بما تستند إليه من أسباب. وإذا كان الشارع قد أجاز تحرير الحكم بعد صدوره، وفي خلال أجل معين، فذلك مجرد تيسير في العمل، لا ينفي الأصل العام. وقد أشارت محكمة النقض نفسها إلى ذلك، حيث تقول: «الأصل في الأحكام أن تحرر كاملة قبل النطق بها، بحيث لو تأخر صدورها فإنها مع ذلك يجب أن تستند إلى اليوم المذكور. أما ما نص عليه قانون الإجراءات الجنائية من جواز تحرير الحكم بأسبابه في الثمانية أيام التالية لصدوره، فإنما هو من قبيل التيسير على القاضي وكاتب الجلسة في تدوين الحكم والتوقيع عليه» (نقض 12 أكتوبر سنة 1953، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 5، رقم 6، ص 15).

وفي اعتقادنا أنه لا يوجد ما يمنع قانوناً من نمذجة بيانات الحكم القضائي، بما ييسر على القاضي والكاتب تدوين الحكم والتوقيع عليه. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، ورغم أن المبدأ القضائي المقرر في أحكام المحاكم العليا يقضي بأنه لا يشترط في الحكم القضائي شكل معين، فقد اتجهت دائرة القضاء في إمارة أبو ظبي إلى تبني نماذج لديباجة الأحكام والأوامر القضائية الصادرة عن محاكمها. وقد كان لي شرف الإسهام في هذه التجربة ومعايشتها من خلال عملي مستشاراً قانونياً بالدائرة.

المطلب السادس

جهة الاختصاص بإصدار النماذج

 بادئ ذي بدء، ينبغي ألا يغيب عن الذهن في هذا الصدد التمييز بين الأوامر التي تدخل في اختصاصات النيابة العامة وبين الأوامر والأحكام القضائية الداخلة في ولاية القضاء. ومنظوراً إلى الأمور على هذا النحو، وباستعراض النماذج المشار إليها في نصوص المواد سالفة الذكر، يبدو جلياً أنها جميعاً تدخل في نطاق اختصاص النيابة العامة، سواء فيما يتعلق بإعلان الأوامر الجنائية أو فيما يتعلق بتنفيذ الأحكام. إذ ينيط المشرع بالنيابة العامة الاختصاص بالأمر بتنفيذ الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية. بيان ذلك أنه، فيما يتعلق بالإعلانات القضائية، أناط المشرع هذا الإجراء بالنيابة العامة. ولعل ذلك يبدو جلياً من مطالعة المادتين (156) و(157) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م. إذ تنص المادة (156) على أنه «إذا رأت النيابة العامة أن الواقعة جناية أو من الجنح التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر عدا الجنح المضرة بأفراد الناس، وأن الأدلة كافية ترفع الدعوى إلى محكمة جنايات أول درجة، وتعلن المتهم بأمر إحالتها، وترسل الأوراق إليها فوراً». وتنص المادة (157) من القانون ذاته على أن «يكون رفع الدعوى في مواد الجنايات بإحالتها من المحامي العام أو من يقوم مقامه إلى محكمة جنايات أول درجة بتقرير اتهام تبين فيه بيانات المتهم، ورقمه القومي، والجريمة المسندة إليه بأركانها المكونة لها، وجميع الظروف المشددة أو المخففة للعقوبة، ومواد القانون المراد تطبيقها، وترفق به قائمة بمضمون أقوال الشهود وأدلة الإثبات الأخرى، ويندب المحامي العام من تلقاء نفسه محامياً لكل متهم بجناية صدر أمر بإحالته إلى محكمة جنايات أول درجة إذا لم يكن قد وكل محامياً للدفاع عنه، وتعلن النيابة العامة الخصوم بالأمر الصادر بالإحالة إلى محكمة جنايات أول درجة خلال العشرة أيام التالية لصدوره».

وفيما يتعلق بتنفيذ الأحكام الجنائية، ووفقاً للمادة (434) الفقرة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025م، «يكون تنفيذ الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية بناء على طلب النيابة العامة وفقًا لما هو مقرر بهذا القانون» (هذه المادة تقابلها المادة 461 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م). وتنص المادة (435) من القانون ذاته على أن «تبادر النيابة العامة إلى تنفيذ الأحكام الواجبة التنفيذ الصادرة في الدعوى الجنائية، ولها عند اللزوم أن تستعين بالقوة الجبرية» (هذه المادة تقابلها المادة 462 من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م).

جهة الاختصاص بإصدار نماذج النيابة العامة

كما سبق أن رأينا، إذا كان المشرع يعهد لوزير العدل بأن يقرر النموذج الذي يصدر به أمر النيابة العامة فيما يتعلق بتنفيذ عقوبة الإعدام وتنفيذ العقوبات المقيدة للحرية، وكذا النموذج الذي يتم وفقاً له إعلان الأوامر الجنائية، فإن الاختصاص ينعقد للنائب العام فيما يتعلق بالنموذج الذي يصدر وفقاً له أمر النيابة العامة بتنفيذ الإلزام بعمل للمنفعة العامة.

وأصل هذه المغايرة يعود في اعتقادنا إلى أن النصوص القانونية المتعلقة بالنماذج الثلاثة الأولى مقتبسة من قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950م. أما النموذج الرابع، فقد وردت الإشارة إليه في نص مستحدث يتعلق بالعمل للمنفعة العامة، والذي استعاض به المشرع عن الإكراه البدني، حيث كان نموذج الأمر بالإكراه البدني يصدر بقرار من وزير العدل.

وهذه المغايرة تثير التساؤل عن الأساس الفلسفي والقانوني الذي يقف وراء هذه المغايرة، وما إذا كان لها ما يبررها، أم أن الأمر يشكل عواراً تشريعياً كان ينبغي على المشرع تلافيه.

وفي الإجابة عن هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أن الطبيعة القانونية للنيابة العامة ووضعها بين السلطتين القضائية والتنفيذية قد أثارت في السابق جدلاً واختلافاً كبيراً بشأن انتمائها إلى أي سلطة منهما. ويمكن التمييز في هذا الشأن بين مراحل ثلاث، كما يلي:

المرحلة الأولى: النيابة العامة شعبة أصيلة من شعب السلطة التنفيذية

 ساد الفكر القانوني ردحاً طويلاً من الزمن القول إن النيابة العمة شعبة أصيلة من شعب السلطة التنفيذية. ففي أحد أحكامها التي تعود إلى بداية العقد الرابع من القرن العشرين، تقول محكمة النقض المصرية إن النيابة العامة «شعبة أصيلة من شعب السلطة التنفيذية خصت بمباشرة الدعوى العمومية نيابة عن تلك السلطة» (نقض 31 مارس سنة 1932م، مجموعة القواعد القانونية، الجزء الثاني، رقم 342، ص 492).

المرحلة الثانية: النيابة العامة شعبة من شعب السلطة القضائية مع بقاء تبعيتها لوزير العدل

 في بداية العقد السابع من القرن العشرين، قضت محكمة النقض المصرية بأن النيابة العامة «شعبة من شعب السلطة القضائية خول الشارع أعضاءها من بين ما خوله لهم سلطة التحقيق ومباشرة الدعوى العمومية» (نقض 9 يناير سنة 1961م، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 12، رقم 1، ص 58). ويفسر بعض الفقه هذا التحول في قضاء النقض عن الحكم الأول الصادر في الثلاثينيات من القرن الماضي، قائلاً: قد يبدو بين القضاءين تناقض، ولكن التنسيق بينهما ممكن، بالنظر إلى تشعب وظائف النيابة العامة وتنوع اختصاصاتها: ذلك أن عمل النيابة العامة فيه جانب تنفيذي هو الاتهام، إذ هو تنفيذ للقانون في صورة تعقب مخالفيه والتنقيب عن الأدلة التي تحدد مسئولياتهم، وهو يمثل طابعاً من الفاعلية والمبادرة. وفيه كذلك جانب قضائي: هو التحقيق، إذ أهم أجزائه موازنة بين أدلة، وتحديد لاحتمال البراءة أو الإدانة. وقد يستتبع ذلك القول بأن النيابة العامة جزء من السلطتين التنفيذية والقضائية معاً. ولكن هذا القول ينطوي على تجزئة للنيابة العامة وإهدار للوحدة التي ينبغي أن يتميز بها عملها. ومن ثم، ينتهي صاحب العبارات سالفة الذكر إلى أن عمل النيابة العامة يغلب عليه – من الوجهة الفنية – الطابع القضائي، باعتبار ما تلتزم به من موضوعية ومن استهداف التطبيق الصحيح للقانون. ويؤكد هذا الطابع أن الإعداد الفني لأعضاء النيابة هو ذات إعداد القضاة، مما يترتب عليه صلاحيتهم – من الوجهة الفنية – لتولي مناصب القضاء. ويؤكد هذا الطابع كذلك اعتبار النيابة العامة جزءاً متمماً ولازماً في تشكيل القضاء الجنائي. وهذه الاعتبارات في مجموعها تقود إلى القول بانتماء النيابة العامة إلى السلطة القضائية (د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1995م، رقم 73، ص 85 و86. راجع كذلك: د. أحمد فتحي سرور، المركز القانوني للنيابة العامة، مجلة القضاة، 1968م، ص 126؛ د. محمد عيد الغريب، المركز القانوني للنيابة العامة، 1979م، رقم 126، ص 227).

 وقد أقرت هذا الرأي المحكمة العليا، فقالت إن «النيابة العامة هي على الرأي الراجح شعبة من السلطة القضائية تتولى أعمالاً قضائية أهمها وظيفة التحقيق التي ورثتها عن قاضي التحقيق ثم وظيفة الاتهام أمام المحاكم الجنائية بحيث يتعين تمثيلها في تشكيل هذه المحاكم وإلا كان قضاؤها باطلاً، ومن ثم تكون قراراتها قضائية» (قرار تفسيري صادر في أول أبريل سنة 1978م، مجموعة أحكام وقرارات المحكمة العليا، الجزء الثاني، القسم الثاني، رقم 39، ص 334).

 ومع ذلك، وعلى الرغم من اعتبار النيابة العامة شعبة من السلطة القضائية، فقد كانت المادة السادسة والعشرين من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972م تنص على أن «رجال النيابة تابعون لرؤسائهم بترتيب درجاتهم ثم للنائب العام ثم لوزير العدل». وفي ظل هذه التبعية لوزير العدل، كان من المقبول أن تصدر النماذج من وزير العدل.

المرحلة الثالثة: استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل

بموجب القانون 142 لسنة 2006م، خضعت المادة (26) من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972م للتعديل، من خلال حذف عجز هذه المادة الذي يشير إلى تبعيتها لوزير العدل، وبحيث غدا نصها على النحو التالي: «رجال النيابة تابعون لرؤسائهم بترتيب درجاتهم ثم للنائب العام». وهكذا، وفي ظل هذا التعديل، ينبغي أن يتم إصدار كل النماذج ذات الصلة بعمل النيابة العامة من النائب العام دون سواه. ولعل ذلك هو ما استوجب أن يكون إصدار نماذج تنفيذ الإلزام بالعمل للمنفعة العامة من النائب العام بالتنسيق مع الجهات المعنية. وقد كان المنطق ذاته مقتضياً أن يكون الاختصاص منعقداً للنائب العام أيضاً بإصدار نموذج إعلان الأوامر الجنائية، ونموذج أمر إيداع المحكوم عليه بالإعدام في مركز الإصلاح والتأهيل، ونموذج أمر تنفيذ الأحكام الصادرة بالعقوبات السالبة للحرية.

جهة الاختصاص بإصدار نماذج الأحكام والأوامر القضائية

 غني عن البيان أن الاختصاص بإصدار نماذج ديباجة الأحكام والأوامر القضائية ينعقد لمجلس القضاء.

 

زر الذهاب إلى الأعلى