الموافقة المستنيرة في قانون المسئولية الطبية
المستشار الدكتور محمد سمير
صدور قانون المسئولية الطبية:
لم تتضمن التشريعات تحديد للخطأ الطبي – قبل صدور القانون رقم 13 لسنة 2025 في شأن المسئولية الطبية وسلامة المريض -، فكان لابد من استحداث منظومة يتم من خلالها ضبط وتنظيم القواعد والأحكام المتعلقة بالمسئولية الطبية في مصر، على نحو يؤدي إلى تحقيق الطمأنينة للمريض ولمزاولي مهنة الطب في آن واحد. وذلك عن طريق بث الطمأنينة والحرية في نفوس مزاولي المهن الطبية المختلفة أثناء قيامهم بواجباتهم في تقديم خدمات الرعاية الصحية الوقائية أو التشخيصية أو العلاجية أو التأهيلية، وفي نفس الوقت توفير الحماية اللازمة لمتلقي هذه الخدمات مما يقع في حقهم من أخطاء أثناء تقديمها تتعلق بمخالفة الأصول العلمية الثابتة أو القواعد الأخلاقية المهنية المقررة، ولا ريب في إقامة توازن حقيقي وفعال بين هاتين الغايتين لهو أمر يتسم بالدقة والخصوصية، إذ أن التشدد في المسئولية الطبية إدانة للطب لا الطبيب والتخفيف منها من شأنه لا غرو إهدار حقوق المريض( ). الأمر الذي يتوقف معه نجاح أي تشريع يتناول المسئولية ويرتكز على الموازنة بين حقوق مزاول مهنة الطب، وبين حقوق المريض بلا إفراط أو تفريط.
فلسفة القانون:
الواقع أن الغرض من إصدار قانون تنظيم المسئولية الطبية وسلامة المريض ينهض على فلسفة تتمثل في بيان الأحكام العامة للمسئولية الطبية، تتضمن كافة الأحكام الموضوعية والإجرائية اللازمة لتنظيم المسئولية الطبية وسلامة المريض. وذلك من خلال التأكيد على مراعاة الحقوق الأساسية لمتلقي الخدمة الطبية أياً كان نوعها، والارتقاء بتنظيم هذه الحقوق إلى مصاف الأحكام التشريعية الملزمة. وقد أراد المشرع إنشاء جهة خبرة استشارية مختصة بتلقي الشكاوى المتعلقة بالأخطاء الطبية تختص بإقرار وجود أخطاء من مزاولي المهنة الطبية أو نفيها وتحديد نوع الخطأ من حيث كونه خطأ جسيم أو غير جسيم، وأناط بهذه اللجنة النظر في الشكاوى المذكورة واستحداث قاعدة بيانات وإصدار أدلة استرشادية للتوعية بحقوق متلقي الخدمة الطبية. بالإضافة إلى وضع نظام للتسوية الودية بين مزاولي المهن الطبية ومتلقي الخدمة مما يهدف من التقليل من مشقة ومعناة متلقي الخدمة والحفاظ على وقت وجهد مقدم الخدمة الطبية. وقد استحدث المشرع في هذا القانون أيضاً كفالة نظام للتأمين الإلزامي لأعضاء الفريق الطبي. ومن أبرز ما يهدف إليه المشرع في هذا القانون حماية حقوق المرضى من خلال ضمان حصولهم على خدمات طبية عالية الجودة والعقاب على الإهمال أو التقصير الذي قد يؤدي إلى الإضرار بصحتهم أو سلامتهم. فضلاً عن تشجيع الكفاءة الطبية عبر وضع معايير واضحة تحفز كل من يزاول المهن الطبية على الالتزام بأعلى درجات المهنية وتحري الدقة والحيطة والحذر في عملهم، مما يسهم بلا ريب في تحسين جودة الخدمات الصحية وتحقيق العدالة من خلال إنصاف المرضى المتضررين من الأخطاء الطبية دون مساس بحقوق الأطباء الذين قد يقعون ضحية لاتهامات كيدية أو غير عادلة، من خلال الاعتماد على آليات تحقيق دقيقة ومحايدة، مع تعزيز المسئولية الأخلاقية في الممارسة الطبية، بما يشمل احترام كرامة المرضى وحقوقهم الإنسانية. ولا يتأتى ذلك إلا من خلال توفير بيئة داعمة للأطقم الطبية تحميهم من أي تعدي عليهم أثناء مباشرة عملهم سواء بالفعل أو بالقول وحماية المنشآت الطبية ذاتها من الإتلاف على نحو يوفر العمل في مناخ ملائم لا يعكر صفوهم خلال أدائهم لأعمال بالغة الدقة والأهمية، وبمنأى من الملاحقة التعسفية لهم، فضلاً عن ضمان توفير التأمين ضد المخاطر المهنية، مما يشجعهم على أداء عملهم بثقة وأمان( ).
ملامح القانون:
جاء القانون في ثلاث مواد إصدار بالإضافة إلى مادة النشر، وتم تقسيم هذا القانون إلى خمسة فصول. إذ أوضحت المادة الأولى من مواد الإصدار أن هذا القانون لا يخل بأحكام قانون رعاية المريض النفسي الصادر بالقانون رقم 71 لسنة 2009. وألزمت المادة الثانية كل من يزاول إحدى المهن الطبية والمنشآت المبينة بالقانون بالاشتراك في صندوق التأمين الحكومي المنشأ وفقاً لأحكامه خلال مدة لا تجاوز ستة أشهر من تاريخ إصدار القرار الخاص بالنظام الأساسي للصندوق المشار إليه، مع منح الحق لمجلس الوزراء بناء على عرض الوزير المختص بعد هذه المدة لمدة أو مدد أخرى لا تجاوز في مجموعها سنتين. كما أوجبت المادة الثالثة من مواد الإصدار إصدار القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون خلال ستة أشهر من تاريخ العمل به.
وتناولت المادة الرابعة من مواد الإصدار نشر القانون في الجريدة الرسمية لضمان العلم بأحكامه، على أن يبدأ سريانه من اليوم التالي لانقضاء ستة أشهر من تاريخ نشره، وقد تم نشر القانون في الجريدة الرسمية بتاريخ 28 أبريل سنة 2025( ).
وفي الفصل الأول تضمن أربعة مواد من المادة (1) حتى المادة (4) التي بينت الأحكام العامة للمسئولية الطبية، إذ حرص المشرع على تحديد الالتزام الأساسي ودرجة العناية المطلوبة من كل من يزاول إحدى المهن الطبية داخل الدولة، إذ تطلب أن يؤدي كل منهم واجبات عمله بما تقتضيه المهنة من أمانة وصدق ودقة ورفع مستوى العناية المطلوبة، والتي تتحقق بعدم الالتزام بها مسئوليته لتكون بذل عناية الشخص الحريص التي تقتضيها الحالة الصحية لمتلقي الخدمة للحفاظ على سلامته وحمايته، وحدد المشرع أساس ترتيب المسئولية الطبية متطلباً لذلك ضرورة تحقق أركان المسئولية والمتمثلة في الخطأ الطبي الناتج عن تقديم الخدمة الطبية على نحو الحق ضرراً لمتلقي الخدمة، كما حظر الإعفاء أو التخفيف من المسئولية الطبية قبل وقوع الضرر ونص على بطلان الاتفاق على ذلك، واعتبر مقدم الخدمة والمنشأة الطبية مسئولين بالتضامن عن تعويض الأضرار الناجمة عن الأخطاء الطبية.
وبينت مواد الفصل الثاني من المادة (5) إلى المادة (8) التزامات مقدم الخدمة والمنشأة بداية من تسجيل وتدوين كل إجراء طبي يتعلق بحالة متلقي الخدمة الطبية بالتفصيل في الملف الطبي الخاص به، واستخدام الأدوات والأجهزة الطبية الصالحة للاستعمال والمناسبة لحالته والالتزام بتبصيره بطبيعة مرضه ودرجة خطورته والمضاعفات الطبية التي قد تنجم عن العلاج والحصول على موافقته قبل البدء في تطبيقه (المادة 5). كما حظر المشرع الامتناع عن علاج متلقي الخدمة الطبية في الحالات الطارئة أو التي تشكل خطراً على حياته حتى تستقر حالته الصحية في ضوء الالتزام الدستوري المقرر في هذا الصدد، وكذلك حظر الانقطاع عن علاجه دون التأكد من استقرار حالته الصحية، وحظر إفشاء السر الذي تم الاطلاع عليه أثناء تقديم الخدمة الطبية مع بيان الحالات الاستثنائية التي يمكن إفشاء السر فيها (المادة 6). وأوجبت المادة (7) من القانون ضرورة توافر التأهيل المناسب والفحوصات الطبية اللازمة والمنشأة الطبية المهيأة واستيفاء الموافقة المستنيرة لإجراء أي تدخل جراحي لمتلقي الخدمة في الظروف العادية. وكفلت المادة (8) لمتلقي الخدمة الحق في الخروج من المنشأة الطبية إذا كانت حالته الصحية تسمح بذلك طبقاً للأصول العلمية الثابتة، وأكدت على حقه في الرفض المستنير لاتخاذ الإجراء الطبي بعد تبصيره بعواقب ذلك، وفي هذا السياق أكد المشرع ضرورة تبصير متلقي الخدمة الطبية أياً كان نوعها بأبعادها وحدودها، مع مواكبة المعايير المعمول بها من خلال التدرج في استيفاء الموافقة وبحيث تكون الموافقة المستنيرة المكتوبة مطلوبة لدى إجراء العمليات الجراحية وكذلك لدى الخروج من المنشأة الطبية، على أن تتضمن بصفة خاصة الآثار والأخطار المحتملة التي قد تؤثر على قراره في هذا الشأن، في حين لم يتطلب المشرع أن تكون الموافقة مكتوبة في الإجراءات الطبية العادية الأخرى مع مراعاة التبصير بجميع جوانب الخدمة الطبية المقدمة.
أما الفصل الثالث من المادة (9) إلى المادة (19) فقد تعرض إلى تشكيل اللجان والخبرة الفنية في نطاق المسئولية الطبية، والتي تستهدف تحقيق الاعتبارات الآتية:
1 – إنشاء لجنة عليا تتبع رئيس مجلس الوزراء يطلق عليها “اللجنة العليا للمسئولية الطبية وسلامة المريض” تتولى إدارة المنظومة في الدولة من خلال آليات محددة قد يتم التوسع فيها مستقبلاً بعد تقييم التجربة وقياس نتائجها (المادة 9).
2 – اعتبر المشرع اللجنة العليا للمسئولية الطبية وسلامة المريض بمثابة جهة الخبرة الاستشارية للأخطاء الطبية وأناط بها النظر في الشكاوى المتعلقة بها وإنشاء قاعدة بيانات لها وإصدار أدلة إرشادية للتوعية بحقوق متلقي الخدمة بالتنسيق مع النقابات والجهات المعنية (المادة 10).
3 – حرص القانون على تسهيل وسائل تقديم الشكاوى بصدد الأخطاء الطبية إلى اللجنة العليا للمسئولية الطبية وسلامة المريض، كما حرص على تكريس الطابع الاختياري لحق متلقي الخدمة الذي وقع عليه ضرر أو ذويه في اللجوء إلى القضاء مباشرة أو اللجوء إلى آلية تقديم الشكوى إلى تلك اللجنة، ولم يعتبر تقديم الشكوى شرطاً سابقاً للجوء إلى القضاء أو يمنع مقدمها من اتخاذ الإجراء الذي يراه محققاً لمصلحته وذلك لحين اكتمال المنظومة والوقوف على نتائجها بعد التطبيق (المادة 12).
4 – وضع المشرع نظام للتسوية الودية بين مزاولي المهن الطبية ومتلقي الخدمة تتولاه لجنة خاصة برئاسة عضو جهة أو هيئة قضائية تحت إدارة اللجنة العليا للمسئولية الطبية وسلامة المريض وهو ما يهدف إلى التقليل من مشقة ومعاناة متلقي الخدمة المضرور أو ذويه، والحفاظ على وقت وجهد مزاول المهنة الطبية، ودعماً للدور الذي تنهض به مثل هذه اللجان في إنهاء المنازعات في مهدها إذ حرص المشرع على اعتبار الاتفاق على التسوية أمام لجنة التسوية الودية المشكلة وفقاً لأحكامه له قوة السند التنفيذي ومنهياً للنزاع المدني في هذا الشأن (المادة 15).
وتناول الفصل الرابع من القانون من خلال المادة (20) إلى المادة (22) التعويض عن الأضرار الناجمة عن الأخطاء الطبية، والتي تتضمن كفالة نظام للتأمين الإلزامي للمنشآت الطبية ومقدمي الخدمة من مزاولي المهن الطبية، من خلال إنشاء صندوق تأمين حكومي يتولى المساهمة في التعويضات المستحقة عن الأخطاء الطبية، ويساهم الصندوق في تغطية الأضرار الأخرى التي قد تنشأ أثناء وبسبب تقديم الخدمة الطبية ولا صلة لها بالأخطاء الطبية، وهو ما يسمح حال تحقق الملائة والكفاية للصندوق من التوسع في تغطية الأضرار بما يكفل إمكانية تغطية الأضرار الناجمة عن المخاطر الطبية، وهو ما يدخل في إطار التضامن والتكافل الاجتماعي (المادة 20). وقد اتجه المشرع إلى إلزامية الاشتراك في الصندوق في ضوء ما يحققه ذلك من مميزات لمزاولي المهن الطبية وأصحاب المنشآت الطبية.
وأخيراً بين الفصل الخامس من المادة (23) حتى المادة (30) الجرائم والعقوبات المحددة لها، وعمل على توحيد الإطار الحاكم للمسئولية المدنية والجنائية التي يخضع لها مزاولو المهن الطبية في صعيد واحد بما يكفل الوضوح لهم في هذا الشأن ويراعي الصعوبات التي تكتنف الإثبات في المجال الطبي. وأجاز المشرع الصلح بين المجني عليه أو وكيله الخاص ولورثته أو وكيلهم الخاص وبين المتهم( ).
رضاء المريض:
إن جوهر مشروعية العمل الطبي هو الحصول على رضاء المريض به، فإذا لم يتحقق الرضاء المذكور ينتفي عن العمل الطبي مشروعيته بحسبان إن الرضاء الصحيح هو قوام وجوهر العمل الطبي بحسب الأصل. ويشترط في الرضاء الذي يبيح العمل الطبي أن يكون واضح وصريح لا يحتمل أي لبس أو تأويل، والرضاء الصريح المذكور قد يكون بالكتابة كما هي القاعدة العامة في ذلك، وقد يكون في بعض الأحيان شفاهة.
الرضاء الكتابي:
إن رضاء المريض بالعلاج قد يكون كتابة وذلك من خلال التوقيع على النموذج المعد لذلك من وزارة الصحة أو على أي مستند آخر يفيد موافقة المريض على تلقي العلاج. وقد تطلب المشرع أن يكون رضاء المريض ثابت بالكتابة في بعض الحالات التي قدر أنها تنطوي على أهمية خاصة أو جسامة تقتضي أن يثبت الرضاء المذكور بالكتابة، وهو ما نبينه بشيء من التفصيل.
التوقيع على نموذج وزارة الصحة (الموافقة المستنيرة):
بين القانون رقم 13 لسنة 2025 بإصدار قانون تنظيم المسئولية الطبية وسلامة المريض شرط رضاء المريض وأطلق عليه الموافقة المستنيرة وعرفتها المادة 1/8 منه بأنها ” التعبير المكتوب المبني على إرادة حرة وطواعية كاملة الصادر عن متلقي الخدمة إذا كان كامل الأهلية أو من وليه أو الوصي أو القيم عليه إذا كان عديم الأهلية أو ناقصها، فإن تعذر فمن أحد أقاربه حتى الدرجة الثانية، والذي يتضمن الموافقة الصريحة على تلقي الخدمة الطبية أو رفض تلقيها بعد إعلامه وتبصيره بجميع جوانبها، متضمناً على الأخص الآثار والأخطار المحتملة التي قد تؤثر على قراراه في هذا الشأن، وفقاً للنموذج الذي تعده الوزارة المختصة بشئون الصحة “. وهنا يثور التساؤل حول ما إذا لم يتوافر النموذج المعد من قبل وزارة الصحة أو نسي الطبيب أو الممرض أن يقدمه للمريض كي يوقعه فإن ذلك هل يترتب عليه إنتفاء الرضاء الذي يعد من شروط الإباحة في الأعمال الطبية، أم أن ذلك الذي ورد النص عليه في المادة المذكورة لا يعدو أن يكون مجرد عمل إرشادي في سبيل تنظيم العمل لإثبات الرضاء بالعلاج؟
يجب أن تتوافر الموافقة المستنيرة مكتوبة في حالات معينة:
حتى نستطيع الإجابة على التساؤل المذكور فإننا نقرر بداءة أن المشرع تطلب أن يكون الرضاء ثابت بالكتابة في حالتين هما أولاً: إجراء العمليات الجراحية. ثانياً: عند الخروج من المنشأة الطبية. وهو ما عبر عنه صراحة تقرير اللجنة المشتركة المشكلة من لجنة الشئون الصحية، ومكاتب لجان الشئون الدستورية والتشريعية، والشئون الاقتصادية، وحقوق الإنسان بقولها أن المادة 8 من القانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن تنظيم المسئولية الطبية وسلامة المريض ” أكدت على حقه – متلقي الخدمة الطبية – في الرفض المستنير لاتخاذ الإجراء الطبي بعد تبصيره بعواقب ذلك، وفي هذا السياق أكد المشرع ضرورة تبصير متلقي الخدمة الطبية أياً كان نوعها بأبعادها وحدودها، مع مواكبة المعايير المعمول بها من خلال التدرج في استيفاء الموافقة وبحيث تكون الموافقة المستنيرة المكتوبة مطلوبة لدى إجراء العمليات الجراحية وكذلك لدى الخروج من المنشأة الطبية، على أن تتضمن بصفة خاصة الآثار والأخطار المحتملة التي قد تؤثر على قراره في هذا الشأن، في حين لم يتطلب المشرع أن تكون الموافقة مكتوبة في الإجراءات الطبية العادية الأخرى مع مراعاة التبصير بجميع جوانب الخدمة الطبية المقدمة “( ). وبالتالي فإن وجوب الموافقة المستنيرة المكتوبة في العمليات الجراحية والخروج من المنشأة الطبية وإن كان من الأمور المسلم بها في ضوء النصوص التشريعية فإن ذلك يطرح تساؤل آخر ألا وهو هل يلزم أن تكون الموافقة المكتوبة محررة على النموذج الذي تعدة وزارة الصحة أم أنه يكفي أن يكون محرر كتابة على نحو يفيد الموافقة المستنيرة على إجراء الجراحة، أو الخروج من المنشأة الطبية؟
جزاء عدم توقيع المريض على النموذج:
الواقع إن مجرد عدم التوقيع على هذا النموذج والذي أطلق عليه المشرع الموافقة المستنيرة لا يترتب عليه في حد ذاته إنتفاء الإباحة عن العمل الطبي الذي يجوز إثبات هذا الرضاء بكافة طرق الإثبات سواء بطريق الكتابة على نموذج آخر أو إقرار مكتوب بخط اليد على الموافقة على العلاج. فالمشرع هنا أراد فحسب تنظيم بيان الرضاء من خلال نموذج تعده وزارة الصحة يتضمن البيانات التي تفيد أنه تم تبصير المريض بحالته المرضية وأنه موافق على العلاج وأن رضاءه به رضاء صحيح خالي من أي عيوب( ).
الموافقة المستنيرة في قضاء المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان:
إن الموافقة المستنيرة لم يعرفها التشريع المصري فحسب في القانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن تنظيم المسئولية الطبية وسلامة المريض، بل عرفتها غيره من التشريعات الطبية المقارنة. وفي هذا الصدد تناولت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان الموافقة المستنيرة بقولها أن إزالة جزء من ثدي امرأة دون موافقتها يعد انتهاكاً من قبل إسبانيا للمادة الثامنة من الاتفاقية الأوربية لحماية الحياة الخاصة والعائلية باعتباره اعتداءً على حق الإنسان في التكامل الجسدي، ولا عبرة ما إذا كان ذلك يرجع إلى إجراء جراحة لاستئصال جزء من الثدي لإزالة ورم سرطاني، إذ أن استقلالية المريضة يجب احترامها. وتنص المادة الثامنة من الاتفاقية والتي جاءت بعنوان ” الحق في احترام الحياة الخاصة والعائلية ” على أن ” 1 – لكل شخص الحق في احترام حياته الخاصة والعائلية وحرمة منزله ومراسلاته.
2 – لا يجوز تدخل السلطة العامة في ممارسة هذا الحق، إلا بالقدر الذي ينص فيه القانون على هذا التدخل، والذي يشكل هذا الأخير تدبيراً ضرورياً في المجتمع الديمقراطي، للأمن الوطني أو السلامة العامة أو رفاهية الدولة الاقتصادية أو الدفاع عن النظام أو منع الجرائم الجنائية أو حماية الصحة أو الأخلاق أو حماية حقوق الغير وحرياته “( ).
الرضاء الشفهي:
كما يكون الرضاء بتلقي المريض للعلاج مكتوب على نحو ما تقدم، فإنه في غير حالات إجراء الجراحة والخروج من المنشأة الطبية، لا يوجد ما يحول دون أن يكون الرضاء المذكور قد أبداه المريض أو من يمثله على نحو شفهي. وهو ما أكده المشرع صراحة في المادة 1/9 من قانون تنظيم المسئولية الطبية وسلامة المريض بنصها على أن الموافقة هي ” التعبير المبني على إرادة حرة وطواعية كاملة الصادر عن متلقي الخدمة إذا كان كامل الأهلية أو من وليه أو الوصي أو القيم عليه إذا كان عديم الأهلية أو ناقصها، فإن تعذر فمن أحد أقاربه حتى الدرجة الثانية، والذي يتضمن الموافقة على تلقي الخدمة الطبية بعد إعلامه وتبصيره بجميع جوانبها “. والذي يميز الموافقة المستنيرة عن مجرد الموافقة أن الموافقة المستنيرة تكون مكتوبة على النموذج الذي تعده وزارة الصحة ويعبر عن موافقة المريض الحرة أو من يمثله على العلاج، في حين أن الموافقة تعني موافقة المريض أو من يمثله على تلقي العلاج بطريقة شفهية غير مكتوبة.
الرضاء الضمني:
الواقع أنه كما يكون هذا الرضاء صريحاً يصح أن يستفاد ضمناً من ظروف الحال. على أنه ينبغي التحرز في استظهار الرضاء الضمني وعدم استخلاصه من مجرد استدعاء المريض للطبيب أو توجهه إليه في عيادته. فلا يمكن القول بتوافر الرضاء الضمني إلا إذا كانت ظروف الحال تقطع على نحو لا ريب فيه بتوافره. وذلك لأن رضاء المريض بالعمل الطبي يفترض علمه به علماً كافياً يتيح له إدراك طبيعة العلاج الذي تقتضيه حالته أو العلاج الذي يخضع له إذا كانت خطير أو غير مأمون العاقبة، وهو لا يدرك هذا إلا إذا أوضحه له الطبيب ( ).
حالات عدم الاعتداد برضاء المريض:
أن عمل الطبيب قد يكون مباحاً على الرغم من اعتراض المريض عليه بل وعدم موافقته على تلقي العلاج وممانعته فيه، وذلك بناء على سبب آخر غير استعمال الحق هو أداء الواجب القانوني أو استعمال الموظف العام لسلطته كما يحدث في حالات التطعيم الاجباري إبان انتشار الأوبئة أو إذا كان الطبيب مكلفاً من سلطة قضائية أو سلطة تحقيق رسمية بالدولة باعتباره خبيراً، في تحقيق أو دعوى جنائية بحيث يتولى الكشف الطبي على المريض أو المصاب. وهو ما أكدته المادة 5 من قرار رئيس الجمهورية بقانون رقم 137 لسنة 1958 في شأن الاحتياطات الوقائية من الأمراض المعدية بالإقليم المصري بنصها على أن ” يخضع كل شخص لعمليات التطعيم الدوري الذي تجريه السلطات الصحية المختصة ضد أي مرض من الأمراض المعدية …”. وهو ما نصت عليه أيضاً المادة 6 من القانون المذكور بأن قررت أنه ” للسلطات الصحية أن تأمر بتطعيم أو تحصين سكان أي جهة من جهات الجمهورية بالأقليم المصري ضد أي مرض من الأمراض المعدية “. وبالمثل أوجبت المادة 11 من ذات القانون خضوع الحجاج للتطعيم والتحصين ضد الأمراض المعدية قبل مغادرتهم للأراضي المصرية، بل وعاقبت المادة 25 من هذا القانون المستبدلة بالقانون رقم 142 لسنة 2020 كل من يخالف ذلك بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه. وفي حالة العود خلال مدة سنة، تضاعف قيمة الغرامة في حديها( ). وبالمثل فإن الجاني إذا ارتكب جريمة وتبين أنه مصاب بمرض نفسي أو عقلي وقضت المحكمة بتدبير علاجه في إحدى المستشفيات المتخصصة إذ أجازت المادة 339/2 من قانون الإجراءات الجنائية لقاضي التحقيق أو القاضي الجزئي بناء على طلب النيابة العامة وللمحكمة المنظورة أمامها الدعوى، إذا كانت الواقعة جناية أو جنحة عقوبتها الحبس، إصدار الأمر بحجز المتهم في أحد المحال المعدة للأمراض العقلية إلى أن يتقرر اخلاء سبيله( ).
وهو ما عليه الحال أيضاً في دولة الإمارات العربية المتحدة إذ إن الرضاء المذكور لا يلزم إذا صدر قرار الجهة الصحية بالاستشفاء الإلزامي لإخضاع المصابين بالأمراض الواردة في الجدول رقم (1) المرفق بالقانون الاتحادي رقم 14 لسنة 2014 في شأن الأمراض السارية في حالة رفضهم مباشرة أو متابعة العلاج المقرر لهم رغم إخطارهم بضرورة ذلك (المادة 11).
بل والأكثر من ذلك فإن الأمر قد وصل إلى حد التجريم لكل من يصاب بمرض من الأمراض السارية الواردة بالجدول رقم (1) المرفق بالقانون المذكور والمخالطين له إذا لم يتوجه إلى الجهة الصحية ويتلقى العلاج، فإنه يعاقب بالحبس والغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف درهم ولا تجاوز خمسين ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين (المادتان 32 ، 38).