
محكمة الجيب
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
لماذا يشعر المواطن بأمان أكبر حين يمسك هاتفه من أن يمسك حكما قضائيا؟ لماذا لا تحتاج بعض المجتمعات إلى تصوير حقوقها لتستردها بينما نحتاج نحن إلى توثيقها قبل أن نصدق أنها سترد إلينا؟ وهل تحول صفحة وزارة الداخلية إلى أرشيف يومي للجرائم إنجاز أمني أم اعتراف صامت بأن الطريق الرسمي إلى العدالة بات أطول من صبر الناس؟! هذه الأسئلة أتت متلبسة بثوب حديث عابر مع صديق يعمل في (السياحة) لكنها بقيت تتردد في ذهني طوال الطريق. ففي تاريخ القانون الجنائي كانت لحظة الجريمة لحظة (مغلقة) بطبيعتها تقع بين الجاني والمجني عليه ثم تنتقل إلى رحم التحقيق فلا يعرف الناس عنها إلا بقدر ما تسمح به السلطة القائمة على الدعوى وفي الوقت الذي تختاره أما اليوم فقد انقلبت هذه المعادلة الجريمة تصور تنشر تتحول إلى محتوى يستهلك قبل أن يحاكم في قاعة محكمة وهذا بالضبط ما لاحظه صديقي دون أن يقصد حين قال إن (ثقة صاحب الحق) في دول أخرى هي ما يجعل الناس أكثر انضباطا وأقل تهورا مستحضرا أمثلة من حوادث السير هناك والحقيقة أن في هذه العبارة البسيطة مفتاحا لفهم ظاهرة بأكملها.
فلنبدأ من السؤال الأول لماذا يحتاج بعضنا إلى الكاميرا وتأمين وبعضهم لا يحتاج إليها؟ الجواب يكمن في تمييز جوهري يعرفه كل من اشتغل بالقانون الجنائي المقارن بين الردع العام الذي يقوم على ثقة الفرد بأن القاعدة القانونية ستطبق فعليا من ضبط إلى تحقيق إلى محاكمة إلى تنفيذ دون حاجة إلى تدخله الشخصي وبين الإشهار العقابي الذي يلجأ إليه المجتمع كآلية تعويضية حين تتعطل الآلية الأولى وحين تتحول صفحة وزارة الداخلية إلى منبر يومي لعرض اللصوص ومرتكبي حوادث السير فإننا لسنا أمام دولة تطمئن مواطنها بأن القانون سيأخذ مجراه بل أمام دولة تقدم له العرض كتعويض رمزي عن غياب يقينه بأن القانون سيأخذ مجراه فعلا وهذا ما يسميه علماء الإجرام الانتقادي (العدالة الاستعراضية) حين تفقد المؤسسة الثقة بقدرتها على إنتاج شعور بالأمان من خلال الإجراء البطيء والمعقد فتستبدله بشعور فوري تصنعه الصورة.
وهذا يقودنا إلى السؤال الثاني الذي طرحته بنفسي وأنا أستمع لصديقي ما الذي يجعل سائقا في بلد آخر يتصرف بانضباط في لحظة حادث مروري دون أن يسارع لتصويرها أولا؟! الجواب ليس في طبيعته الأخلاقية بل في ثقته بالنتيجة الإجرائية المتوقعة يعرف أن شركة التأمين ستعوضه وأن تقرير الشرطة سيحرر بحياد وأن القضاء إن وصلت القضية إليه سيحكم وفق قواعد إثبات واضحة ومستقرة لا وفق من صرخ أعلى أو نشر أولا هذا هو جوهر ما يسمى في القانون المقارن (اليقين القانوني) وهو أحد أهم مكونات سيادة القانون لا يكفي أن يكون القانون موجودا بل يجب أن يكون متوقعا ومتناسقا وقابلا للتنفيذ في إطار زمني معقول وحين يغيب أحد هذه الأركان يبحث الناس عن آلية تعويضية تمنحهم شعورا بأن حقهم لن يضيع فيكون التصوير والنشر (تأمينا بديلا) يصنعه المجتمع لنفسه حين تتعطل آلية التأمين الرسمية وهذا بالضبط ما يحدث في سياقات تشكو من تكدس قضائي وطول أمد التقاضي وتفاوت في تطبيق السلطة التقديرية من ضابط إلى آخر حيث يطور المواطن بفطرته القانونية الشعبية معادلة موازية توثيق ذاتي زائد ضغط رأي عام يساوي ضمانة استرجاع الحق وهنا يصبح النشر أداة إثبات بديلة والتعليقات أداة ضغط بديلة والتريند أداة تنفيذ بديلة!
لكن هذه المعادلة وإن بدت عملية وفعالة على السطح تحمل في جوفها خطرين متلازمين لا يجوز السكوت عنهما أولهما ما يعرف فقهيا بـ (الإعدام الإعلامي) حين يكفي أن ينشر مقطع مصور من زاوية واحدة منزوع السياق حتى يتحول المتهم الذي لم تثبت إدانته بعد إلى مجرم في الوعي الجماعي بينما القاضي لا يزال يدرس الملف وهو ما يقوض أحد أقدس مبادئ القانون الجنائي ((قرينة البراءة)) وثانيهما خلط الردع بالانتقام فحين يشعر الناس أن النشر هو ما يحرك الجهات الرسمية أسرع من الشكوى الرسمية فإننا أمام انهيار خطير في مبدأ الفصل بين السلطات الإجرائية لم تعد الشرطة تتحرك بمقتضى واجبها القانوني المجرد بل بمقتضى (ضغط جماهيري) متقلب المزاج يدان فيه المرء بسرعة انتشار المنشور لا بقوة الدليل.
وإذا عدنا إلى السؤال الذي بدأنا به لماذا تبدو بعض المجتمعات أكثر انضباطا نجد جوابا أعمق في مفهوم صاغه روبرت بوتنام وفرانسيس فوكوياما وهو (رأس المال الاجتماعي) مجموع الثقة المتبادلة بين الأفراد والمؤسسات التي تسمح للمجتمع بالعمل دون حاجة دائمة للرقابة المتبادلة فالمجتمعات التي وصفها صديقي بالأكثر انضباطا ليست بالضرورة أكثر تهذيبا بطبعها. فهل الحل إذن هو إغلاق الكاميرا ومنع التصوير! كما يحلو لبعض الأصوات أن تطرح هذا علاج للأعراض دون الجذر بل هو إسكات لصرخة احتياج حقيقي لا معالجة له العلاج الفعلي يكمن في إعادة بناء اليقين الإجرائي نفسه في تقليص زمن العدالة فالعدالة المتأخرة كما يقال في الفقه الأنجلوسكسوني هي (إنكار للعدالة) وفي تثبيت معايير موضوعية للإثبات لا تتأثر بمن صرخ أعلى أو نشر أولا وفي تفعيل الشفافية المؤسسية الرسمية بما يغني المواطن عن الحاجة إلى توثيقه الفردي كآلية ضغط وفي التمييز الواضح إجراء وخطاب بين العدالة الإجرائية والعرض الإعلامي بحيث لا تكون الصفحة الرسمية للأمن بديلا عن النيابة العامة والمحكمة بل أداة توعوية مكملة لا أداة إثبات أو ردع استعراضي.
أعمق ما في حديث صديقي أنه لمس دون أن يقصد حقيقة يعرفها كل من اشتغل بالقانون الجنائي عمليا القانون المكتوب لا يصنع الانضباط بل الثقة في تطبيقه هي التي تصنعه وحين تغيب هذه الثقة يبتكر الناس عدالتهم الخاصة بالكاميرا والمنشور والتعليق فتتحول هواتفنا إلى محاكم صغيرة تصدر أحكامها في ثوان أسرع من أي قاض وأخطر من أي قاض أيضا لأنها عدالة سريعة هشة انتقامية أحيانا وظالمة لمن لم يحاكم بعد أما المجتمعات التي (تتصرف بانضباط) كما وصفها صديقي فليست أكثر تهذيبا منا فطرة بل هي فقط لا تحتاج لأن تذكر نفسها يوميا عبر شاشة هاتفها بأن حقها سيسترد لأنها تعرف ذلك أصلا وتلك في النهاية هي المسافة الحقيقية بين أن تصور العدالة وأن تمارس. والله من وراء القصد.