إشكاليات اختصاص المحاكم الجنائية الاقتصادية

بقلم / المستشار الدكتور محمد سمير

إنشاء المحاكم الاقتصادية:

إن المُشرّع حينما اتجه إلى إعمال مبدأ التخصص القضائي( )، إيماناً منه بأهميتة الكبيرة في جودة العمل القضائي من حيث الإنجاز المتقن والسريع للدعاوى وتمخض ذلك بإنشاء المحاكم الاقتصادية لتختص دون غيرها بالدعاوى الاقتصادية، سواء من الناحية المدنية أو الوجهة الجنائية، وقد جعل المُشرّع اختصاصاً عاماً وشاملاً في جميع صور الحماية القضائية. ويرجع إنشاء المحاكم الاقتصادية إلى ضمان سرعة الفصل في هذه المنازعات بواسطة قضاة مؤهلين ومتخصصين يتفهمون دقة المسائل الاقتصادية وتعقيداتها في ظل نظام العولمة وتحرير التجارة محلياً وعالمياً بما يحقق وصول الحقوق لأصحابها على نحو ناجز مع كفالة حقوق الدفاع كاملة( ).

وقد ورد في المذكرة الايضاحية لمشروع قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية أنه ” يقوم علي عدة محاور هي إنشاء قضاء متخصص تحت مسمي ” المحاكم الاقتصادية ” وتنظيم القضاء المستعجل وقضاء الامور الوقئية وأوامر الأداء في نطاق المحاكم الاقتصادية وبيان اختصاص هذه المحاكم وتطبيق نظام التحضير والصلح وتجهيز المحاكم بأعداد وفيرة من الخبراء وتنظيم الطعن في الاحكام “.

ولذلك فقد تخير المُشرّع عدد من القوانين ارتأى أنها تتضمن الجرائم الاقتصادية التي تحتاج إلى دراية فنية واسعة من القاضي وتركيز أدق في تلك النوعية، بما ينعكس على جودة قضائه فيها نص عليها في المادة 4 من القانون رقم 120 لسنة 2008 بإنشاء المحاكم الاقتصادية. والمحاكم الاقتصادية هي بهذه المثابة محاكم متخصصة تختلف جملة وتفصيلاً عن المحاكم الخاصة كالمحاكم العسكرية أو محاكم أمن الدولة( )، فالأولى تتميز بأنها تنهض على تخصص قضاتها من الناحية الفنية مع تطبيق كافة الضمانات المقررة قانوناً المتعلقة بالمتهمين وحقهم في الدفاع. أما الثانية فقد ترجع إلى الطبيعة الخاصة للجرائم التي تنظرها أو طبيعة مرتكبيها.

الاختصاص في حالتي التعدد المعنوي والارتباط:

قد ترتبط جريمة من الجرائم على نحو لا يقبل التجزئة بأخرى، وذلك لوحدة الغرض، أو الزمان أو المكان، أو الحق المعتدى عليه، أو الجاني أو المجني عليه، بحيث يشكلان مشروعاً إجرامياً واحداً. أو يوجد بينهما تعدد معنوي بحيث يكون للواقعة أكثر من وصف. وفي حالة اختصاص المحكمة الاقتصادية بالجريمتين، فلا تثور أدنى مشكلة لأنها تختص بنظر الجريمتين بطبيعة الحال. أما إذا كانت تختص بأحدهما ولا تختص بالأخرى، فإن الأمر لا يخرج عن فرضين الأول أن تكون الجريمة الأشد هي التي من اختصاص المحكمة الاقتصادية، وهنا أيضاً لا توجد مشكلة فتختص المحكمة الاقتصادية بنظرهما معاً، باعتبار أن الجريمة الأخف تندمج في الجريمة الأشد ويكونان في نظر القانون جريمة واحدة هي الأشد، وذلك تطبيقاً للمادة 32 من قانون العقوبات. أما إذا كانت المحكمة الاقتصادية لا تختص بالجريمة الأشد وإنما تختص بالأخف فقط فإن الفقه والقضاء قد اختلف في هذا الأمر. ونبين أهم الأراء التي تبناها الفقه في هذا الصدد.

42 – الرأي الأول: تطبيق القواعد العامة في الارتباط:

يرتكز هذا الرأي إلى أنه في حالة ارتباط الجريمة الأخف التي تدخل في اختصاص المحاكم الاقتصادية بجريمة أشد تدخل في اختصاص المحاكم العادية يكون الاختصاص للمحاكم الأخيرة. وذلك عملاً بالمادة 32 من قانون العقوبات والمادة 159 من قانون الإجراءات الجنائية، فالجريمة الأخف تندمج في الجريمة الأشد بقوة الارتباط القانوني بين الجريمتين، فضلاً عن أن قانون المحاكم الاقتصادية لم ينص على انفراد المحاكم الاقتصادية وحدها بالنظر في الجرائم المرتبطة بالجرائم التي تختص بها ( ). وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض أن القواعد المتعلقة بالاختصاص في المسائل الجنائية كلها من النظام العام بالنظر إلى أن الشارع في تقديره لها قد أقام ذلك على اعتبارات عامة تتعلق بحسن سير العدالة. لما كان ذلك، وكانت مدونات الحكم المطعون فيه قد أفصحت عن أن الجرائم المسندة إلى الطاعن قد ارتبطت ببعضها ارتباطاً لا يقبل التجزئة مما يوجب معاقبته بعقوبة الجريمة الأشد إعمالاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات. لما كان ذلك، وكانت جريمة عرض سلعة مجهولة المصدر للبيع والمؤثمة بقرار وزير التموين والتجارة الداخلية رقم 113 لسنة 1994 هي الجريمة الأشد في عقوبتها من الجريمتين المؤثمتين بمقتضى مواد القانونين رقمي 82 لسنة 2002 بشأن حماية الملكية الفكرية والقانون رقم 67 لسنة 2006 بشأن حماية المستهلك، ومن ثم تكون عقوبة هذه الجريمة هي الواجبة التطبيق، وكانت تلك الجريمة تختص بنظرها المحاكم العادية ومن ثم فإن الاختصاص بمحاكمة الطاعن ينعقد للقضاء الجنائي العادي وهو الأمر الذي يتفق مع قواعد التفسير الصحيح للقانون والتي تستوجب بحكم اللزوم العقلي أن تتبع الجريمة ذات العقوبة الأخف الجريمة ذات العقوبة الأشد المرتبطة بها في التحقيق والإحالة والمحاكمة وتدور في فلكها، بموجب الأثر القانوني للارتباط بحسبان أن عقوبة الجريمة الأشد هي الواجبة التطبيق على الجريمتين وفقاً للمادة 32 من قانون العقوبات، ويؤيد هذا أيضاً ما نصت عليه المادة 214 من قانون الإجراءات الجنائية في فقرتها الأخيرة – المقابلة للمادة 159 من قانون الإجراءات الجنائية الحالي – من أنه في أحوال الارتباط التي يجب فيها رفع الدعوى عن جميع الجرائم أمام محكمة واحدة إذا كانت بعض الجرائم من اختصاص المحاكم العادية وبعضها من اختصاص محاكم خاصة يكون رفع الدعوى بجميع الجرائم أمام المحاكم العادية ما لم ينص القانون على غير ذلك، وإذ كان قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية الصادر بالقانون رقم 120 لسنة 2008 بإحالة بعض الجرائم إلى المحاكم الاقتصادية قد خلا، كما خلا أي تشريع آخر من النص على انفراد المحاكم الاقتصادية بالفصل وحدها دون غيرها في الجرائم المرتبطة بتلك التي تختص هي بنظرها، ومن ثم كان على محكمة ثاني درجة أن تقضي بتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به من عدم اختصاص محكمة الجنح الاقتصادية نوعياً بنظر الدعوى، إعمالاً لصحيح القانون، أما وهي لم تفعل وقضت بإلغائه وإعادة الدعوى إلى محكمة أول درجة للفصل في الموضوع ثم نظرت من بعد موضوع الاستئناف فإنها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون( ).

43 – الرأي الثاني: الاختصاص الاستئثاري للمحاكم الاقتصادية:

اتجه هذا الرأي إلى اختصاص المحاكم الاقتصادية بهما بالجريمة الاقتصادية المرتبطة بغيرها سواء كانت هي أشد أم الأخف، بحسبان أن المُشرّع قد منح تلك الأخيرة اختصاصاً استئثارياً يجعلها تختص بنظر أي جريمة نصت عليها المادة الرابعة من قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية ويحول دون أن تنظر أي محكمة أخرى هذه الجرائم ولو ارتبطت بأخرى أشد منها، بالإضافة إلى أن المحاكم الاقتصادية من المحاكم المتخصصة وينطبق عليها قاعدة الخاص يقيد العام( ). وتحقيقاً لغرض المشرع من إنشاء المحاكم الاقتصادية التي أراد المشرع أن تختص بصنف خاص من الجرائم يتصل بالاقتصاد، وأن القول بألا ينعقد الاختصاص للمحاكم الاقتصادية بالجرائم المرتبطة يترتب عليه أن ينحسر اختصاص المحاكم المذكورة عن الجرائم التي نص المشرع على أن تختص بنظرها المحاكم الاقتصادية دون غيرها بحسبان أنها في الكثير من الأحوال حال ارتباطها بجرائم أخرى تكون هي الجريمة الأخف مما يترتب عليه إذا طبقنا القواعد العامة أن لا تختص بالجرائم التي نصت عليها المادة 4 من قانون المحاكم الاقتصادية إذا ما ارتبطت بغيرها من الجرائم الأشد وهي نتيجة لم يردها المشرع ولا تتفق مع نص المادة 4 من القانون 120 لسنة 2008 سالفة البيان.

44 – الرأي الثالث: اختصاص المحاكم العادية:

ارتكز هذا الرأي على نص الفقرة الأخيرة من المادة 159 من قانون الإجراءات الجنائية التي قد جرى نصها على أن: ” … وفى أحوال الارتباط التي يجب فيها رفع الدعوى عن جميع الجرائم أمام محكمة واحدة، إذا كانت بعض الجرائم من اختصاص محاكم عادية، وبعضها من اختصاص محاكم خاصة يكون رفع الدعوى بجميع الجرائم أمام المحاكم العادية، ما لم ينص القانون على غير ذلك “. وقد فسر البعض هذا النص بأنه إذا كانت بعض الجرائم من اختصاص المحاكم العادية وبعضها من اختصاص محاكم خاصة يكون رفع الدعوى بجميع الجرائم أمام المحاكم العادية ما لم يوجد نص صريح يخالف ذلك.

وهو ما قضت به محكمة النقض في بعض أحكامها الحديثة إذ قضت بأن النيابة العامة كانت قد أقامت الدعوى العمومية ضد المطعون ضده بوصف أنه قام بتهديد المجني عليها كتابةً- عن طريق موقع التواصل الاجتماعي – بإفشاء أمور تخدش الشرف عن كريمتها مصحوبة بطلب التنازل عن دعوي دون وجه حق والشروع في الحصول عليه بطريق التهديد، اعتدى على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري، وانتهك حرمة الحياة الخاصة للمجنى عليها / … بأن أرسل لها بمحادثة خاصة باستخدام وسائل تقنية المعلومات صورا فوتوغرافية ومقاطع مرئية خاصة لكريمتها / … مخلة بالشرف عبر شبكة الإنترنت على تطبيق الواتس آب والتي تسئ لسمعتها وسمعة كريمتها وتخدش شرفهم، استعمل في غير علانية الصور والمقاطع المرئية الخاصة بالمجني عليها / … وكان ذلك بغير رضائها بأن أرسلها بمحادثة خاصة عبر تطبيق الواتس آب، وكان الحكم المطعون فيه قد أفصح عن أن هذه الجرائم مرتبطة ببعضها ارتباطاً لا يقبل التجزئة مما يوجب معاقبة المتهم بعقوبة الجريمة الأشد إعمالاً لنص المادة 32 من قانون العقوبات، وكانت الجريمة المنصوص عليها في المادة 309 مكرراً “أ” / 2 من القانون المار ذكره تعد هي الجريمة الأشد من الجرائم الأخرى المؤثمة بمقتضى مواد القانون رقم 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات والقانون رقم 175 لسنة 2018 في شأن مكافحة تقنية المعلومات. لما كان ذلك، وكان قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية رقم 120 لسنة 2008 وأي تشريع آخر قد خلا من النص على انفرادها بالفصل وحدها دون غيرها بالجرائم المرتبطة بتلك التي تختص بنظرها، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضی بعدم الاختصاص نوعياً بنظر الدعوى يكون قد أخطأ في القانون بما يوجب نقضه، وكان هذا الخطأ قد حجب المحكمة عن نظر الموضوع، فإنه يتعين أن يكون مع النقض والإعادة إلى محكمة جنايات … المختصة بنظر الدعوى عملاً بنص المادة 44 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض( ). كما قضت أيضاً أن ” الجرائم المسندة إلى الطاعن قوامها فعل مادي واحد هو إدخال البضائع المستوردة أو المهربة داخل البلاد مما تحقق به حالة التعدد المعنوي الذي يوجب تطبيق الفقرة الأولى من المادة 32 من قانون العقوبات ومعاقبة الطاعن بالجريمة الأشد وهي جريمة التهرب الجمركي – وهو ما انتهى إليه بحق الحكم المطعون فيه – وكانت تلك الجريمة الأخيرة تختص بنظرها المحاكم العادية، ومن ثم فإن الاختصاص بمحاكمة الطاعن ينعقد للقضاء الجنائي العادي، يؤيد هذا أيضاً ما نصت عليه المادة 214 من قانون الإجراءات الجنائية الملغى في فقرتها الأخيرة – المقابلة للمادة 159 من قانون الإجراءات الجنائية الحالي – من أنه في أحوال الارتباط التي يجب فيها رفع الدعوى عن جميع الجرائم أمام محكمة واحدة إذا كانت بعض الجرائم من اختصاص المحاكم العادية، وبعضها من اختصاص محاكم خاصة يكون رفع الدعوى بجميع الجرائم أمام المحاكم العادية ما لم ينص القانون على غير ذلك، وإذ كان قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية الصادر بالقانون رقم 120 لسنة 2008 بإحالة بعض الجرائم إلى المحاكم الاقتصادية قد خلا كما خلا أي تشريع آخر من النص على انفراد المحاكم الاقتصادية بالفصل وحدها دون غيرها في الجرائم المرتبطة بتلك التي تختص هي بنظرها. ومن ثم كان على محكمة ثاني درجة ألا تقضي بتأييد الحكم المستأنف فيما قضى به في الموضوع، بل تقضي بإلغائه وبعدم اختصاص محكمة الجنح الاقتصادية بنظر الدعوى، إعمالاً لصحيح القانون، أما وهي لم تفعل وقضت بتأييد الحكم المستأنف فإنها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون، وإذ كان ذلك وكانت قواعد الاختصاص في المواد الجنائية متعلقة بالنظام العام يجوز إثارة الدفع بمخالفتها لأول مرة أمام محكمة النقض مادام وجه المخالفة ظاهراً من مدونات الحكم المطعون فيه – وهو الحال في الدعوى الماثلة – لما كان ما تقدم، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وإلغاء الحكم المستأنف، وبعدم اختصاص محكمة الجنح الاقتصادية بنظر الدعوى( ).

45 – الرأي الرابع: اختصاص المحكمة الأعلى درجة:

يستند هذا الرأي إلى أن الفقرة الأولى من المادة 159 من قانون الإجراءات الجنائية قد قررت قاعدة عامة أصلية من قواعد تنظيم الاختصاص مؤداها أنه إذا اشتمل التحقيق أكثر من جريمة واحدة من اختصاص محاكم من درجات مختلفة تحال جميعاً إلى المحكمة الأعلى درجة تغليب لاختصاص الأخيرة على غيرها من المحاكم الأدنى منها درجة. وقد أخذت محكمة النقض بهذا الرأي في بعض أحكامها. وتطبيقاً ذلك تقرر محكمة النقض أنه ” لما كان ذلك، وكانت محاكم الجنح الاقتصادية وفقاً لتشكيلها الموضح بالقانون رقم 120 لسنة 2008 الصادر بإنشائها هي محاكم ابتدائية، ومن ثم فهي أعلى من محكمة جنح … الجزئية وكان الاتهام المسند إلى المتهم قد شمل الجريمتين الثانية والثالثة الخاضعتين لاختصاص المحكمة الاقتصادية والمنطبق عليها قانوني حقوق الملكية الفكرية وحماية المستهلك، ومن ثم فإنها تختص كذلك وفقاً للمادة 214 المار ذكرها بنظر الجريمة الأولى وذلك تغليب لاختصاصها على المحكمة الأدنى منها درجة، أياً كانت القوانين التي تحكمها وبصرف النظر عن وجود ارتباط بين الجرائم المسندة إلى المتهم أو عدم وجود هذا الارتباط ومن ثم فإن الاختصاص ينعقد لمحكمة الجنح الاقتصادية بالقاهرة ومن ثم يتعين قبول الطعن المقدم من النيابة العامة والحكم بتعيين المحكمة الاقتصادية بالقاهرة محكمة لنظر الدعوى( ). كما قضت أن الفقرة الرابعة من المادة 214 من قانون الإجراءات الجنائية – المقابلة للمادة 159 من قانون الإجراءات الجنائية الحالي – قد قررت قاعدة عامة أو أصلية من قواعد تنظيم الاختصاص مؤداها أنه إذا اشتمل التحقيق أكثر من جريمة واحدة من اختصاص محاكم من درجات مختلفة تحال جميعاً إلى المحكمة الأعلى درجة تغليباً لاختصاص الأخيرة على غيرها من المحاكم الأدنى منها درجة. لما كان ذلك، وكانت محاكم الجنح الاقتصادية وفقاً لتشكيلها الموضح بالقانون رقم 120 لسنة 2008 الصادر بإنشائها هي محاكم ابتدائية ومن ثم فهي درجة أعلى من المحاكم الجزئية وكان الاتهام المسند إلى المتهم قد شمل جريمة إساءة استعمال أجهزة الاتصالات الخاضعة لاختصاص المحكمة الاقتصادية والمنطبقة عليها قانون تنظيم الاتصالات ومن ثم فإنها تختص كذلك وفقاً للمادة 214 المار ذكرها بنظر جريمة النصب وذلك تغليباً لاختصاصها على المحكمة الأدنى منها درجة أياً كانت القوانين التي تحكمها وبصرف النظر عن وجود ارتباط بين الجرائم المسندة إلى المتهم أو عدم وجود هذا الارتباط ولما كان الحكم المطعون فيه قد التزم هذا النظر وأطرح برد مقبول الدفع بعدم اختصاص المحكمة الاقتصادية نوعياً بنظر الدعوى فإن النعي في هذا الصدد يكون على غير أساس( ). وقضت أيضاً أن محاكم الجنح الاقتصادية وفقاً لتشكيلها الموضح بالقانون رقم 120 لسنة 2008 الصادر بإنشائها هي محاكم ابتدائية ومن ثم فهي درجة أعلى من المحاكم الجزئية، وكان الاتهام المسند إلى الطاعن قد شمل الجريمة الأولى الخاضعة لاختصاص المحاكم الاقتصادية والمنطبقة عليها قانون تنظيم الاتصالات، ومن ثم فإنها تختص كذلك بنظر الجريمتين الثانية والثالثة وذلك تغليباً لاختصاصها على المحكمة الأدنى منها درجة أياً كانت القوانين التي تحكمها وبصرف النظر عن وجود ارتباط بين الجرائم المسندة إلى المتهم أو عدم وجود هذا الارتباط، ولما كان الحكم المطعون فيه قد التزم هذا النظر وأطرح برد مقبول الدفع بعدم اختصاص المحكمة الاقتصادية نوعياً بنظر الدعوى، فإن النعي في هذا الصدد يكون على غير أساس( ).

46 – اتجاه محكمة النقض:

تبنت محكمة النقض في أغلب أحكامها الرأي الثاني إذ قضت أن ” ولاية المحاكم العادية للحكم في الجرائم التي تقع هي ولاية عامة أصلية وكان ما يحد من سلطتها في هذا الشأن جاء على سبيل الاستثناء، والاستثناء يجب أن يبقى في حدوده الضيقة ولا يصح التوسع فيه أو القياس عليه، فمتي رفعت للمحاكم العادية قضية بوصف جنائي يدخل في اختصاصها العام وجب عليها النظر فيها وعدم التخلي عن ولايتها، وعلى ذلك فلا يجوز للمحاكم العادية أن تحكم بعدم اختصاصها إلا إذا كان الوصف الجنائي الذي رفع إليها يخرج عن ولايتها بموجب نص صريح خاص، لما كان ذلك، وكان البين من استقراء المادة الرابعة من قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية سالفة البيان أن الشارع خص المحاكم الاقتصادية – دون غيرها – نوعيا ومكانيا بنظر الدعاوى الجنائية الناشئة عن جرائم أشار إليها في قوانين عددها، ومنها قانون حماية المستهلك، فإذا قدمت للمحاكم العادية جريمة بهذا الوصف فيجب عليها أن تحكم بعدم اختصاصها بنظرها ولا يغير من ذلك أن تكون تلك الجريمة ارتبطت بها جريمة ذات عقوبة أشد تدخل في اختصاصها وذلك عملاً بما ورد بنص المادة الرابعة من قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية سالفة البيان. لما كان ذلك، وكان قضاء المحكمة الاقتصادية بعدم اختصاصها نوعيا بنظر الدعوى باعتبار الفعل محل الجريمة مؤثم بالقانون 453 لسنة 1945 المعدل والمرسوم بقانون 95 لسنة 1945 قد جانبه الصواب إذ أن الفعل الذي قارفه المتهم – عملا بوصف النيابة العامة – مؤثم بالمواد 1، 2، 3، 4 من قرار وزير التموين رقم 113 لسنة 1994 بشأن حظر تداول السلع مجهولة المصدر وكذا المواد 6/3، 13، 14، 16 من القانون 163 لسنة 1950 بشأن شئون التسعير الجبري فضلاً عن المواد رقم 2، 3/2، 24 من القانون رقم 67 لسنة 2006 بإصدار قانون حماية المستهلك ومن ثم يكون الحكم الصادر من محكمة القاهرة الاقتصادية الابتدائية بعدم اختصاصها نوعياً بنظر الدعوى وإحالتها إلى النيابة العامة لاتخاذ شئونها فيها يكون قد صدر على خلاف القانون “( ). كما قضت أن القانون رقم 120 لسنة 2008 بإنشاء المحاكم الاقتصادية نص في مادته الرابعة على أن تختص الدوائر الابتدائية والاستئنافية بالمحاكم الاقتصادية دون غيرها نوعياً ومكانياً بنظر الدعاوى الجنائية الناشئة عن الجرائم المنصوص عليها في القوانين الآتية.. قانون تنظيم الاتصالات.. فقد دل بصريح العبارة على اختصاص المحاكم الاقتصادية المنشأة طبقاً لأحكامه بنظر الجرائم الواردة بقانون تنظيم الاتصالات اختصاصاً استئثارياً انفراديا لا تشاركها فيه أية محكمة أخرى، لما كان ذلك، وكانت جنحة السب والقذف بطريق إرسال رسائل من خلال التليفون المحمول موضوع التهمة قد أصبح من اختصاص المحكمة الاقتصادية دون غيرها بموجب الفقرة الثانية من المادة 76 من القانون رقم 10 لسنة 2003 بشأن تنظيم الاتصالات، ومن ثم كان على محكمة ثاني درجة ألا تقضي بإدانة الطاعنة في الموضوع بل تقضي بإلغائه وبعدم اختصاص محكمة الجنح الجزئية العادية بنظر الدعوى إعمالاً لصحيح القانون أما وهي لم تفعل وقضت بالإدانة فإنها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون( ).

بيد أن محكمة النقض وإن كانت قد قضت بهذا الرأي في معظم أحكامها إلا أنها قضت في بعض أحكامها الأخرى برأي مغاير على النحو الذي سبق بيانه عند التعرض للاتجاهات المختلفة بشأن اختصاص المحاكم الاقتصادية في حالتي الارتباط والتعدد المعنوي.

47 – تطبيقات في الجنايات:

جميع الأحكام التي تم استعراضها سلفاً تتعلق بالجنح دون الجنايات، والأصل أن الأحكام المتقدمة لا تختلف بحسب طبيعة الجريمة من حيث كونها جناية أو جنحة، والعبرة في مسألة اختصاص المحكمة الاقتصادية بكون الجريمة تستلزم تطبيق أحد النصوص الواردة في التشريعات المبينة حصراً في المادة الرابعة من قانون المحاكم الاقتصادية، فإذا لم تكن تستلزم تطبيقها فإن الاختصاص ينحسر عن هذه المحكمة. وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض ” إن البين من الاطلاع على الأوراق أن الدعوى أحليت إلى محكمة الجنايات قبل المتهم بوصف جناية اختلاس أموال مملوكة لإحدى الشركات المساهمة، وطلبت عقابه بالمواد 113 مكرر/1، 118، 118مكرر من قانون العقوبات. ومحكمة الجيزة قضت حضوريا بعدم اختصاصها نوعيا بنظر الدعوى وبإحالتها بحالتها إلى النيابة العامة لاتخاذ شئونها فيها. لما كان ذلك، وكانت جريمة الاختلاس المسندة إلى المطعون ضده ليست من بين الجرائم الواردة على سبيل الحصر في المادة الرابعة من القانون 120 لسنة 2008 بإصدار قانون المحاكم الاقتصادية، وأن تلك الجريمة معاقب عليها بالمواد 113 مكرراً/1، 118، 118 مكرراً من قانون العقوبات وتختص بنظرها محكمة الجنايات، وإذ قضت محكمة الجنايات بعدم اختصاصها فإن حكمها يكون قد خالف القانون. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد جاء منهيا للخصومة على خلاف ظاهره اعتباراً فإن المحكمة الاقتصادية سوف تحكم بعدم اختصاصها بنظر الدعوى فيما لو رفعت إليها من النيابة العامة، فإن الطعن في هذا الحكم يكون جائزا ومستوفياً للشكل المقرر في القانون. لما كان ذلك، وكانت المحكمة قد أخطأت في قضائها بعدم الاختصاص مع أن القانون يجعل لها ولاية الفصل في الدعوى، وقد حجبها هذا الخطأ عن نظر موضوع الدعوى فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه والإعادة”( ). بيد أنه يثور التساؤل عن اختصاص المحكمة الاقتصادية متى كان ثمة جريمة اقتصادية ترتبط بأخرى عادية وفي هذا الصدد قضت محكمة النقض أن جرائم اختراق سرية البيانات والمعلومات المجمعة بقاعدة بيانات الأحوال المدنية، وعدم التزام وكيل لإحدى الشركات المقدمة لخدمة الاتصالات بالحصول على بيانات دقيقة للمستخدمين، وعدم قيامه بموافاة الجهاز بالتقارير أو الإحصائيات أو المعلومات المطلوبة المسندة إلى المطعون ضده تعد فعلاً مادياً واحداً تعددت أوصافه القانونية مما يوجب معاقبته بعقوبة الجريمة الأشد دون غيرها وهي جريمة اختراق سرية البيانات والمعلومات المجمعة بقاعدة بيانات الأحوال المدنية المؤثمة بالمادتين 65، 76 من القانون رقم 143 لسنة 1994 بشأن الأحوال المدنية، وكانت هذه الجريمة تختص بنظرها المحاكم العادية، ومن ثم فإن الاختصاص بمحاكمة المطعون ضده ينعقد للقضاء الجنائي العادي( ). وعلى خلاف ذلك قضت محكمة النقض بأنه لما كانت الدعوى الجنائية قد أقيمت ضد الطاعن بوصف أنه وآخرين: أولاً: أتلفوا عمداً خطاً من خطوط الاتصالات التليفونية المملوكة للشركة المصرية للاتصالات، مما ترتب عليه انقطاع الاتصالات. ثانياً: شرعوا في سرقة الكابلات التليفونية، وقد أوقف أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادتهم فيه هو ضبطهم والجريمة متلبسين بها. ثالثاً: حازوا أدوات وأسلحة بيضاء بغير مسوغ من الضرورة المهنية أو الحرفية. وأحالتهم النيابة العامة لمحكمة جنايات… التي قضت حضورياً للطاعن والمتهم… وغيابياً للمتهمين الآخرين بمعاقبة كل منهم بالحبس مع الشغل لمدة سنتين، وبتغريمه خمسين ألف جنيه، وإلزامه بنفقات إعادة الشيء إلى أصله. لما كان ذلك، وكانت المادة الرابعة من القانون رقم 120 لسنة 2008 بإنشاء المحاكم الاقتصادية قد نصت على أنه ” تختص الدوائر الابتدائية والاستئنافية بالمحاكم الاقتصادية دون غيرها، نوعياً ومكانياً بنظر الدعاوى الجنائية الناشئة عـن الجرائـــم المنصــوص عليهـا في القوانيـن الآتيــة:… (16) قانون تنظيم الاتصالات..”. فقد دل بصريح العبارة على اختصاص المحاكم الاقتصادية المنشأة طبقاً لأحكامه بنظر الجرائم الواردة به اختصاصاً استئثارياً انفرادياً لا تشاركها فيه أية محكمة أخرى، وكانت الفقرة الأخيرة من المادة 214 من قانون الإجراءات الجنائية – الملغى المقابلة للمادة 159 من القانون الحالي – قد نصت على أنه ” إذا شمل التحقيق أكثر من جريمة واحدة من اختصاص محاكم من درجة واحدة وكانت مرتبطة تحال جميعها بأمر إحالة واحد إلى المحكمة المختصة مكاناً بإحداها فإذا كانت الجرائم من اختصاص محاكم من درجات مختلفة تحال إلى المحكمة الأعلى درجة، وفي أحوال الارتباط التي يجب فيها رفع الدعوى عن جميع الجرائم أمام محكمة واحدة، إذا كانت بعض الجرائم من اختصاص المحاكم العادية وبعضها من اختصاص محاكم خاصة، يكون رفع الدعوى بجميع الجرائم أمام المحكمة العادية ما لم ينص القانون على غير ذلك “. وكانت المادة 35 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959المعدل قد نصت على أن

زر الذهاب إلى الأعلى