
مبدأ العلانية في المحاكمات عن بعد
مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة – المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي
في يوم الأربعاء الموافق الثالث عشر من شهر مايو عام 2026م، وفي منشور على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، يقول الأستاذ الدكتور محمود كبيش، عميد كلية الحقوق جامعة القاهرة الأسبق وأستاذ القانون الجنائي: «هل سقط إلى غير رجعة مبدأ علنية المحاكمات المقرر في الدستور والقانون بإقرار التقاضي عن بعد؟؟ بس نعرف رأسنا من رجلينا سواء في الدراسة أو العمل في المحاكم ونكون صرحاء مع طلابنا!!!!! كل ما أخشاه مع هذا الشغف بالتكنولوجيا والسعي لتطبيقها في كل أمور الحياة أن يفقد العمل القضائي معناه وبريقه ويتحول إلى عمل إداري حيث يتقدم أصحاب الشأن بطلبات ليحصلوا على قرارات».
والواقع أن إشكالية علانية الجلسات في التقاضي الالكتروني قد برزت في الواقع وشكلت تحدياً كبيراً، مع تفشي جائحة كورونا، وما استتبعه ذلك من صدور توجيهات منظمة الصحة العالمية بتطبيق مبدأ التباعد الجسدي، منعاً لتفشي الجائحة. ومع تطبيق مبدأ التباعد الجسدي، غدا متعذراً عقد الجلسات القضائية بالحضور الشخصي للمتقاضين والجمهور. ومن ثم، كان الحل الوحيد لاستمرار مرفق القضاء في أداء رسالته المنوطة به دستورياً وقانونياً بالفصل في المنازعات هو تطبيق التقاضي الالكتروني. وهكذا، ثار التساؤل عن الآلية التي يمكن من خلالها كفالة مبدأ العلانية في حالة التقاضي الالكتروني. وقد حاول البعض الإجابة عن هذا التساؤل من خلال بعض المقالات والأبحاث، نذكر منها الدراسة التي قامت بها الباحثة لي داي (Leigh Day) عن «علنية العدالة وأثر كوفيد – 19 على القضايا المدنية»، والصادرة بتاريخ الحادي والثلاثين من شهر مايو 2020م، أي بعد شهرين فقط من تفشي جائحة كورونا.
Open Justice and Covid- 19 in civil case, Lexology, United Kingdom, May 31, 2020.
وقد تفاوتت السياسة المتبعة بواسطة النظم القضائية المقارنة في مواجهة جائحة كورونا، بحيث اعتمدت بعض الدول نظام التقاضي عن بعد بشكل كامل، بينما تبنت بعض الدول هذا النظام بشكل جزئي، ولجأت طائفة ثالثة من الدول إلى الوقف الكامل لجلسات المحاكم، ربما اعتقاداً منها بأن الجائحة والأزمة الناجمة عنها لن تطول كثيراً. ففي إنجلترا وويلز، على سبيل المثال، ولمواجهة إجراءات الإغلاق التي فرضتها الحكومة، سمحت وزارة العدل باستمرار العمل الفعلي في 159 مبنى من مباني المحاكم ذات الأولوية لعقد جلسات الاستماع المهمة وجهاً لوجه، بينما بقيت 116 محكمة تقريباً مغلقة أمام الجمهور وعمل موظفوها على تسيير الجلسات عبر الفيديو والهاتف فقط، وفي الوقت ذاته تم اغلاق 76 محكمة بشكل مؤقت دون عقد جلسات استماع من أي نوع كان. وبحلول نهاية شهر أبريل 2020م، تم عقد 90 في المائة من كافة جلسات الاستماع باستخدام تقنيات الاتصال السمعي والمرئي. ولكن المشكلة الناشئة عن القيود المفروضة على وصول الجمهور إلى جلسات المحكمة هي ما إذا كانت تتفق مع مبدأ علنية العدالة.
وفي هذا الصدد، صدر رأي عن وزارة العدل البريطانية، كما أصدرت بريطانيا بعض الأحكام القانونية المستحدثة بهدف التوفيق بين القيود الناجمة عن جائحة كورونا وبين مبدأ علنية العدالة، وسنحت الفرصة للتعرف على التطبيق القضائي لهذه الأحكام، وذلك من خلال بعض القضايا المنظورة أمام المحاكم البريطانية، وهو ما يبدو جلياً من خلال العرض التالي:
رأي وزارة العدل البريطانية بتوافق قيود كورونا مع مبدأ علنية العدالة
أكدت وزارة العدل البريطانية أن القيود المفروضة على وصول الجمهور إلى المحكمة تتوافق مع مبدأ علنية العدالة، للأسباب التالية:
أولاً: كان من الممكن الحفاظ على الوصول إلى جلسات الاستماع العلنية في حال ما إذا كان هناك مجال لحضور العامة، أو يمكن لأي طرف ثالث أن ينضم إلى جلسة الاستماع عن بعد.
ثانياً: يستطيع أي طرف أو شخص ذي صلة طلب نسخة من محضر الجلسة أو من أي مذكرات قدمت فيها.
ثالثاً: يمكن توفير تسجيل صوتي لجلسة الاستماع، للاستماع إليها في مبنى المحكمة.
رابعاً: يمكن نشر قوائم دعاوى المحكمة، وكذلك نتائج جلسات المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف، والأوامر الصادرة عنها أو النتائج التي تم التوصل إليها.
خامساً: يمكن لوسائل الإعلام المعتمدة الوصول إلى جلسات الاستماع ومعلومات قوائم الدعاوى.
أحكام قانونية مستحدثة بشأن الوصول إلى جلسات الاستماع العلنية
وفقاً للمادة 55 والجدول 25 من قانون فيروس كورونا لعام 2020، تم إضافة مادة جديدة إلى قانون المحاكم لعام 2003م، برقم (85A)، تنص على تمكين المحاكم للجمهور من الحضور والاستماع إلى جلسات الدعاوى عن بُعد.
وتم استكمال هذه الأحكام بالبروتوكول المتعلق بجلسات الاستماع عن بعد، والذي ينص على أن «جلسات الاستماع عن بعد ينبغي أن تستمر، بقدر الإمكان، لتكون جلسات استماع علنية».
وبالإضافة إلى ذلك، ووفقاً للبنود 6 (2) (h) و7 (d) (iv) من لائحة الحماية الصحية (الفيروسات التاجية، استثناءات) (إنجلترا) لعام 2020م، تم استثناء الأفراد والسماح لهم بالتنقّل لغرض الوفاء بالتزام قانوني، بما في ذلك حضور المحكمة أو تلبية شروط الكفالة، أو المشاركة في الإجراءات القانونية.
وينص الدليل الإجرائي الجديد 51Y على أنه «(2). … عندما تأمر المحكمة بأن تتم الإجراءات بالكامل عبر التسجيل المرئي أو الصوتي، ولا يكون من الممكن عملياً بث جلسة الاستماع في مبنى المحكمة، يجوز للمحكمة أن تأمر بعقد جلسة الاستماع بشكل مغلق حيثما يكون من الضروري القيام بذلك لضمان إقامة العدل بشكل صحيح».
وبموجب الفقرة (3)، حيثما يمكن لأحد ممثلي وسائل الإعلام الوصول إلى الإجراءات عن بعد أثناء انعقادها، فإن مثل هذه الإجراءات تعتبر إجراءات علنية.
وتنص الفقرة (4) على أن «أي جلسة استماع تنعقد بشكل مغلق بموجب الفقرة (2)، فإنه يجب تسجيلها حيثما كان ذلك ممكناً، بالطريقة التي تأمر بها المحكمة … وبناء على طلب مقدم من أي شخص، أي تسجيل يتم على هذا النحو يجب الوصول إليه في مبنى المحكمة، وبموافقة المحكمة».
التطبيقات القضائية
في قضية Greystoke ضد هيئة السلوك المالي [2020] EWHC 1011 (QB)، تم النظر في طلب المتقاضي بعقد جلسة استماع خاصة من أجل حماية المعلومات السرية طبقاً للقاعدة CPR 39.2 (3) (c) & (g)، وفيما إذا كان هذا الطلب يمكن أن يصادر حق الجمهور في علنية العدالة، وذلك خلال جلسة استماع علنية عن بعد انعقدت وفقاً للفقرة 3 من الدليل الإرشادي PD51Y.
وفي هذه القضية، سمح القاضي بعقد جزء من الجلسة بشكل خاص للتعامل مع المعلومات السرية، بينما انعقد الجزء المتبقي من الجلسة علانية. وأثناء تحديد المصلحة العامة في التمسك بالالتزام القانوني بالحفاظ على المعلومات السرية باعتبارها حاسمة، أشار القاضي إلى أنه «يجب أن يكون من الضروري أن ينعقد جزء صغير من المحاكمة فقط على انفراد».
وفي قضية يانكوفسكي ضد محكمة تورون الإقليمية، بولندا [2020] EWHC 826 (إداري)، تم النظر عبر الهاتف في الطعن المتعلق بقضية استرداد مجرم وتسجيل ذلك في نظام سجلات المحكمة، أوضح السيد القاضي فوردهام كيف تنطبق الفقرة (4) عملياً – «عند تقديم طلب من أي شخص، يمكن الوصول إلى التسجيل الذي تم على هذا النحو في مبنى المحكمة، وبموافقة المحكمة».
وقياساً على أحكام الدليل الارشادي PD51Y، أضاف القاضي أنه لم يكن هناك «أي تقييد لمبدأ علنية العدالة، أو للحاجة إلى عقد جلسة استماع شفهية في محاكمة علنية، أو لحقوق الأطراف. وإذا وحيثما كان هناك أي تقييد، فإنني مقتنع بأنه كان ضرورياً ومبرراً ومتناسباً في ضمان إقامة العدالة بشكل صحيح».
وطالب حزب العمال البريطاني ببث جميع قضايا المحكمة عبر الإنترنت، مع بعض الاستثناءات، ليصبح ذلك النهج هو القاعدة العامة أثناء أزمة كوفيد – 19 وما بعدها.
ويسمح البروتوكول الحالي بالبث المباشر لجلسات الاستماع المنعقدة عن بعد، بالإضافة إلى، أو كحل بديل، للبث الصوتي أو المرئي لجلسات الاستماع المنعقدة في مبنى المحكمة، أو السماح للصحافة بحضور جلسات الاستماع المنعقدة عن بعد.
على النقيض من ذلك، فإن البث المباشر لجميع القضايا سيمكن الجمهور من الوصول إلى جلسات الاستماع المنعقدة عن بعد فوراً من أي مكان، دون الحاجة إلى الحضور الى مبنى المحكمة لمشاهدة البث أو التقدم بطلب للحصول على موافقة المحكمة لمشاهدة تسجيل جلسة الاستماع المنعقدة عن بعد في مبنى المحكمة.
وهكذا، ومن خلال العرض السابق، يبدو جلياً أن السلطات في إنجلترا وويلز تحاول التوفيق بين القيود المفروضة على وصول الجمهور إلى جلسات المحكمة المدنية تماشيا مع القيود المفروضة بسبب جائحة كورونا وبين مبدأ علنية العدالة، مع العلم أن:
- القيود مؤقتة، وتخضع للمراجعة المستمرة.
- هناك استثناءات تُمنح لوسائل الإعلام المعتمدة وأفراد الجمهور من أجل التنقّل للوفاء بالتزام قانوني أو حضور المحكمة أو المشاركة في الإجراءات القانونية.
- في حالة عدم الوصول المادي لجلسة الاستماع العلنية المنعقدة في المحكمة، ستكون جلسات الاستماع بالفيديو والهاتف متاحة للجمهور.
- يمكن لأفراد الجمهور مشاهدة بث الجلسة في مبنى المحكمة، أو التقدم بطلب إلى المحكمة لنشر تسجيلات الجلسة الخاصة.
- الحق في علنية العدالة ليس حقاً مطلقاً، ويجوز للمحاكم أن تلتفت عن هذا المبدأ عندما تكون ثمة مصلحة عامة تتطلب، لحماية حقوق أخرى، مثل الحق في الحفاظ على المعلومات السرية الشخصية.
جلسات المحاكمة العلنية الكترونياً في محاكم رأس الخيمة
في الخامس عشر من أبريل 2020م، أعلنت دائرة المحاكم في رأس الخيمة عن إطلاق خدمة جديدة، هي جلسات المحاكمة «العلنية إلكترونياً»، في خطوة وصفتها بالأولى من نوعها عالمياً، ترسيخاً لمفهوم شفافية الجلسات القضائية، لتصبح قاعات المحاكم في الإمارة مفتوحة أمام الراغبين في الحضور عبر «الفضاء الإلكتروني»، ما يشمل درجات التقاضي الثلاث، مع استثناء قضايا الأسرة والطفل وحالات يقدرها القاضي. وتتيح الخدمة إمكانية حضور الجلسات «عن بُعد» من أي مكان، باختيار رقم القاعة الذكية في برنامج الاتصال المرئي، حسب كل دائرة، حيث أعلنت أرقام القاعات في برامج التواصل.
وتكفل هذه الوسيلة الحفاظ على مبادئ المحاكمات، ومن أهمها «العلانية»، وتتمثل في تمكين الأهالي، دون تمييز، من الاطلاع على إجراءات المحاكمة، والعلم بها، وأبرز مظاهره، السماح لأي شخص بالدخول إلى قاعة المحاكمة. حيث راعت الدائرة هذا المبدأ عن طريق تفعيل جلسات الاتصال المرئي، والإعلان عن قاعات المحاكمة الإلكترونية الافتراضية، التي تمكن أفراد الجمهور من أي مكان بالدخول إليها، والاطلاع على كل ما يجري فيها.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن الفقه الجنائي قد ذهب قبل ظهور التقاضي عن بعد إلى أنه «لا تكفي إذاعة المحاكمة في المذياع أو نشر أخبارها في الصحف لتحقق الغاية من العلانية، التي تتطلب حضور الجمهور بنفسه أثناء المحاكمة واطلاعهم على ما يجري في الجلسة، الأمر الذي يولد لديه الثقة في عدالة القضاء» (د. أحمد فتحي سرور، نظرية البطلان في قانون الإجراءات الجنائية، من أمهات كتب التراث القانوني، 1959، دار الأهرام للنشر والتوزيع والإصدارات القانونية، مصر، الطبعة الأولى، 2024م، ص 295، هامش رقم 1). ورغم مرور سبعة عقود تقريباً على هذا القول، ما يزال له وجاهته رغم كل ما طرأ على منظومة التقاضي في الأعوام الأخيرة، ولاسيما مع ظهور «التقاضي الالكتروني».
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا الرأي قد قيل به في العام 1959م، أي قبل عام واحد من تدشين البث التليفزيوني الرسمي في جمهورية مصر العربية، والذي بدأ في الحادي والعشرين من شهر يوليو عام 1960م، تزامناً مع الاحتفالات بالذكرى الثامنة لثورة 23 يوليو. وقد انطلق الإرسال من مبنى ماسبيرو في القاهرة، وبدأ باللونين الأبيض والأسود لمدة خمس ساعات يومياً، واقتصر على قناة واحدة تضمنت تلاوة للقرآن الكريم وخطاباً للرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ومن هنا، يفهم سبب الإشارة في عبارات صاحب الرأي المذكور آنفاً إلى المذياع والصحف، وعدم التطرق إلى التليفزيون، حيث يقول «لا تكفي إذاعة المحاكمة في المذياع أو نشر أخبارها في الصحف لتحقق الغاية من العلانية». والواقع أن ثمة فارق كبير بين المذياع وبين التليفزيون في هذا الصدد. فإذا كانت الإذاعة في الراديو أو المذياع لا تكفي لتحقق العلانية، فإن البث التليفزيوني يبدو مختلفاً، ويمكن أن تحقق العلانية من خلاله. كذلك، لا يجوز التسوية بين «البث التليفزيوني» وبين «النشر الورقي» في الصحف والمجلات.