المضبوطات غير المطالب بها في خطة التشريعات الجنائية العربية

دراسة للدكتور أحمد عبد الظاهر
أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة
المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي

مقدمة
ضبط الأشياء وتحريزها هو أحد الإجراءات التي يخولها المشرع الجنائي الإجرائي لمأموري الضبط القضائي، متى كانت هذه الأشياء مما «يحتمل أن تكون قد استعملت في ارتكاب الجريمة أو نتجت عن ارتكابها أو يحتمل أن تكون قد وقعت عليها الجريمة أو تفيد في كشف الحقيقة». وتوصف هذه الأشياء وتعرض على المتهم، ويطلب منه إبداء ملاحظاته عليها، ويحرر بذلك محضر يوقعه المتهم أو يذكر فيه امتناعه عن التوقيع. وتوضع الأشياء والأوراق المضبوطة في حرز يغلق بوسيلة مناسبة تمنع العبث به ويكتب على الحرز بياناته. ومن ناحية أخرى، وإذا كان المشرع قد أجاز لسلطة التحقيق تفتيش الأشخاص والمساكن، فإنه يشترط لصحة التفتيش أن تكون الغاية منه ضبط شيء يتعلق بالجريمة ويفيد في التحقيق الجاري بشأنها، سواء كان هذا الشيء أوراقاً أو أسلحة أو أدوات استعملت في ارتكاب الجريمة أو شيئاً نتج عنها أو وقعت عليه أو غير ذلك مما يفيد في كشف الحقيقة. ولعل هذا المعنى يبدو واضحاً من قضاء محكمة النقض المصرية، حيث تقول المحكمة الكائنة على قمة القضاء العادي في مصر إن تفتيش الشخص يعني البحث والتنقيب بجسمه وملابسه بقصد العثور على الشيء والمراد بضبطه.

وعلى هذا النحو، يبدو سائغاً القول إن ضبط الأشياء هو وضع اليد على شيء يتصل بجريمة وقعت ويفيد في كشف الحقيقة عنها وعن مرتكبها. وهو من حيث طبيعته القانونية، قد يكون من إجراءات الاستدلال أو التحقيق. وتتحدد طريقته بحسب الطريقة التي يتم بها وضع اليد على الشيء المضبوط. فإذا كان الشيء وقت ضبطه في حيازة شخص، واقتضى الأمر تجريده من حيازته له، كان الضبط إجراء تحقيق. أما إذا أمكن الاستيلاء على الشيء، دون اعتداء على حيازة قائمة، فإنه يكون إجراء استدلال.

والضبط بطبيعته وبحسب تنظيمه القانوني وغايته لا يرد إلا على الأشياء. أما الأشخاص، فلا يصلحون محلاً للضبط بالمعنى الدقيق. وإذا كان قانون الإجراءات يتحدث في بعض نصوصه عن ضبط الأشخاص وإحضارهم، فإنه يعني بذلك القبض عليهم. والقبض نظام قانوني يختلف تماماً عن ضبط الأشياء.

وقد حدد المشرع الأشياء التي يجوز ضبطها بأنها الأشياء والأوراق وكل ما يحتمل أنه استعمل في ارتكاب الجريمة أو نتج عنها أو وقعت عليه وكل ما يفيد في كشف الحقيقة. وقد أشار الشارع في هذه المادة إلى فئات ثلاث من الأشياء، هي: ما استعمل في ارتكاب الجريمة، وما نتج عنها، وما وقعت عليه (أي موضوعها). وهذه الإشارة أوردها الشارع على سبيل المثال، مردفاً إياها بتقرير القاعدة العامة في تحديد الأشياء التي يجوز ضبطها بأنها «كل ما يفيد في كشف الحقيقة». وعلى هذا النحو، يستخلص المعيار في تحديد الأشياء الجائز ضبطها بأنها جميع الأشياء – أياً كانت طبيعتها – التي يقدر المحقق أنها تفيد في كشف الحقيقة. فالمعيار إذن هو الصلة بين الشيء والجريمة، بقدر ما تجعل هذه الصلة الشيء مفيداً في كشف الحقيقة في شأن الجريمة. وللمحقق – بل إن عليه – أن يضبط ما يمكن أن يستخلص منه دليل إدانة أو دليل براءة على السواء.

ويستوي أن يكون الشيء المضبوط مملوكاً للمتهم أو لغيره، وأن يكون موجوداً في حيازته أو في حيازة غيره. ويصح من باب أولى أن يكون الشيء المضبوط بغير حائز أو مالك.

ويرى بعض الفقه أن الضبط قاصر على المنقولات. خلافاً لذلك، يرى فريق آخر من الفقه أن القانون لا يفرق في مجال الضبط بين المنقول والعقار. فكلاهما يصح ضبطه.

ومن ناحية أخرى، ووفقاً لرأي فريق من الفقه، «القاعدة أن الضبط لا يرد إلا على شيء مادي. أما الأشياء المعنوية، فلا تصلح بطبيعتها محلاً للضبط. ولهذا لا تعد مراقبة المحادثات ولا تسجيلها ضبطاً بالمعنى الدقيق، وإنما هي إجراء مستقل بذاته نظم المشرع أحكامه على استقلال». وفي المقابل، يرى فريق آخر من الفقه أن الأصل في الأشياء الجائز ضبطها أن تكون أشياء مادية، ولكن يجوز أن يرد الضبط في مدلول واسع على محادثات سلكية أو لا سلكية. ويشفع للرأي الأول أن المشرع الجنائي قد استخدم لفظ «الضبط» فيما يتعلق بالخطابات والرسائل والجرائد والمطبوعات والطرود لدى مكاتب البريد وجميع البرقيات لدى مكاتب البرق، بينما استخدم لفظ «المراقبة» فيما يتعلق بالمحادثات السلكية واللاسلكية. وكما يقولون، فإن المغايرة في اللفظ المستخدم تقتضي اختلافاً في المدلول والمعنى. ومع ذلك، نعتقد أن الرأي الثاني يكتسب زخماً متزايداً في ظل نشأة الأصول الرقمية أو الأصول الافتراضية، حيث يجوز أن تكون هذه الأصول محلاً للضبط، رغم عدم وجود كينونة مادية لها.

ومنظوراً إلى الضبط باعتباره اجراءً لازماً لكشف الحقيقة، فإن هذا الإجراء تنتفي الحاجة إليه بتحقق الغاية المرجوة منه. ولذلك، أجاز المشرع للمحقق أن يأمر برد الشيء المضبوط، ولو من غير طلب، إذا قدر من تلقاء نفسه أن مصلحة التحقيق لا تقتضي الاحتفاظ بالشيء. ولكن اختصاص المحقق بالرد التلقائي لا ينفي حق ذي المصلحة في أن يطالب به: فلكل شخص يدعي حقاً في الأشياء المضبوطة أن يطلب إلى المحقق تسليمها له، وله في حالة الرفض أن يتظلم أمام المحكمة المختصة. ولكن، قد يحدث أن يتقاعس الشخص عن المطالبة برد الأشياء المضبوطة. ومن ثم، يثور التساؤل عن الحكم القانوني المقرر في هذه الحالة.

وفي الإجابة عن هذا التساؤل، وبالتمعن في خطة التشريعات الجنائية الإجرائية العربية بشأن حكم المضبوطات غير المطالب بها، يبدو سائغاً التمييز بين اتجاهات سبعة. وستكون هذه الاتجاهات السبعة هي محور الدراسة في هذا البحث.

أهمية الدراسة
لم يحظ موضوع المضبوطات غير المطالب بها بعناية الفقه الجنائي. ولا تحتوي شروح قانون الإجراءات الجنائية سوى على بضعة أسطر فقط على أقصى تقدير، للحديث عن هذا الموضوع. وقد تقتصر بعض الشروح على ذكر النصوص القانونية، دونما تعليق عليها. بل إن بعض الشروح لم تتعرض لهذا الموضوع على الاطلاق.

ومن ناحية أخرى، وعلى حد قول بعض الفقه، لا يجوز النظر إلى المضبوطات باعتبارها مجرد أشياء تظل حبيسة ساحات التحفظ إلى أن تنتهي الإجراءات، وإنما نظر إليها من زاوية أعمق؛ فالمضبوط مال، والتحفظ عليه كلفة، وإدارته مسؤولية، وتأخير التصرف فيه عبء على الدولة، وحسن إدارته صورة من صور حسن إدارة العدالة ذاتها. وهذه نقلة جديرة بالتأمل؛ إذ تنتقل بنا من مفهوم «حيازة المضبوطات» إلى مفهوم «إدارة المضبوطات»، ومن مجرد حفظ الشيء إلى حسن توظيفه، ومن التعامل مع المضبوطات باعتبارها أثقالا على كاهل المرفق إلى النظر إليها باعتبارها موارد ينبغي أن تدار بكفاءة واقتدار…؛ فالأرض التي تشغلها ساحات التحفظ ليست مساحة مهملة بلا ثمن، وإنما لها قيمة، وقد تكون قيمتها بالمليارات. ومن ثم فإن العدالة لا تنفصل عن الاقتصاد، والإجراء لا ينفصل عن الكلفة، والقانون لا يعمل في فراغ. فكل يوم تتأخر فيه إجراءات التصرف في المضبوطات قد تكون له كلفة، وكل مساحة تشغلها مضبوطات انتهى الغرض من التحفظ عليها هي مورد معطل، وكل مورد معطل هو طاقة مهدرة. وفي دولة تسعى إلى تعظيم مواردها وترشيد إنفاقها، لا ينبغي أن يظل هذا البعد غائباً عن صناعة التشريع أو تفسيره أو تطبيقه.

خطة الدراسة
لإلقاء الضوء على الاتجاهات التشريعية المختلفة بشأن المضبوطات غير المطالب بها، والتي يبلغ عددها سبعة، نرى من الملائم أن نخصص لكل اتجاه منها مطلباً منفصلاً، متبعين ذلك بمطلب ثامن، نتحدث فيه عن أي الاتجاهات نفضل على الأخرى، ثم نحاول في مطلب تاسع الإجابة عن تساؤل خاص بأيلولة ومصير المضبوطات غير المطالب بها، وما إذا كانت تؤول إلى الخزينة العامة أم تؤول إلى الأوقاف الخيرية، وذلك على النحو التالي:
المطلب الأول: اتجاه تقادم الحق في المضبوطات بمضي خمس سنوات.
المطلب الثاني: اتجاه تقادم الحق في المضبوطات بمضي ثلاث سنوات.
المطلب الثالث: اتجاه تقادم الحق في المضبوطات بمضي سنة.
المطلب الرابع: اتجاه بيع المضبوطات غير المطالب بها لمدة ستة أشهر.
المطلب الخامس: اتجاه بيع المضبوطات غير المطالب بها لمدة سنة.
المطلب السادس: اتجاه بيع المضبوطات غير المطالب بها لمدة ثلاث سنوات.
المطلب السابع: اتجاه إيداع المضبوطات غير المطالب بها في هيئة الولاية على أموال القاصرين.
المطلب الثامن: تفضيل اتجاه بيع المضبوطات غير المطالب بها لمدة ستة أشهر.
المطلب التاسع: بين أيلولة المضبوطات المتروكة إلى الخزينة العامة وأيلولتها إلى الأوقاف الخيرية.

للاطلاع على الدراسة كاملة، الدخول من هـــــنـــــا

زر الذهاب إلى الأعلى