جريمة الاعتداء علي أماكن العبادة
محمد إبراهيم الجوهري – باحث دكتوراة
عنيت الشريعة الإسلامية بالحق في ممارسة العبادات لغير المسلمين فيما يتفق مع عبادتاهم وشعائرهم الدينية، وحرمت الإعتداء عليها أو تخريبها أو هدمها أو كسرها أو تنديسها، قال U ” وَلَولادَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ”.([1])
ولقد اهتم الفقه الإسلامي بحماية دور العباة، خاصة لغير المسلمين وجاء الرأي بعدم هدم البيعة والكنسية، فعن أبي بن عبد الله، قال ” جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز t: لا تهدم بيعة ولا كنيسة ولابيت نار صولحوا عليه”.([2])
وحرم الإسلام القتال في دور العبادة، فعن ابن عباس ، قال: قال رسول الله r يوم فتح مكة: لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا وقال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلاساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة “.([3])
وجاء التحريم بعدم الاعتداء علي الكنائس والمعابد، فكان قول النبي r واضحًا في الحديث عن أهل نجران وحماية لأرضهم وعبادتهم وملتهم ورجال دينهم، ونهي عن المساس بكنائسهم ومعابدهم، حيث قال r ” ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله r على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم، لا يغير أسقف عن سقيفاه، ولاراهب عن رهبانيته، ولاواقف عن وقفانيته، وأشهد على ذلك شهودًا “.([4])
وقد قضي الخليفة عمر بن عبدالعزيز t في إحدي الخصومات برد كنيسة لأصحابها، فعن رجاء بن أبي سلمة، قال: خاصم حسان بن مالك عجم أهل دمشق إلى عمر بن عبد العزيزt في كنيسة، وكان فلان سمى رجلاً من الأمراء أقطعه إياها، فقال عمر: “إن كانت من الخمس عشرة كنيسة التي في عهدهم فلاسبيل لك إليها»، وقال ضمرة، عن علي بن أبي حملة، قال: خاصمنا عجم أهل دمشق إلى عمر بن عبد العزيزt في كنيسة، كان فلان قطعها لبني نصر بدمشق، فأخرجناعمر بن عبد العزيز منها وردهاإلى النصارى.([5])
وعهد النبي r لليهود بالأمان لنفسهم ولدينهم ومعابدهم حيث قال ” وأن يهود بني عوف ومواليهم وأنفسهم أمه من المؤمنين، لليهود دينهم وللمؤمنين دينهم، إلامن ظلم وأثم فأنه لا يبتغ إلانفسه وأهل بيته”.([6])
وقد ذكر المقريزي في مؤلفه ” أن هناك العديد من الكنائس في مصر مثلاً: كنيسة المصاصة: هذه الكنيسة يجلها اليهود، وهي بخط المصاصة من مدينة مصر، ويزعمون أنها رُممت في خلافة أمير المؤمنين عمربن الخطاب t، وموضعها يعرف بدرب الكرمة، وبنيت في سنة خمس عشرة وثلاثمائة للإسكندر، وذلك قبل الملة الإسلامية بنحو ستمائة وإحدى وعشرين سنة، ويزعم اليهود أن هذه الكنيسة كانت مجلساً لنبي الله إلياس، وبعد أن ذكر المقريزي الكثير من الكنائس عقب بالقول ” جميع كنائس القاهرة المذكورة محدثة في الإسلام بلا خلاف”.([7])
وتتجلي جريمة الاعتداء علي أماكن ودور العبادة، كماورد في القرءان الكريم في قوله تعالي: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَااسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَاۚ أُولَٰئِكَ ماكَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَاإلاخَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَاخِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ”.([8])
ومعني قوله ( وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا )، ( وَسَعَىٰ ) أي: اجتهد وبذل وسعه الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها، وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام، لكل من اتصف بهذه الصفة، فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش، حين صدوا رسول الله عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس، وغيرهم من أنواع الظلمة، الساعين في خرابها، محادة لله U، ومشاقة.([9])
وأما التدنيس بمعني زوال الطهارة، لأن الدنس بمعني الوسخ: “دنس: الدنس في الثياب: لطخ الوسخ ونحوه حتى في الأخلاق، والجمع أدناس، وقد دنس يدنس دنساً، فهو دنس: توسخ، وتدنس: اتسخ، ودنسه غيره تدنيساً “.([10])
وقد يتصور أن التنديس يكون بوضع القاذورات وما إليها من مخلفات في دور العبادة أو وضع الفضلات أو الروث بها بما يؤدي إلي بعث الروائح الكريهة ويزيل منفعتها، ويجعل روادها يزهدون فيها، ويعرضون عنها، ويتضررون لما أصابها من تدنيس، وقد يقع ذلك التدنيس علي الرموز الدينية أو الأشياء الأخري التي لها حرمة عند أصحاب الدين أو الملة ([11])، ولقد نهي النبي r عن البُزاق في المسجد ،عن قَتَادَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ r: “الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا».([12])
وبالتالي فإن دور وأماكن العبادة مقتصرة علي الأديان الثلاثة، ولكن ذلك لا يُخول أن يتم الاعتداء بأي شكل من الأشكال علي أماكن عبادة غير الأديان الثلاثة كالبوذية أو الهندوسية أو الأضرحة أو غيرهم تحت أي مسمي أو سبب لذلك، إذ أن تلك الأفعال تؤدي إلي نشر الكراهية والبغضاء فيما بين الأفراد في المجتمع، وتخلق حالة من عدم الإستقرار الإجتماعي، وبالتالي فممنوع الإعتداء علي أي من دور العبادة حتي لو لم يتم ذكره في الفقه أو القانون.
وجاء في نص المادة 160 في الباب الحادي عشر– الجنح المتعلقة بالأديان في قانون العقوبات المصري : يُعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه، ولاتزيد علي خمسمائة جنيه أو بإحدي هاتين العقوبتين:
أولاً: كل من شوش علي إقامة شعائر ملة أو إحتفال ديني خاص بها، أو عطلها بالعنف أو بالتهديد.
ثانياً: كل من خرب أو كسر أو تلف أو دنس مباني معدة لإقامة شعائر دين أو رموزاً أو أشياء أخري لها حُرمة عند أبناء ملة أو فريق من الناس.
ثالثا ً: كل من انتهك حرمة القبور أو الجبانات أو دنسها.
وتكون العقوبة السجن الذي لا تزيد مدته علي خمس سنوات إذا ارتكبت أي من الجرائم المنصوص عليهافي المادة 160 تنفيذاً لغرض إرهابي.([13])
([2]) أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة الكوفي، المصنف في الأحاديث والآثار، تقديم وضبط: كمال يوسف الحوت، جـ6، ، كتاب السير ما قالوا في هدم البيع والكنائس وبيوت النار، الناشر: دار التاج – لبنان، مكتبة الرشد – الرياض، مكتبة العلوم والحكم – المدينة المنورة، ط 1، 1989م ، ص467 .
([3]) صحيح البخاري، كتاب الجزية باب إثم الغادر للبر والفاجر، الحديث رقم 3189، جـ4، ( مرجع سابق ) ، ص104.
([4]) محمد بن سعد بن البصري المعروف بابن سعد، الطبقات الكبرى، دراسة وتحقيق: محمد عبد القادر عطا، جـ1، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، ط 1، 1990م، ص268.
([5]) أبو عُبيد القاسم بن سلاّم البغدادي، كتاب الأموال، المحقق: خليل محمد هراس، الناشر: دار الفكر – بيروت، بدون نشر سنة الطباعة ، ص200 .
([7]) أحمد بن علي تقي الدين المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، جـ4، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، ١٤١٨ هـ ، ص374، 375 .
([8]) سورة البقرة، آية رقم: 114.
([9]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تفسير السعدي، مرجع سابق، ص63.
([10]) لسان العرب، جـ6، ( مرجع سابق )، ص88.
([11]) الحماية الجنائية لحرية العقيدة والعبادة، ( مرجع سابق )، ص73.
([12]) صحيح البخاري، كتاب الصلاة – باب كفارة البزاق في المسجد، الحديث رقم 415، ( مرجع سابق )جـ 19 ، ص 21.
([13]) المادة مستبدلة بالقانون رقم 29 لسنة 1982م، وعدلت بالقانون رقم 97 لسنة 1992م.