
أخلاقيات الرسائل النصية
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
لم تعد الأخلاق في عصرنا الرقمي تُختبر فيما نقوله أمام الناس فحسب، وإنما فيما نفعله بما يصل إلينا من رسائل وصور ومعلومات خاصة. فقد يبعث إليك شخص رسالة يطمئن إليك فيها، أو يشاركك صورة شخصية، أو يطلعك على جانب من حياته لا يرغب في أن يعرفه سواك.
وفي هذه اللحظة، لا تكون المسألة مجرد تبادل كلمات أو صور، بل تصبح اختبارًا للأمانة، ومدى احترامنا لحدود الآخرين.
حين يرسل إليك إنسان رسالة خاصة، فإنه لا يمنحك بالضرورة الحق في نقلها إلى شخص ثالث، ولا يفوضك في عرضها على أصدقائك أو نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.
لقد اختار أن يخاطبك أنت، ومنحك قدرًا من الثقة، ولا يجوز أن يتحول هذا الاختيار إلى إذن مفتوح بالتصرف في خصوصيته. فالصورة التي يرسلها إليك تظل متصلة بحقه في الخصوصية، والرسالة التي يخصك بها لا تصبح شأنًا عامًا لمجرد أنها استقرت على هاتفك.
ولعل أقرب تشبيه لهذه المسألة أن الرسالة الخاصة أشبه بحديث يدور في اجتماع مغلق نعم مغلق؛ فكما لا يجوز لمن حضر مجلسا محدود الحضور أن ينقل كل ما دار فيه إلى الغرباء دون مسوغ، لا ينبغي أن يتعامل متلقي الرسالة مع مضمونها باعتباره مادة مباحة للتداول.
فالوسيلة قد تغيرت، لكن طبيعة العلاقة لم تتغير: هناك حديث خصص لشخص بعينه، وحدود ينبغي احترامها ، وثقة لا يصح استغلالها. ولا يقتصر الأمر على إعادة إرسال الرسائل المكتوبة، بل يشمل الصور الشخصية والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو ولقطات الشاشة بل وحتى نقل مضمون محادثة إلى الغير. وقد يقع الانتهاك دون نشر علني، بمجرد عرض صورة على صديق أو إرسال محادثة إلى مجموعة صغيرة.
كما قد تتضاعف آثاره حين تُقتطع عبارة من سياقها أو تستخدم صورة للإحراج أو تتحول المراسلات إلى وسيلة للضغط والانتقام والتشهير. وما قد يراه البعض تصرفا بسيطاأو مادة للتسلية قد يترك لدى صاحبه أذى نفسيا واجتماعيا بالغا.
ومن المنظور الديني، فإن صيانة الخصوصية تتصل بالأمانة وحرمة التجسس وإيذاء الناس. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
وليس من مقتضى الأمانة أن يطلعك إنسان على أمر خاص، ثم تجعله موضوعًا للتداول دون اعتبار لإرادته أو لما قد يصيبه من ضرر. وقد لا يحتاج احترام الخصوصية إلى تنبيه صريح بالكتمان؛ إذ تكشف طبيعة الرسالة أو الصورة أو ظروف إرسالها، في كثير من الأحيان، أن صاحبها لم يقصد إتاحتها لغير مخاطبه.
ومع ذلك، فإن صون الخصوصية لا يعني حظر كشف المراسلات في جميع الأحوال؛ فقد تقتضي حماية حق مشروع الاحتفاظ برسالة تثبت تهديدًا أو ابتزازًا، أو تقديمها إلى جهة مختصة.
لكن ثمة فارقًا واضحًا بين اللجوء إلى الجهة المعنية لدرء اعتداء، وبين نشر الرسالة على نطاق واسع بدافع الانتقام أو التشهير. فالمبرر المشروع لا يبيح تجاوز القدر اللازم لتحقيق الغرض، ولا يحول الضرورة إلى ذريعة لكشف حياة الآخرين.
وقد أحاط الدستور المصري الحياة الخاصة والمراسلات بالحماية؛ إذ تنص المادة 57 من دستور جمهورية مصر العربية الصادر في 18 يناير 2014، والمعدل في 23 أبريل 2019، على حرمة الحياة الخاصة، وتكفل سرية المراسلات الإلكترونية.
كما تقرر المادة 99 الحماية من الاعتداء على الحقوق والحريات الدستورية، وتجيز إقامة الدعوى الجنائية والمدنية الناشئة عن الاعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون. وتتصل بهذه الحماية أحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، كلٌّ في نطاق تطبيقه.
ومع ذلك، تقتضي الدقة القانونية التمييز بين الاستهجان الأخلاقي وقيام المسؤولية الجنائية؛ فليس كل إفشاء لرسالة خاصة جريمة بالضرورة، وإنما يتوقف التكييف القانوني على طبيعة الفعل وظروفه ومدى انطباق النصوص القانونية وأركانها عليه. لكن عدم توافر جريمة لا يجعل التصرف مقبولًا أخلاقيًا، ولا يعفي صاحبه من مسؤوليته تجاه من ائتمنه.
ولا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بالتشريعات وحدها؛ فالقانون يضع حدودًا للحماية والعقاب، بينما تبدأ الوقاية الحقيقية من التربية. ينبغي أن يتعلم الأبناء أن صورة زميلهم ليست مادة للسخرية، وأن الرسالة التي تصل إليهم لا يجوز إرسالها إلى الآخرين لمجرد أن ذلك يسير تقنيا، وأن موافقة شخص على مشاركة صورة معه لا تعني موافقته على نشرها.
ويبدأ هذا الوعي من الأسرة، بالقدوة قبل الموعظة، ثم يمتد إلى المدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية، حتى يصبح احترام الخصوصية جزءًا من ثقافة المجتمع لا مجرد نصيحة تستدعى بعد وقوع الضرر.
وتقع على مستخدمي وسائل التواصل مسؤولية كذلك ؛ فليس من المقبول أن ندين من كشف خصوصية شخص، ثم نشارك نحن في إعادة نشرها أو التعليق عليها بقصد السخرية. فكل مشاركة قد توسع دائرة الضرر، والامتناع عن تداول المحتوى المنتهك للخصوصية موقف أخلاقي لا يقل أهمية عن الامتناع عن نشره ابتداءً. ومن الضروري أن تتأسس ثقافة التواصل الرقمي على إدراك أن حرية التعبير لا تعني حرية الاعتداء، وأن فضول الجمهور لا يمنح أحدًا حق الاطلاع على حياة الآخرين.
احترام الخصوصية لا يتعارض مع التواصل، بل يحميه؛ فالإنسان يحتاج إلى مساحة آمنة يستطيع فيها أن يتحدث ويشارك دون خوف دائم من أن تتحول كلماته إلى سلاح ضده. وإذا فقد الناس الثقة في سرية أحاديثهم، تراجعت الصراحة، وضعفت العلاقات، وأصبح الحذر أساسًا للتعامل حتى بين الأصدقاء والأقارب.
ولذلك، قبل أن تنقل رسالة أو صورة إلى شخص ثالث، يكفي أن تسأل نفسك: هل أملك إذنًا بهذا الكشف، أم توجد ضرورة مشروعة تبرره؟ وهل أقبل أن يُفعل بي ما أفعله بغيري؟ إن هذا السؤال البسيط قد يمنع تجاوزات كثيرة، لأنه يعيد المسألة إلى جوهرها الإنساني، بعيدًا عن سهولة الضغط على زر الإرسال.
فالرسالة الخاصة ((أمانة)) والصورة الشخصية ليست ((ملكا مشاعا)) والثقة ليست تصريحا بانتهاك الخصوصية. أخلاقيات التواصل الاجتماعي لا تتمثل في قدرتنا على تبادل الرسائل والصور فحسب، بل في قدرتنا على احترام حدود الآخرين ونحن نملك الوسيلة لتجاوزها. فليس كل ما نعرفه يحق لنا كشفه، وليس كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله. وبقدر ما نؤسس لهذه القيم في بيوتنا ومؤسساتنا ومجتمعنا، تصبح التكنولوجيا وسيلة للتقارب الإنساني، لا نافذة للتطفل على حياة الناس وأسرارهم. والله من وراء القصد.