التفسير القانوني للقرآن الكريم.. “وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا”

مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر ـ أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة- المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي

مقدمة

يقول الله تعالى على لسان إخوة نبي الله يوسف عليه السلام: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (سورة يوسف: الآية 82). وفي تفسير قولهم وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ، ورد في تفسير القرطبي أن فيها قولين: الأول، أي أهلها؛ فحذف؛ ويريدون بالقرية مصر. وقيل: قرية من قراها نزلوا بها وامتاروا منها. وقيل المعنى واسأل القرية، وإن كانت جماداً، فأنت نبي الله، وهو ينطق الجماد لك؛ وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار؛ قال سيبويه: ولا يجوز كلم هندا وأنت تريد غلام هند؛ لأن هذا يشكل. والقول في العير كالقول في القرية سواء.

 

وفي تفسير الطبري، يذكر إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري قول جعفر في تأويل هذه الآية حيث يرى أن المراد بلفظ «القرية» هو مصر، والمراد بسؤال القرية هو سؤال من فيها من أهلها، وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا، وهي القافلة التي كنا فيها، التي أقبلنا منها معها. ويضيف الإمام الطبري: وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا، وهي مصر. حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا قال: يعنون مصر. حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قد عرف رُوبيل في رَجْع قوله لإخوته، أنهم أهلُ تُهمةٍ عند أبيهم، لما كانوا صنعوا في يوسف. وقولهم له: اسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا، فقد علموا ما علمنا وشهدوا ما شهدنا، إن كنت لا تصدقنا.

 

ولنا في هذا الشأن ملاحظات أربع، ينبغي التوقف عندها بالتدبر والتفكر وإمعان النظر، توصلاً إلى إبداء الرأي في شأن الموضوع الذي نحن بصدده؛ وأولى هذه الملاحظات، يتعلق بالسائل. وثانيتها تتعلق بمن يتجه إليه السؤال. وثالثتها تتعلق بالواقعة موضوع السؤال. وتتعلق الملاحظة الرابعة والأخيرة بمدى ذيوع الواقعة في المجتمع. وسنخصص للحديث عن كل ملاحظة من الملاحظات الأربع سالفة الذكر مطلباً منفصلاً، وذلك على النحو التالي:

المطلب الأول: ذاتية الواقعة محل السؤال.

المطلب الثاني: ذاتية السائل.

المطلب الثالث: ذاتية المسؤول.

المطلب الرابع: مدى ذيوع الواقعة في المجتمع.

 

المطلب الأول

ذاتية الواقعة محل السؤال

 

للوقوف على التأويل السليم لقوله تعالى وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا، وحتى تتضح الصورة بشكل أكبر أمام ناظرينا، ونحن نتدبر هذه الآيات المباركات، يجب ألا تغيب عن أذهاننا الواقعة موضوع السؤال. وقد ورد ذكر قصة هذه الواقعة كاملة في الآيات من 70 إلى 82 من سورة يوسف، حيث يقول المولى عز وجل: فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ  قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ  قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ  قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ  قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ  قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ  فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ  ۞ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ  قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ  قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ  فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ  ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ  وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ.

 

فالأمر يتعلق إذن بجريمة. وقد حدثت هذه الجريمة في أحد الدواوين الحكومية، حيث كان يجري توزيع وبيع الطعام بواسطة الدولة نفسها، ضماناً لتحقيق الأمن الغذائي في سني المجاعة. فلا يجوز أن ننسى في هذا الشأن أن نبي الله يوسف كان قد طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض. ويذكر المفسرون في هذا الصدد أنه كان للملك خزائن كثيرة غير الطعام قال: فأسلم سلطانه كُلَّه إليه، وجعل القضاء إليه، أمرُه وقضاؤه نافذٌ. ويمكن تشبيه هذا الوضع بما يتم في المجتمعات الحديثة في أوقات الأزمات والطوارئ، حيث تتولى الدولة بنفسها في بعض الأزمات توزيع الطعام ضماناً لوصوله إلى فئات المجتمع كافة، ومنعاً للاحتكار والاستغلال من التجار. ولا يجوز أن يغيب عن الذهن أيضاً أن المسروق أو محل الجريمة هو صواع الملك. وقد وردت الإشارة إلى هذا المسروق بلفظ «السقاية» تارة وبلفظ «الصواع» تارة أخرى. ويذكر المفسرون في هذا الشأن أن «الصواع» و«السقاية»، سواء، وهو الإناء الذي يشرب فيه. وهذا الصواع قد ورد ذكره منسوباً للملك، وكان يوسف يشرب فيه. وقد ذكر بعض المفسرون أن هذا الإناء كان من الذهب، بينما يذكر آخرون أنه كان من الفضة. وهكذا، يبدو سائغاً أن الأمر يتعلق بجريمة واقعة على المال العام، ويقع مسرح ارتكابها ضمن نطاق أداء الوظيفة الحكومية. ومن ثم، يغدو من الطبيعي لمن أراد التحقق من شأن هذه الجريمة أن يتجه بالسؤال إلى أجهزة الدولة نفسها، باعتبارهم الممثلين لها والمختصين بالتعبير عن إرادتها. ولعل من المناسب والمفيد أن نشير إلى تفسير البعض للفظ القرية بأن المراد بها مصر، وليس قرية من قراها. ولا يجوز أن يغيب عن الذهن في هذا الصدد أيضاً أن النظام القانوني والإداري في مصر القديمة قد بلغ في هذه الفترة مبلغاً كبيراً من التقدم والتنظيم. وللتدليل على ذلك، يكفي أن نشير إلى قوله تعالى قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ. وفي نظام كهذا، يغدو من الطبيعي أن يتجه من أراد التحقق من الجريمة بسؤالهم إلى أجهزة الدولة ذاتها، وليس إلى أفراد الشعب. فلا يتصور أن يكون لدى كل فرد من أفراد المجتمع علم بكل جريمة وقعت فيه.

 

المطلب الثاني

ذاتية السائل

 

السائل المفترض في الواقعة التي نحن بصددها هو نبي الله يعقوب عليه السلام. وقد وصفه أبناؤه، قائلين: شَيْخًا كَبِيرًا. هذا من حيث السن والعمر. أما من حيث الصحة، فقد كان قد بلغ مبلغاً كبيراً من الضعف والهوان، بعدما فقد ابنه يوسف عليه السلام. وقد ورد ذكر هذه الحالة في قوله تعالى: وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ  قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ  قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (سورة يوسف: الآيات 84- 86). فإذا تصورنا شخصاً على هذا النحو، فلا يعقل أن يتصور أن يذهب إلى بلد آخر لسؤال أهلها عن جريمة وقعت فيها. وكل ما يتصور فعله في هذه الحالة هو أن يبعث برسالة إلى سلطات هذه الدولة للاستفسار عن جريمة ما وقعت فيها. ولعل إدراك أبناء يعقوب صعوبة هذا الأمر كذلك هو الذي دفعهم إلى إضافة وسيلة أخرى للتحقق من الجريمة، وهي سؤال العير التي أقبلوا فيها.

 

المطلب الثالث

ذاتية المسؤول

 

كما سبق أن رأينا، فإن اجماع المفسرين منعقد على أن المقصود بلفظ «القرية» هو مصر، أو قرية من قراها نزلوا بها وامتاروا منها، أي جلبوا الطعام منها.

 

والواقع أن مصر الفرعونية قد عرفت تنظيماً إدارياً بلغ حداً عظيماً من الدقة والإحكام. وعلى حد قول بعض الفقه، فإن التنظيم الإداري ومركزيته بالنسبة لمصر الفرعونية ليس مجرد أمر من أمور التنظيم الاجتماعي، وإنما هما ضرورة فرضتها الطبيعة على مصر وعلى المصريين، فأصبح الملك هو وحده من يباشر كافة السلطات، يعاونه في ذلك عدد من كبار الموظفين الموجودين في العاصمة حيث يقومون بإدارة دواوينهم أو إداراتهم المختلفة، والتي تتبعها بالضرورة دواوين أو إدارات أخرى متفرعة عنها في الأقاليم. ولقد فرضت طبيعة الأمور أن يكون للأقاليم حظاً في إدارة شؤونها الخاصة، والتي يستحيل على الإدارة المركزية أن تديرها بنفسها نظراً للطبيعة المحلية أو الإقليمية لهذه الشؤون، بحيث يقف دور الإدارة المركزية عند حد تنظيم الشؤون العامة والمشتركة في الدولة كلها، بينما تقوم الوحدات المحلية في الأقاليم المختلفة بإدارة شؤونها الخاصة. ومن ثم، يذهب بعض الباحثين إلى القول إن الإدارة المصرية القديمة قد عرفت منذ القدم التمييز بين نوعي الإدارة؛ الإدارة المركزية والإدارة المحلية (يراجع في هذا الشأن: د. محمد علي الصافوري، القانون المصري القديم، دار النهضة العربية، القاهرة، سنة 1993 – 1994م، ص 126؛ أحمد فتحي محمد إبراهيم، الموظف العام في الحضارة المصرية القديمة، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، تصدر عن كلية الحقوق بجامعة المنوفية، المجلد 61، العدد الثاني، مايو 2025م، الجزء الثاني، ص 176).

 

وما دمنا نتحدث عن تنظيم إداري بهذا القدر من التنظيم والدقة، يغدو من المستساغ أن يتم سؤال موظفي الدواوين الحكومية عن بعض الأمور، ولاسيما إذا كانت هذه الأمور مما تشكل جريمة، بحيث يتصور أن تكون مدونة في السجلات الحكومية.

 

وما دمنا نتحدث عن تنظيم إداري على هذا النحو غير المسبوق في التاريخ، يغدو من الطبيعي والمنطقي أيضاً أن ينصرف الذهن إلى تصور مماثل لفكرة الأشخاص المعنوية على النحو المقرر في القوانين الحديثة. فإذا كانت القيمة الاجتماعية للكائن هي مناط اعتراف القانون له بالشخصية، وكان من البادي ثبوت هذه القيمة للإنسان باعتباره الغاية من وجود الجماعة والقانون والحقوق، فليس معنى ذلك انحصار هذه القيمة في الإنسان وحده وتخلفها بالضرورة عند غيره. إذ ليس ثمة ما يحول دون الاعتراف بالشخصية القانونية لغير الإنسان من الكائنات، ما دامت تتوافر له مثل هذه القيمة الاجتماعية، بحيث يصلح مركزاً للحقوق والالتزامات، مما يحتم إسنادها ونسبتها إليه باعتباره صاحبها. وهذه الأشخاص المعنوية، وعلى رأسها الدولة، لها أشخاص يمثلونها ويعبرون عن إرادتها، ويجوز بالتالي سؤالهم أي واقعة تتعلق بمجال أنشطة الدولة.

 

المطلب الرابع

مدى ذيوع الواقعة في المجتمع

 

شيوع وذيوع واقعة ما بين الناس يتوقف على شخصية أطرافها، وما إذا كانوا من ذوي الشأن في المجتمع أم أشخاصاً عاديين. ولزيادة الأمر وضوحاً وبياناً في هذا الشأن، يكفي أن نشير إلى واقعة أخرى حدثت في قصة نبي الله يوسف عليه السلام، حيث يقول المولى عز وجل: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ  وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ  وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ  وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ  فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ  يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ  ۞ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (سورة يوسف: الآيات 23- 30). وهكذا، فقد ذاع أمر الجريمة في المجتمع كله، وذلك على الرغم من وقوعها في مكان مغلق، حيث وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ. والدليل على ذيوع أمر هذه الجريمة في المجتمع وانتشار العلم بها لدى كثير من أفراده أن قَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. ويبدو ذلك مفهوماً بالنظر إلى تعلق الأمر بامرأة العزيز وشهرتها في المجتمع. خلافاً لذلك، لا يتصور أن يكون لواقعة السرقة التي اتهم فيها أحد إخوة سيدنا يوسف ذات القدر من الذيوع والشهرة.

 

ومنظوراً للأمور على هذا النحو، وإزاء تعذر العلم بالواقعة على نطاق واسع، فإن السؤال عنها إما أن يتجه إلى شهود الواقعة، وإما أن يتجه إلى سلطات الدولة ذاتها. وعلى حد قول الفقه القانوني والقضاء الحديث، فإن الأصل في الشهادة أن تكون مباشرة، فيقول الشاهد ما رآه ببصره عن الواقعة المراد إثباتها، أو سمعه أو شمه أو ما يدركه على وجه العموم من خلال إحدى حواسه (نقض 15 يونية سنة 1974، مجموعة الأحكام، س 15، رقم 98، ص 493؛ نقض 2 إبريل سنة 1979، س 30، رقم 90، ص 426؛ نقض 5 مارس سنة 1987، س 38، رقم 60، ص 387؛ نقض 9 نوفمبر سنة 1988، س 39، رقم 155، ص 1026؛ نقض 23 نوفمبر سنة 1989، س 40، رقم 169، ص 1048؛ نقض 21 ديسمبر سنة 1989، س 40، رقم 207، ص 1289؛ نقض 2 يوليه سنة 1997، الطعن رقم 9240 لسنة 65 ق، س 48، ص 727). وعلى هذا النحو، تعد هذه الشهادة دليلاً مباشراً لأنها تنصب على الواقعة مباشرة، فلا عبرة بما يرويه الشخص من الآراء، أو المعتقدات أو الاستنتاجات أو التخمينات أو ترديد الأخبار، فكلها أمور لم يدركها مباشرة بالحواس عن الواقعة المراد إثباتها، فلا يجوز الخلط بين الشاهد الذي يروي ما أدركه حواسه مباشرة عن الواقعة المراد إثباتها والخبير الذي يوضح رأيه من الناحية الفنية البحتة أو الباحث العلمي أو المحلل السياسي الذي يبين وجهة نظره الشخصية.

 

والفقه القانوني الحديث مستقر على أن الشهادة السماعية تختلف عن الشهادة المباشرة بأنها لا تنصب عما يدركه الشاهد بنفسه من خلال أي من حواسه وإنما تنصب على رواية سمعها الشاهد بطريقة غير مباشرة نقلًا عن شخص آخر. فالشاهد هنا يشهد بما سمع رواية عن غيره، ومن ثم كانت شهادته سماعية. وابتداء، فإن هذه الشهادة السماعية لا تعد دليلاً مباشراً لأنها لا تنصب مباشرة على الواقعة من خلال ما أدركه الشاهد بنفسه بإحدى حواسه، وإنما هي شهادة منقولة عن شخص يفترض توافر هذا الإدراك لديه، فهي شهادة بما قاله الغير وليست شهادة بواقعة معينة، فهي على هذا النحو شهادة على الشهادة. وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن مثال الشهادة السماعية ما يصدر عن شاهد لم يكن معاصراً للواقعة ولم تنصب شهادته عليها بما يكون قد رآه أو سمعه بنفسه أو أدركه بحاسة من حواسه، فهي بذلك شهادة تسامعية لا تكفي بمجردها للأخذ بها باعتبارها دليلاً قاطعًا على الواقعة المراد إثباتها (نقض 2 يوليه سنة 1997، الطعن رقم 9240 لسنة 65 ق، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 48، ص 272). وهذه الشهادة غير مقبولة في الشريعة الإسلامية، عملاً بالحديث النبوي الشريف «إذا علمت مثل الشمس فاشهد، وإلا فدَع»، وهذه الشهادة بطبيعتها لا تكون محلاً للثقة إلا بقدر الثقة في الشاهد السمعي نفسه، وأن يكون الغير المنقولة عنه الرواية شخصاً معروفاً، وإلا أصبحت الشهادة بالتسامع وليست سماعية، فإذا كان الغير المنقولة عنه الرواية شخصاً مجهولاً أصبحت بمثابة شكوى من مجهول.

 

لهذا، اشترطت محكمة النقض المصرية في الشهادة السماعية التي يمكن للمحكمة الأخذ بها شرطان هما أن تكون الأقوال التي ينقلها الشاهد السمعي قد صدرت من الغير حقيقة، وأن تكون هذه الأقوال تمثل الواقع في الدعوى (نقض 15 فبراير سنة 2009، الطعن رقم 21666 لسنة 71 ق؛ نقض 15 إبريل سنة 2009، الطعن رقم 5841 لسنة 78 ق؛ نقض 17 يناير سنة 2010، الطعن رقم 558 لسنة 78 ق). ولا شك في أن الشرط الأول يتضمن هذا المعنى، وهو أن يكون الغير محدداً لا مجهولاً، لأن المجهول لا يمكن التأكد مما ينسب صدوره عنه من أقواله. وتطبيقاً لهذا الشرط، تقول محكمة النقض المصرية في أحد أحكامها: «وحيث إن شهادة … غير منتجة في الدعوى لأنه ناقل عن شخص مجهول لم تسمعه المحكمة، فلا يجوز لها أن تؤسس حكمها على رواية شخص مجهول ولا على أقوال من نقل عنه» (نقض 24 فبراير سنة 1936، مجموعة القواعد القانونية، ﺠ 3، رقم 444، ص 550؛ نقض أول يناير سنة 2014، الطعن رقم 10523 لسنة 82 ق). كما أن الشرط الثاني يتطلب أن تكون هذه الأقوال مدعمة لواقع تم إثباته، ومن ثم لا تكون هي الأساس في هذا الإثبات.

 

وعلى هذا الأساس، فإن حظ هذا النوع من الشهادة في ثقة القضاء ضئيل ولا يمكن اتخاذه وحده دليلاً كافيًا في الإثبات.

 

وتختلف «الشهادة السماعية» عن «الشهادة بالتسامع»، وهي الشهادة بما يتناقله الناس ويتنامى إلى أسماعهم مما يعد من الشائعات التي يرددها الناس دون التأكد من صحتها، فهي شهادة بما يشيعه الناس عن الواقعة لا عن الواقعة ذاتها المراد إثباتها. ومن ثم لا تصلح هذه الشهادة دليلاً في الدعوى، فهي شهادة بالشائعة وليست شهادة بالواقعة. ولذلك، ذهبت محكمة النقض المصرية إلى أن الشهادة التي ترجع إلى التسامع والشهرة لا عقاب على الكذب فيها (نقض 12 فبراير سنة 1940، الطعن رقم 193 لسنة 10 ق). وفي حكم آخر، قضت محكمة النقض المصرية بأنه لا عقاب على الكذب الذي يصدر من الشاهد بالتسامع (نقض 2 يونية سنة 1959، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 10، رقم 135، ص 612).

 

وقد عني قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي بتحديد معنى الشهادة، فنص في الفقرة الأخيرة من المادة 331 على أن الشهود يشهدون فقط حول الوقائع المنسوبة إلى المتهم، وحول شخصيته وحول أخلاقياته. ولهذا قضت محكمة النقض الفرنسية أنه يجوز لرئيس المحكمة بعد أن يؤدي الشاهد اليمين ألا يتركه مستمراً في الإدلاء بشهادته، بعد أن يقول الشاهد إنه ليس في حالة تمكنه من الشهادة حول الوقائع المنسوبة إلى المتهم أو حول شخصيته أو حول أخلاقياته (Cass. Crim, 31 janv. 1979, Bull. n° 16).

 

لكل ما سبق، نرى أن المراد بسؤال القرية هو سؤال الأشخاص الطبيعيين الممثلين للدولة المصرية القديمة، وليس سؤال أهل قرية ما أو سؤال أي فرد من أفراد المجتمع. والسؤال هنا موجه إلى الشخص الطبيعي بصفته، باعتباره ممثلاً للشخص المعنوي ومتصرفاً باسمه ولحسابه ومعبراً عن إرادته، وليس بشخصه وذاته. وما دام السؤال موجهاً إلى الشخص الطبيعي بصفته وليس بشخصه وذاته، فهو في الحقيقة والواقع موجه إلى الشخص المعنوي ذاته. وهكذا، جاء التعبير القرآني بسؤال القرية معجزاً.

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى