
عندما يرفع المدرب إشارة “لا للعنصرية”.. ماذا يجب أن يفعل الحكم؟
بقلم الدكتورة/ ريهام فتحي فهمي
أثارت واقعة إنذار المدير الفني للمنتخب المصري، بعد استخدامه إشارة “لا للعنصرية”، جدلًا واسعًا بين جمهور كرة القدم؛ فمنهم من رأى أن الحكم عاقب المدرب المصري على رفع شارة مناهضة للعنصرية، ومنهم من اعتبر أن الإنذار كان بسبب طريقة الاعتراض نفسها. لكن، بعيدًا عن الجدل الدائر، يظل السؤال القانوني الأهم: ماذا تفرض لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) على الحكم عندما يتلقى بلاغًا بوجود سلوك عنصري داخل الملعب؟
هل الإشارة مجرد رمز أم بلاغ رسمي يُلزم الحكم باتخاذ إجراء؟
لم تعد إشارة “❌ لا للعنصرية” مجرد رسالة أخلاقية، بل أصبحت أداةً إجرائيةً تساعد على حماية المشاركين من السلوك العنصري داخل الملاعب.
فقد بدأ الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA)، منذ سنوات، جهودًا لمكافحة العنصرية من خلال حملات توعوية حملت شعار “Say No to Racism”، ومع تزايد الوقائع العنصرية في المباريات، لم يعد الاكتفاء بالشعارات كافيًا.
وفي عام 2024، اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) إشارة الذراعين المتقاطعين على شكل (X) بوصفها شارةً موحدةً للإبلاغ عن الوقائع العنصرية أثناء المباريات. ويجوز استخدامها من قبل اللاعبين أو الحكام أو أعضاء الأجهزة الفنية للإشارة إلى وجود سلوك يُشتبه في أنه ينطوي على تمييز أو عنصرية.
ولا تعني هذه الإشارة أن واقعة العنصرية قد ثبتت بالفعل، وإنما تعني وجود بلاغ رسمي يستوجب من الحكم اتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في بروتوكول مكافحة العنصرية، والتي تبدأ بالتحقق من الواقعة، ثم إيقاف المباراة مؤقتًا إذا اقتضى الأمر، وقد تصل إلى تعليقها أو إنهائها إذا استمرت الإساءات.
ماذا يجب على الحكم أن يفعل إذا استخدم لاعب أو مدرب إشارة “لا للعنصرية” (X) أثناء المباراة؟
تعتمد الإجابة على سبب استخدام الإشارة، وهنا يجب التمييز بين حالتين:
أولًا: إذا كانت الإشارة تُستخدم للإبلاغ عن واقعة عنصرية
في هذه الحالة، لا ينبغي للحكم أن يعتبرها مجرد اعتراض، بل يتعين عليه:
- الاستماع إلى الشخص الذي أبلغ عن الواقعة.
- التحقق من ملابساتها، والاستعانة بالحكمين المساعدين أو الحكم الرابع أو مراقب المباراة عند الحاجة.
- إذا توافرت مؤشرات جدية على وجود سلوك عنصري، يفعّل بروتوكول FIFA لمكافحة العنصرية، والذي يقوم على ثلاث مراحل:
- إيقاف المباراة مؤقتًا.
- تعليق المباراة إذا استمرت الإساءة.
- إنهاء المباراة إذا استمر السلوك العنصري رغم الإجراءات المتخذة.
ثانيًا: إذا كانت الإشارة تُستخدم للاعتراض على قرارات الحكم
أما إذا تبين للحكم أن الإشارة لم تُستخدم للإبلاغ عن واقعة عنصرية، وإنما استُخدمت للاحتجاج على قراراته، أو للتأثير عليه، أو لتعطيل سير المباراة، فلا يُطبق بروتوكول مكافحة العنصرية، ويجوز للحكم التعامل معها باعتبارها اعتراضًا أو سلوكًا غير رياضي، واتخاذ الإجراء التأديبي المناسب وفقًا لقوانين اللعبة، بما في ذلك توجيه إنذار إذا توافرت مبرراته.
وماذا إذا كان البلاغ بالعنصرية ضد الحكم نفسه؟
يثور هنا تساؤل مهم: إذا كان بروتوكول مكافحة العنصرية يفترض أن الحكم هو من يفعّله، فمن يفعّل البروتوكول إذا كان الحكم نفسه هو المتهم بالعنصرية؟
إذا كان المدرب أو اللاعب يدّعي أن الحكم نفسه مارس سلوكًا عنصريًا، فإن الحكم لا يملك الفصل في الشكوى الموجهة ضده، وإنما توجد آليات لاحقة داخل منظومة كرة القدم للتعامل مع هذه الحالة.
أولًا: إثبات الشكوى
وهنا ينبغي التفرقة بين ما إذا كانت الشكوى أثناء المباراة أو بعد انتهائها:
- إذا كانت الشكوى موجهة ضد الحكم نفسه أثناء المباراة، فمن الصعب عمليًا أن يحقق الحكم في اتهام موجه إليه، ويُثبت ما حدث في تقرير المباراة، كما قد يقوم مراقب المباراة أو مندوب الاتحاد بتدوين الواقعة أيضًا إذا شهدها.
- أما إذا قُدمت الشكوى بعد انتهاء المباراة:
- فينبغي أن يتقدم الاتحاد الوطني أو النادي أو الشخص المتضرر بشكوى رسمية.
- وتُحال الشكوى إلى اللجنة المختصة بالانضباط أو لجنة الأخلاقيات في الاتحاد المنظم للبطولة، سواء كان الاتحاد الدولي (FIFA)، أو الاتحاد القاري، أو الاتحاد المحلي، بحسب البطولة.
ثانيًا: التحقيق
تتولى اللجنة المختصة التحقيق من خلال:
- مراجعة تسجيلات الفيديو.
- سماع أقوال المدرب والحكم والشهود.
- مراجعة تقرير الحكم، وتقرير مراقب المباراة، وأي أدلة أخرى.
- ثم تصدر اللجنة قرارها بصورة مستقلة.
ماذا يحدث بعد فتح تحقيق في واقعة عنصرية داخل مباراة كرة القدم؟
بعد انتهاء التحقيق، تنظر اللجنة التأديبية المختصة في الأدلة، مثل تسجيلات المباراة، وتقارير الحكام ومراقب المباراة، وأقوال الأطراف والشهود، ثم تصدر قرارها وفقًا لما تسفر عنه التحقيقات.
فإذا ثبتت واقعة العنصرية، فقد تُوقع واحدة أو أكثر من العقوبات التالية، بحسب جسامة المخالفة:
- إيقاف اللاعب أو المدرب أو المسؤول المخالف.
- توقيع غرامة مالية.
- معاقبة النادي أو الاتحاد إذا كانت الإساءة صادرة عن جماهيره، وقد تشمل العقوبات إقامة مباريات دون جمهور، أو غلق المدرجات، أو غير ذلك من الجزاءات المنصوص عليها في اللوائح.
- وإذا كان المتهم هو الحكم، وثبت ارتكابه سلوكًا عنصريًا، فقد يتعرض للإيقاف أو الاستبعاد من إدارة المباريات، مع اتخاذ الإجراءات التأديبية بحقه.
أما إذا لم تثبت الواقعة، فلا تُفرض عقوبة على الشخص الذي أبلغ عنها لمجرد تقديمه البلاغ، طالما كان ذلك بحسن نية. أما إذا ثبت أن البلاغ كان كيديًا أو قائمًا على ادعاءات يعلم مقدمها عدم صحتها، فقد يخضع هو الآخر للمساءلة التأديبية وفقًا للوائح المعمول بها.
وفي جميع الأحوال، فإن توقيع العقوبات ليس من اختصاص الحكم الذي أدار المباراة، وإنما هو من اختصاص اللجان التأديبية المستقلة التابعة للاتحاد المنظم للمسابقة، وذلك ضمانًا للحياد وتحقيقًا لمبادئ العدالة الرياضية.