تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

التشريع الجنائي لا تُقاس سلامته بمجرد صدوره، ولا يُحمد فيه التعجل لمجرد بلوغ موعد النفاذ؛ إذ العبرة بأن يأتي النص محكمًا، وأن تكون الدولة مهيأة لإنفاذه، وأن تظل ضمانات الحرية والمحاكمة العادلة مصونة عند الانتقال من حيز التشريع إلى ميدان التطبيق. ومن هنا فإن إرجاء العمل بقانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 174 لسنة 2025، من الموعد الذي كان مقررًا لبدء العمل به في الأول من أكتوبر 2026 إلى الأول من أكتوبر 2027، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد ترحيل لموعد النفاذ، وإنما ينبغي أن يفتح بابًا أوسع لسؤال أراه أهم: ماذا بعد التأجيل؟ لقد مر القانون قبل صدوره بمسار تشريعي طويل؛ فقد وافق عليه مجلس النواب، ثم أُعيد إليه مشروع القانون لإعادة النظر في عدد من مواده، فأعيد بحث المواد محل الاعتراض وتعديلها، ثم صدر القانون رقم 174 لسنة 2025 في 12 نوفمبر 2025، ونص على أن يعمل به اعتبارًا من الأول من أكتوبر التالي لتاريخ نشره، أي الأول من أكتوبر 2026. ثم، وقبل حلول موعد النفاذ بيوم واحد، وافق مجلس النواب نهائيًا في 30 سبتمبر 2026 على إرجاء العمل بالقانون عامًا آخر، ليكون الأول من أكتوبر 2027 هو الموعد الجديد المقترح للنفاذ.

ومن هنا لا ينبغي أن ينصرف التفكير إلى مجرد انتظار الأول من أكتوبر 2027، وكأن إضافة عام إلى الأجل تكفي بذاتها لضمان سلامة التطبيق، وإنما ينبغي أن تتحول هذه المدة إلى فرصة حقيقية لإعداد المنظومة ومراجعة التشريع واستكمال ما يلزم قبل الانتقال إلى مرحلة النفاذ. ولا مراء في أن استكمال المتطلبات اللازمة لتطبيق القانون أمر لا غنى عنه؛ فالقانون الذي يستحدث وسائل إجرائية جديدة لا يكفي أن توجد نصوصه في الجريدة الرسمية، وإنما يلزم أن توجد معه البيئة القادرة على إنفاذها بكفاءة وأمان، ولا سيما أن الخطأ في إجراء من إجراءات الدعوى الجنائية قد لا يكون مجرد عطل تقني يمكن تداركه، وإنما قد يتصل بحرية متهم أو بحق أصيل من حقوق الدفاع. ولكن، هل تنتهي المسألة عند حدود الجاهزية التنفيذية؟ أحسب أن الأمر أبعد من ذلك. فنحن أمام قانون للإجراءات الجنائية، أي أمام تشريع يمس صميم الخصومة الجنائية، ويتصل مباشرة بحرية الإنسان وحقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة؛ ومن ثم فإن جاهزية المحكمة لتطبيق القانون لا تعني بالضرورة أن القانون ذاته قد استوفى كل ما يلزم لسلامة التطبيق.

ولهذا أرى أن سنة التأجيل ينبغي أن تسير في مسارين متلازمين؛ أولهما مسار تنفيذي يستهدف استكمال البنية التقنية والمؤسسية والبشرية، وثانيهما مسار تشريعي يعيد النظر، في ضوء ما أُثير من نقد فقهي وقانوني، في بعض النصوص التي يرى جانب من الفكر الجنائي أنها قد شابها عوار أو قصور يستوجب المعالجة قبل أن تنتقل من الورق إلى الواقع. أما المسار التنفيذي، فلا ينبغي أن يقتصر على تجهيز المحاكم بالكاميرات والشاشات وشبكات الاتصال، وإنما يمتد إلى تأمين البنية الرقمية، وربط قواعد البيانات، واستكمال منظومة الإعلان الإلكتروني، وتأهيل القضاة وأعضاء النيابة والمحامين والعاملين، وإجراء اختبارات عملية حقيقية على الأنظمة المستحدثة، بحيث لا يكون يوم بدء العمل بالقانون هو اليوم الأول لاكتشاف عيوب التطبيق. فالتقنية في العمل القضائي ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة. ولا خلاف في أن العصر يفرض الإفادة من التطور التقني، ولا مناص من تطوير أدوات العدالة بما يحقق السرعة والدقة وييسر الإجراءات؛ وإنما محل التحفظ يبدأ حين تتحول الوسيلة إلى غاية، أو حين يُنظر إلى القدرة التقنية على أنها كافية بذاتها لإضفاء المشروعية على الإجراء.

فالتقنية وسيلة لخدمة العدالة، لا بديل عن ضماناتها. وتتأكد هذه القاعدة بوجه خاص عند الانتقال إلى إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد. فقد خصص القانون بابًا لهذه الإجراءات، فنصت المادة 530 على استخدام وسائل وتقنيات الاتصال الحديثة المسموعة والمرئية في التحقيق والمحاكمة عن بُعد بما يضمن سرية التحقيقات والحضور والعلانية وشفوية المرافعة والمواجهة بين الخصوم، ثم أجازت المادة 531 لجهة التحقيق أو المحاكمة المختصة اتخاذ كل أو بعض إجراءات التحقيق أو المحاكمة عن بُعد مع المتهمين والشهود والمجني عليهم والخبراء وغيرهم ممن حددهم النص، كما أجازت اتخاذ تلك الإجراءات في شأن الحبس الاحتياطي والتدابير ومدها والإفراج المؤقت واستئناف الأوامر الصادرة فيها.

وهنا تحديدًا ينبغي أن تكون للمشرع وقفة مراجعة.فالمحاكمة الجنائية ليست صورة تنتقل من شاشة إلى شاشة، ولا صوتًا يصل من مكان إلى آخر؛ وإنما هي خصومة قضائية تقوم على مواجهة حقيقية بين المتهم وقاضيه، وبين الدفاع وسائر أطراف الخصومة، في إطار من العلانية وشفوية المرافعة وتمكين الدفاع من مباشرة وظيفته على النحو الذي رسمه القانون.

 

ومن ثم فإنني أرى أن المحاكمة الجنائية عن بُعد ينبغي ألا تتحول إلى أصل عام، وإنما ينبغي أن تظل استثناءً لا يُصار إليه إلا عند قيام ضرورة حقيقية تبرر العدول عن الحضور القضائي المباشر، وبالضوابط التي تحول دون أن تتحول الضرورة إلى قاعدة، والاستثناء إلى أصل. ولا يكفي في تقديري أن تكون الوسيلة التقنية متاحة؛ إذ إن إتاحة الوسيلة لا تعني بذاتها صلاحية استخدامها في كل دعوى، وفي كل مرحلة، وبالقدر ذاته في جميع الجرائم. فالمعيار ليس قدرة التقنية على نقل الصوت والصورة، وإنما قدرتها على استيعاب الإجراء القضائي بما يحمله من ضمانات ومقتضيات. ولهذا فإنني أرى أن التدرج في تطبيق المحاكمة عن بُعد هو الطريق الأكثر احتياطًا؛ فإذا أراد المشرع الإبقاء على هذا النظام، فلماذا لا يبدأ تطبيقه في مرحلة أولى في نطاق الجنح، دون الجنايات، باعتبارها المجال الذي يمكن أن تُختبر فيه الوسيلة الجديدة اختبارًا عمليًا، ثم تُرصد خلاله مشكلات التطبيق، ومدى فاعلية الاتصال، وقدرة المحكمة والدفاع والخصوم على مباشرة حقوقهم، ومدى تحقق العلانية والمواجهة، قبل التفكير في الانتقال إلى الجنايات؟ فالجناية ليست كالجنحة في طبيعة الاتهام ولا في جسامة العقوبة ولا في الآثار التي قد تترتب على الحكم فيها في حياة الإنسان؛ ومن ثم فإن التوسع في استخدام التقنية في أخطر صور الخصومة الجنائية ينبغي ألا يسبق اختبارها في نطاق أقل جسامة.

وليس المقصود من ذلك القول إن الجنح تخلو من حقوق أو ضمانات، فكل خصومة جنائية لها ضماناتها، وإنما المقصود أن التدرج التشريعي يسمح باختبار الوسيلة قبل تعميمها، ويمنح المشرع والقضاء والدفاع فرصة لاكتشاف مواطن القصور ومعالجتها قبل أن تمتد آثارها إلى مجال الجنايات.

والأمر ذاته ينبغي أن يمتد إلى الإعلان القضائي الإلكتروني؛ فإذا كان المشرع يتجه إلى إدخال الوسائل الرقمية في الإعلان، فلا أرى أن الحكمة تقتضي الانتقال دفعة واحدة إلى تعميمه على جميع أنواع الدعاوى والإجراءات، وإنما يمكن أن يبدأ ــ في مرحلة أولى ــ في نطاق الجنح أيضًا، بعد وضع ضوابط دقيقة للتحقق من شخصية المعلن إليه، وسلامة الوسيلة، وثبوت وصول الإعلان، وإمكان إثبات تاريخه ومضمونه، ومعالجة حالات تعذر الوصول أو الخطأ التقني، ثم تُقيّم التجربة قبل التوسع فيها. وهنا يجب ألا نخلط بين مجرد إرسال الإعلان وبين تحقق الغاية التي استهدفها المشرع من الإعلان؛ فالإعلان ليس إجراءً تقنيًا محضًا، وإنما هو وسيلة لتمكين صاحب الشأن من العلم بالإجراء حتى يستطيع أن يرتب عليه دفاعه أو ممارسته لحق من حقوقه.

ولذلك فإن نجاح الإعلان الإلكتروني لا يُقاس بعدد الإعلانات التي أُرسلت، وإنما بمدى تحقق العلم القانوني بالإجراء والقدرة على إثباته على نحو لا يدع مجالًا للشك في سلامة الخصومة. وإذا نجحت التجربة في نطاق الجنح، وأثبتت الوسائل الرقمية قدرتها على تحقيق الغرض الإجرائي دون انتقاص من ضمانات الخصومة، أمكن عندئذ التفكير في التوسع التدريجي فيها. أما أن ننتقل من النظام التقليدي إلى منظومة رقمية واسعة دفعة واحدة، ثم نكتشف بعد بدء التطبيق مواطن القصور، فذلك هو ما ينبغي أن يحول التأجيل دونه.

ثم تأتي ضمانة الدفاع، وهي في هذا المقام ليست تفصيلًا فنيًا يمكن أن يذوب في الإجراءات التقنية، وإنما هي من صميم الخصومة الجنائية. وقد أجاز القانون للمتهم، في أول جلسة بأي درجة من درجات التقاضي، أن يعترض على عدم مثوله شخصيًا أمام المحكمة المختصة، إلا أن الفصل في هذا الاعتراض يظل للمحكمة قبولًا أو رفضًا؛ ومن ثم فلا يصح أن يُفهم حق الاعتراض على أنه حق للمتهم في إنهاء المحاكمة عن بُعد بإرادته المنفردة، إذ إن الأمر في النهاية مردّه إلى تقدير المحكمة في حدود القانون وضماناته. كما قرر القانون حق محامي المتهم في مقابلته والحضور معه في مكان وجوده أثناء إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد، ونص صراحة على عدم جواز الفصل بين المتهم ومحاميه أثناء اتخاذ تلك الإجراءات.

 

غير أن عدم الفصل بين المتهم ومحاميه يحتاج بدوره إلى وقفة؛ إذ لا ينبغي أن يُفهم بمجرد ظهورهما معًا في كادر إلكتروني واحد. فقد يكون المتهم في مكان احتجازه، بينما يكون محاميه في مكان آخر، سواء في مقر المحكمة أو في مكتبه أو في موقع آخر أُعد لمباشرة الإجراء، فيظهر الاثنان أمام المحكمة في اللحظة ذاتها، ومع ذلك يظل بينهما فاصل مكاني حقيقي. وهنا لا يكون السؤال مجرد: هل يستطيع كل منهما رؤية الآخر وسماعه؟ وإنما: هل يتيح هذا الوضع للمحامي أن يباشر وظيفته الدفاعية بالصورة التي تقتضيها طبيعة الخصومة؟ فوجود المتهم ومحاميه في إطار إلكتروني واحد لا يعني بالضرورة أنهما في المكان ذاته، ولا أن الفاصل المكاني قد زال بكل آثاره.
فالمتهم لا ينفك عن محاميه في مباشرة دفاعه، والمحامي لا يؤدي وظيفته لمجرد أن صورته تظهر إلى جوار صورة موكله على الشاشة؛ وإنما جوهر دوره أن يناقشه فيما يستجد، وأن يتشاور معه، وأن يوجهه عند الحاجة، وأن يباشر ما يلزم من إجراءات الدفاع في حينها. ومن هنا فإن المحاكمة عن بُعد ينبغي ألا تنتهي إلى دفاع عن بُعد؛ لأن الحضور التقني للمتهم ومحاميه لا ينبغي أن يُغني عن مقتضيات العلاقة الدفاعية التي تقوم عليها الخصومة الجنائية.

وهنا تحديدًا تظهر مسؤولية المحكمة؛ فهي صاحبة الفصل في اعتراض المتهم، وهي في الوقت ذاته صاحبة الولاية على إدارة الإجراء القضائي وضمان حسن سيره في الحدود التي رسمها القانون. فإذا قدرت استمرار المحاكمة عن بُعد، فلا ينبغي أن يكون تقديرها منصرفًا إلى مجرد إمكان إقامة الاتصال التقني، وإنما إلى مدى توافر الضمانات التي تجعل الدفاع قادرًا على أداء وظيفته، ولا سيما أن القانون نفسه قد قرر عدم الفصل بين المتهم ومحاميه أثناء مباشرة الإجراء. فالأمر إذن لا يتوقف عند رغبة المتهم وحدها، كما لا يتوقف عند وجود صورة المحامي إلى جواره على الشاشة؛ وإنما يتصل في جوهره بكيفية مباشرة المحكمة لسلطتها، ومدى صيانة حق الدفاع في الواقع.

ثم نأتي إلى العلانية، وهي ضمانة أخرى لا ينبغي أن تتحول مع الرقمنة إلى مجرد عبارة ترددها النصوص. فالعلانية ليست مجرد إمكان تقني لمشاهدة الجلسة، وإنما نظام إجرائي له مقتضياته وضوابطه، ولذلك فإن الانتقال إلى المحاكمة الرقمية يفرض تحديدًا دقيقًا لكيفية تحقق العلانية في البيئة الإلكترونية، ومن يملك الدخول إلى الجلسة، وكيف يتم ذلك، وكيف تضمن المحكمة أن تظل العلانية ممارسة حقيقية لا مجرد حكم تشريعي. فقد يصبح لدينا نص يقول بالعلانية، بينما تنتهي الممارسة إلى محاكمة لا يراها إلا القاضي والنيابة والمتهم ودفاعه؛ وعندئذ قد تبقى العلانية اسمًا في النص، لا ضمانة في الواقع. وليس هذا التخوف غريبًا عن التجارب المقارنة؛ فقد سبق للمجلس الدستوري الفرنسي، في قراره رقم 2020-836 QPC الصادر في 30 أبريل 2020، أن قضى بعدم دستورية حكم يتعلق باستخدام الاتصال المرئي دون موافقة المحتجز في بعض جلسات المنازعات المتعلقة بالحبس الاحتياطي، على أساس ما انتهى إليه من مساس مفرط بحقوق الدفاع. ولا يعني ذلك رفض تقنية الاتصال المرئي في ذاتها، وإنما يؤكد أن مشروعية الوسيلة الإجرائية تظل مرتبطة بمدى احترامها للضمانات التي تحكم الخصومة الجنائية. ومن ثم فإن سنة التأجيل لا ينبغي أن تنقضي في استكمال الكاميرات والشاشات وشبكات الاتصال فحسب، وإنما ينبغي أن تكون فرصة لمراجعة التشريع ذاته.

فهناك نصوص أثارت ملاحظات فقهية، وأخرى أثير بشأنها حديث عن شبهة عدم الدستورية، وقد تناول الفكر الجنائي هذه المسائل بالبحث والنقد والتحليل، وليس المقام هنا مقام استقصائها جميعًا؛ وإنما المقصود أن المشرع، وقد أتيح له عام إضافي قبل بدء النفاذ، يستطيع أن يعيد النظر في كل نص يرى الفقه والقانون أنه يحتاج إلى مزيد من الإحكام أو المعالجة. ولهذا كنت أتمنى أن يمتد التأجيل إلى عام 2030، لا إلى عام 2027؛ لا رغبة في تعطيل القانون، وإنما رغبة في أن يأخذ القانون فرصته الكاملة في المراجعة والتجربة والتقييم، وأن تُعالج مواطن النقد قبل أن يصبح النص واقعًا إجرائيًا تترتب عليه آثاره.

فالتشريع الإجرائي لا ينبغي أن يدخل ميدان التطبيق قبل أن تُهيأ آلياته، وتُراجع نصوصه، وتُختبر مستحدثاته، ولا سيما حين تكون آثاره متصلة بحرية الإنسان وحقوقه الأساسية. ومن هنا فإن المطلوب خلال مدة التأجيل ليس انتظار الأول من أكتوبر 2027، وإنما العمل منذ اليوم على استكمال البنية التنفيذية والتقنية، وتأهيل العنصر البشري، ومراجعة البناء التشريعي، وإجراء تطبيقات تجريبية محدودة ومنضبطة للوسائل المستحدثة، تبدأ ــ في تقديري ــ من الجنح في مجال المحاكمات عن بُعد والإعلان القضائي الإلكتروني، ثم تُقيّم نتائجها تقييمًا جادًا قبل الانتقال إلى الجنايات أو التوسع في نطاق استخدامها. فإذا انتهت السنة المقبلة وقد اكتملت البنية التحتية وحدها، بينما ظلت الملاحظات التشريعية قائمة، أو بدأت الوسائل الرقمية في العمل دون اختبار حقيقي لفاعليتها، فلن نكون قد عالجنا المسألة، وإنما نقلناها من موعد إلى موعد. أما إذا استُثمرت هذه المدة في إعداد المحكمة، وإعداد القائمين على العدالة، وإعادة قراءة النص، واختبار التقنية، وتجريبها في نطاق محدود، وضبط حدود الاستثناء، وصيانة حقوق الدفاع والعلانية والمواجهة، فإن التأجيل يكون قد تحول من مجرد إجراء زمني إلى فرصة لإصلاح منظومة العدالة الجنائية قبل نفاذها.

ولئن كان تطبيق التشريع هو المحك الحقيقي لسلامته، فإن تهيئة آليات تطبيقه شرط سابق على نفاذه الفعلي؛ إذ لا تحيا نصوص القانون بمجرد نشرها، وإنما تحيا حين تجد بيئة صالحة لإنفاذها، وقضاءً قادرًا على تطبيقها، وتشريعًا محكمًا يستقيم مع الدستور، وضمانات لا تنتقص منها ضرورات التقنية.

ومن هنا، فإن السؤال بعد تأجيل قانون الإجراءات الجنائية ليس: متى يبدأ تطبيقه؟ وإنما: أي قانون سنطبق؟ وكيف سنطبقه؟ وبأي ضمانات؟ فتلك هي المهمة الحقيقية التي ينبغي أن تبدأ من اليوم. فليس المهم أن يبدأ القانون في موعده، وإنما أن يبدأ حين يكون النص جديرًا بالتطبيق، وتكون المحكمة مهيأة لإنفاذه، وتكون الوسائل المستحدثة قد اختُبرت قبل تعميمها، وتظل العدالة ــ في صورتها الرقمية أو التقليدية ــ وفية أولًا وأخيرًا لضمانات الإنسان. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى