ترويج الشائعات في بيئة العمل: بين حدود حرية الرأي والمسؤولية القانونية

بقلم الدكتورة/ ريهام فتحي فهمي ـ دكتوراه في القانون الجنائي – جامعة الإسكندرية

تُعد بيئة العمل والوسط الأكاديمي من البيئات التي تقوم في جوهرها على اعتبارات الثقة والكفاءة والسمعة المهنية، حيث يشكّل «الاعتبار المهني» عنصرًا حيويًا من عناصر المراكز القانونية والمالية للأشخاص.

وتثور الإشكالية القانونية حول كيفية إحداث التوازن بين كفالة «حرية الرأي والتعبير» باعتبارها حقًا دستوريًا أصيلًا، وبين «حماية الحق في السمعة والاعتبار المهني»، وتحديد نطاق المسؤولية القانونية المترتبة على إعادة إنتاج وتداول الادعاءات غير الموثقة داخل المؤسسات.

أولًا: التكييف القانوني للشائعة وحدود حرية التعبير

من المنظور الدستوري والقانوني، لا يجوز التذرع بحرية التعبير باعتبارها غطاءً لترويج الأخبار الكاذبة أو الادعاءات المرسلة؛ إذ إن حرية الرأي تكفل للشخص نقد الأفكار أو تقييم الأداء المهني بصورة موضوعية ومعلنة، فيما يُعرف بـ«النقد المباح»، شريطة أن يستند هذا النقد إلى وقائع ثابتة وصحيحة.

أما الشائعة، فتخرج عن نطاق «الرأي» لتدخل في نطاق «الادعاء الواقعي الكاذب». وتكمن خطورتها القانونية في أسلوب صياغتها؛ إذ غالبًا ما تتخذ شكلًا مستترًا، كالتساؤلات الاستنكارية أو التلميحات مجهولة المصدر، بقصد الإفلات من المساءلة القانونية. ومع ذلك، استقر الفقه والقضاء على أن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني؛ فمتى كان الهدف من التلميح هو النيل من كفاءة الشخص أو نزاهته، تحقق الركن المادي للمساس بالسمعة والاعتبار.

ثانيًا: ركائز المسؤولية القانونية في البيئة المهنية

تثير الشائعات مسألة دقيقة تتعلق بالمسؤولية المدنية والتقصيرية، والتي تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية:

1- الخطأ

لا يقتصر الخطأ القانوني على مُطلِق الشائعة الأول فحسب، بل يمتد ليشمل كل من ساهم في نقلها أو إعادة تداولها أو التعليق عليها دون التثبت من صحتها. فالقانون يفرض على الشخص التزامًا ببذل العناية والتبصر قبل نقل الأخبار التي قد تلحق الضرر بالغير.

2- الضرر

في بيئة العمل، لا يتوقف الضرر عند الأثر النفسي، بل يمتد ليصبح ضررًا ماديًا ومهنيًا جسيمًا، مثل زعزعة المركز الوظيفي للمجني عليه، أو تفويت فرص الترقية، أو التأثير على مكانته الأكاديمية، أو خلق بيئة عمل عدائية تنعكس سلبًا على إنتاجيته وأدائه المهني.

3- العلاقة السببية

إن تضافر عدة أشخاص في تداول الشائعة يخلق ما يُعرف في القانون بـ«المسؤولية المشتركة» أو «المسؤولية التضامنية» عن الضرر. فكل ناقل للشائعة يمثل حلقة جوهرية في سلسلة إحداث الضرر المهني، ولولا تعدد عمليات النقل والتداول لما ترسخت الشائعة بوصفها حقيقة في أذهان المحيط المهني.

ثالثًا: آليات المواجهة وتحقيق التوازن القانوني

تتطلب مواجهة هذه الظاهرة تفعيل الأطر القانونية والمؤسسية، من خلال التزام المؤسسات والجامعات بتطبيق مدونات السلوك الوظيفي، واعتبار ترويج الادعاءات غير الموثقة ضد الزملاء خطأً مهنيًا جسيمًا يستوجب المساءلة التأديبية؛ لما ينطوي عليه من إخلال بواجبات الزمالة المهنية ومقتضيات حسن النية.

كما أن ترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات قبل تداولها يُعد أحد أهم الوسائل الوقائية للحد من انتشار الشائعات، والحفاظ على بيئة عمل قائمة على المهنية والاحترام المتبادل.

خاتمة

بناءً على ما تقدم، نخلص إلى أن الحق في السمعة والاعتبار المهني ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل هو حق قانوني ومكسب وظيفي يتمتع بالحماية القانونية. كما أن حرية التعبير لا تمتد لحماية السلوكيات التي تستهدف تقويض المراكز القانونية أو المهنية للأشخاص من خلال ترويج الشائعات أو تداولها.

ومن ثم، فإن إرساء مبدأ «المسؤولية عن النقل والتداول» يمثل ضمانة أساسية للحد من الآثار التدميرية للشائعات داخل بيئات العمل، وتحويلها من ساحات لتصفية الحسابات المعنوية إلى بيئات مؤسسية تقوم على الدليل والموضوعية واحترام الحقوق.

هذه النسخة أكثر ملاءمة للنشر في صحيفة أو موقع قانوني، مع لغة أكاديمية أكثر تماسكًا وسلاسة.

زر الذهاب إلى الأعلى