حماية حرمة الحياة الخاصة بين الواقع والقانون – تطبيقات عملية

بقلم/ المستشار الدكتور محمد سمير

مقدمة:

ترجع علة تجريم الاعتداءعلى حرمة الحياة الخاصة إلى حماية حق كل شخص في أن تكفل لحياته الخاصة حرمتها، وأن تحاط بسياج من السرية، فلا ينفذ منه شخص، إلا برضاء من صاحب هذه الحياة. وفي هذا الصدد جرم المشرع الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة في قانون العقوبات، كما تولى تجريمه أيضاً في القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات وذلك في حالة ارتكاب الجريمة عبر وسيلة من وسائل تقنية المعلومات. ذلك أن التقدم العلمي بلغ تطوره حداً مذهلاً، وأنتج تقنيات، وبرامجاً، ونظماً معلوماتية تنامت قدرتها على اختراق مناطق من خواص حياة الأفراد ودخائلها، على نحو بات يهدد جانباً أساسياً من قيم المجتمع الحضارية وتقاليده، وقد كان ذلك دافعاً إلى التوسع في تقرير صور الحماية الجنائية لحرمة حياة الإنسان دون تفرقة بين جوانبها المادية التي تتجلى في صور عدة منها: حرمة مسكنه ومحادثاته، ومراسلاته، وجوانبها المعنوية مثل حياته الأسرية، والعائلية، والحق في الشرف والاعتبار، وذلك من خلال تأثيم كل صور تقصي مناحي خصوصيتها، أو التلصص عليها، أو اختلاس بعض جوانبها، أو نشر معلومات أو أخبار، أو صور على حسابات، مواقع، وشبكات من شأنها جعلها رغماً عن صاحبها موضع اطلاع من الغير سواء كان ما تم نشر حقيقاً واقعاً، أم زوراً وبهتاناً.

دستورية حماية حرمة الحياة الخاصة:

أولى المشرع لحرمة الحياة الخاصة أهمية بالغة، إذ جعلها من الحقوق الدستورية التي كفلها الدستور تقديراً منه لأهمية وقيمة هذا الحق. وفي هذا الصدد نصت المادة 99 / 1 من الدستور على أن ” كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وللمضرور من إقامة الدعوى الجنائية بالطريق المباشر “.

تجريم الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة في قانون العقوبات:

تلبية لنداء الدستور جرم المشرع الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة في المادتين 309 مكرراً، 309 مكرراً (أ) من قانون العقوبات، وتنص المادة 309 مكرراً على أن ” يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن، وذلك بأن ارتكب أحد الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانوناً أو بغير رضاء المجني عليه: (أ) استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أياً كان نوعه محادثات جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون. (ب) التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أياً كان نوعه صورة شخص في مكان خاص. فإذا صدرت الأفعال المشار إليها في الفقرتين السابقتين أثناء اجتماع على مسمع ومرآى من الحاضرين في ذلك الاجتماع، فإن رضاء هؤلاء يكون مفترضاً. ويعاقب بالحبس الموظف العام الذي يرتكب أحد الأفعال المبينة بهذه المادة اعتماداً على سلطة وظيفته. ويحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأجهزة وغيرها مما يكون قد استخدم في الجريمة، كما يحكم بمحو التسجيلات المتحصلة عنها أو إعدامها “. وتنص المادة 309 مكرراً (أ) من ذات القانون على أن ” يعاقب بالحبس كل من أذاع أو سهل إذاعة أو استعمل ولو في غير علانية تسجيلاً أو مستنداً متحصلاً عليه بإحدى الطرق المبينة بالمادة السابقة أو كان ذلك بغير رضاء صاحب الشأن. ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات كل من هدد بإفشاء أمر من الأمور التي تم التحصل عليها بإحدى الطرق المشار إليها لحمل شخص على القيام بعمل أو الامتناع عنه. ويعاقب بالسجن الموظف العام الذي يرتكب أحد الأفعال المبينة بهذه المادة اعتماداً على سلطة وظيفته. ويحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأجهزة وغيرها مما يكون قد استخدم في الجريمة أو تحصل منها، كما يحكم بمحو التسجيلات المتحصلة عن الجريمة أو إعدامها “. ويؤخذ على النص الأول ذكره لكلمة مواطن أنه ينطوي على سوء صياغة فلا يتصور أن يكون المشرع قد أراد قصر ارتكاب هذه الجريمة على المواطنين المصريين دون غيرهم من الأجانب المقيمين على أرض مصر( ). وتنهض هذه الجريمة على محل لها وهو المحادثات التي جرت في مكان خاص أو عن طريق الهاتف. وركن مادي يقوم على فعل الاستراق أو التسجيل أو النقل عن طريق جهاز، ويترتب على الفعل المذكور نتيجة، قوامها الحصول على الحديث. وركن معنوي يأخذ صورة القصد الجنائي. أما الجريمة المنصوص عليها في المادة 309 مكرراً (أ) سالفة البيان فتقوم بدورها على محل ألا وهو تسجيل أو مستند ويشترط أن يكون قد تم الحصول عليه بإحدى الطرق المبينة في المادة 309 مكرراً، وركن مادي قوامه فعل الإذاعة أو تسهيل تلك الإذاعة أو الاستعمال ولو في غير علانية، وأخيراً ركن معنوي يتخذ صورة القصد الجنائي. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض بأن تصوير المجني عليها صورة مخلة من المتهمين بهواتفهم المحمولة دون رضائها تتوافر به جريمة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة المؤثمة بالمادة 309 مكرراً/أ من قانون العقوبات.

تجريم الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات:

نصت المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات على أن ” يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع الكتروني لترويج سلع أو خدمات دون موافقته، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخباراً أو صوراً وما في حكمها، تنتهلك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة “. وتضمنت هذه المادة أكثر من جريمة منها جريمة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة متى ارتكبت من خلال وسيلة من وسائل تقنية المعلومات.

والحياة الخاصة للأفراد هي كل ما يتعلق بالشخص وما يختص به ولا يجوز للآخرين التدخل فيه أو الاطلاع عليه أو نشره دون رضاه. وتنهض جريمة الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة على نقل معلومات أو أخبار أو صور أو أي أمر من الأمور الشخصية التي لا يجوز للغير الاطلاع عليها. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض بتوافر جريمة الاعتداء على الحياة الخاصة متى تواصل الجاني مع المجني عليها من خلال أحد الألعاب الإلكترونية على شبكة الإنترنت وقد أنشأ لنفسه حساب تمكن من خلاله من التعرف على المجني عليها والتواصل معها على حسابها واستدرجها إلى أن حصل من خلال محادثاته معها من خلال هاتفه المحمول على صور شخصية وسجل لها فيديوهات مخلة دون علمها. كما قضت أيضاً بأن وصف الجاني للمجني عليه على موقع التواصل الاجتماعي ” فيسبوك ” استيلائه على أملاك الدولة، ودأبه على غش منتجه من العسل بمواد مسرطنة، وتضخم ثروته إثر نشاط في تجارة الآثار، ورشوته مسئولي الدولة؛ كل ذلك يشكل انتهاكاً لحرمة حياة المجني عليه الخاصة من جانبها المعنوي، وما يقتضيه من عدم التعرض لشرفه واعتباره؛ وهو بذاته كافياً للدلالة على ارتكاب جنحة انتهاك حرمة الحياة الخاصة في نطاق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. ومن المقرر أن المرجع في تعرف حقيقة المعلومات والأخبار ومدى تعلقها بالحياة الخاصة للمجني عليه وانتهاكها لخصوصيته دون رضاه هو بما يطمئن إليه قاضي الموضوع في تحصيله لفهم الواقع في الدعوى. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أنه لما كان الحكم المطعون فيه قد بين مضمون المنشور الذي وجهه الطاعن للمجني عليه عن طريق نشر صورة المجني عليه على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” وكتابة عدة عبارات أسفلها من شأنها انتهاك خصوصية المجني عليه واتهامه بالنصب – خلافاً لما يدعيه الطاعن بأسباب طعنه – وانتهى في منطق سائغ وتدليل مقبول إلى أن ذلك المنشور يمس الحياة الخاصة بالمجني عليه وينتهك خصوصيته دون رضاه وذلك بنشر معلومات عنه سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة، وهو ما تتحقق به أركان الجريمة التي دان الطاعن بها( ). وقضت أيضاً بأن القصد الجنائي الذي يتطلبه الشارع في جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة المعاقب عليها بنص المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات هو القصد العام الذي يتحقق بمجرد ارتكاب الفعل المادي، وتستوي البواعث التي دفعته إلى فعله، وأن مجرد انتهاك حرمة الحياة الخاصة للمجني عليه بنشر مقطع مرئي ينتهك خصوصيته على موقع التواصل الاجتماعي يفترض فيه القصد إذا ما توافر عنصراه العلم والإرادة.

ولا يحول دون توافر الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة كون أن المجني عليه في هذه الجريمة شخصية عامة مشهورة. وتطبيقاً لذلك نرى توافر هذه الجريمة عندما نشرت إحدى المواقع الإلكترونية في غضون شهر نوفمبر 2017 صورة من داخل إحدى المستشفيات للفنانة الكبيرة شادية من على فراش المرض دون رضائها أو رضاء أسرتها واعترضت أسرتها على نشر الصورة وهددت باتخاذ الإجراءات القانونية ضد الموقع المذكور، فما كان منه إلا أن حذف الصورة استجابة لطلب أسرتها.وقد نشر الموقع تبريراً لنشر الصورة بيان ورد به أنه ” لم تكن الصورة التي نشرتها … للفنانة الكبيرة شادية، إلا تلبية لواجب مهني ينهي فوضى الشائعات التي انهالت حول وفاتها، بمعدل شائعة في كل ساعة، ولما كانت الصورة لتأكيد حقيقة أنها لا تزال على قيد الحياة، تحركنا من أجل طمأنه ملايين المحبين الذين تحركت مشاعرهم الجياشة نحو الفنانة الكبيرة لأن الصورة بألف كلمة. واستجابة لهذه المحبة قررت … رفع الصورة من مواقعها، اكتفاءً بالتأكيد والطمأنة اللتين منحتهما الصورة لعشاقها والقلقين عليها، ويؤكد … أن هذا القرار مهني وأخلاقي بحت، بنفس المقدار الذي اتسم به خبر نشر الصورة، مضافاً إليها حبنا واحترامنا لهذه السيدة التي تمثل قيمة عظيمة للمصريين على اختلاف أعمارهم “.

بيد أنه لا يدخل في نطاق حرمة الحياة الخاصة أي أمر من الأمور العامة التي تعد بمنأى عن الحياة الخاصة للفرد. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض بأن الحكم الاستئنافي المعارض فيه المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه حصل واقعة الدعوى في قوله ” إن النيابة العامة قدمت المتهم للمحاكمة الجنائية بوصف أنه … نشر منشورات عن طريق حسابه الشخصي المسمى (…) على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” معلومات وأخبار خاصة بالمجني عليه … دون رضاه والتي من شأنها انتهاك خصوصيته وذلك على النحو المبين بالأوراق. وذلك على سند ما أبلغ به المجني عليه المذكور بمحضر جمع الاستدلالات المحرر بمعرفة العقيد … – الضابط بإدارة تكنولوجيا المعلومات – … من قيام المتهم مستخدم الحساب المسمى (…) على موقع “فيسبوك” بنشر مشاركات على المجموعة المسماة (نادي …) تتضمن عبارات سب وقذف وإساءة لسمعته مما تسبب له في أضرار مادية ومعنوية، وبفحص الواقعة بمعرفة قسم المساعدات الفنية بالإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات تبين أنه بتتبع الحساب مرتكب الواقعة تبين أنه مرتبط بالهاتف رقم … المستخدم بمعرفة المتهم المقيم … وأرفق صورة ضوئية من المنشور محل الشكوى من على المتهم على تطبيق “فيسبوك” والذي تضمن نشره صورة ضوئية من حكم صادر ضد المجني عليه بالحبس لمدة ستة أشهر وكفالة 500 جنيه أتبعها تعليقه بعبارة ” صورة من حكم أول درجة بحبس … نائب رئيس مجلس إدارة نادي … ستة أشهر وكفالة 500 جنيه – أنا رأيي الشخصي مش حلو الكلام ده خالص في حق نادينا والشوشرة على النادي …”. لما كان ذلك، وكانت المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات والتي دين الطاعن بمقتضاها قد نصت على أنه” يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج سلع أو خدمات دون موافقته، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخباراً أو صوراً وما في حكمها، تنتهلك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة “. وكان من المقرر أنه وإن كان المرجع في تعرف حقيقة المعلومات والأخبار ومدى تعلقها بالحياة الخاصة للمجني عليه وانتهاكها لخصوصيته دون رضاه، وهو بما يطمئن إليه قاضي الموضوع في تحصيله لفهم الدعوى، إلا أن حد ذلك ألا يخطئ في تطبيق القانون على الواقعة كما صار إثباتها في الحكم أو يمنح دلالة المعلومات والأخبار بما يحيلها عن معناها، كما أن تحري حقيقة تلك الأخبار ومدى تعلقها بالحياة هو من التكييف القانوني الذي يخضع لرقابة محكمة النقض باعتبارها الجهة التي تهيمن على الاستخلاص المنطقي الذي يتأدى إليه الحكم من مقدماته المسلمة. لما كان ذلك، وكان ما تضمنه المنشور المنسوب إلى الطاعن كتابته ووضعه على موقع “الفيسبوك”، فضلاً عن أنه صادف واقعة صدر بشأنها حكم قضائي صادر باسم الشعب ومتاح للكافة مطالعته، ليس من شأنه أن يمس الحياة الخاصة للمجني عليه أو ينتهك خصوصيته دون رضاه، ومن ثم فهو لا يقع تحت نص المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، فإن الحكم المطعون فيه وقد خالف هذا النظر وقضى بمعاقبة الطاعن عن تلك الجريمة ودانه بمقتضاها يكون قد بني على خطأ في تأويل القانون، مما يتعين معه نقض الحكم المطعون فيه والقضاء ببراءة الطاعن منها. وقضت أيضاً بأن قيام الطاعن بتصوير المجني عليهما – باستعمال كاميرا هاتفه المحمول – أثناء نزولهما من سيارة الشرطة وهما مقيدتين بالقيود الحديدية في الطريق العام وعلى مسمع ومرأى من المارة، وذلك تمهيداً لعرضهما على النيابة العامة – حسبما أورده الحكم – وإن كان فيه إزعاج ومضايقة لهما بإساءة استعمال أحد أجهزة الاتصالات، إلا أنه ليس من شأنه أن يمس الحياة الخاصة لهما أو ينتهك حرمتها بالمعنى الذي عناه الشارع.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى