
دور قاضي التحضير في الوساطة كوسيلة لتسوية المنازعات بقانون إنشاء المحاكم الاقتصادية
بقلم الدكتور/ محمد طرفاوى محمد المحامى
تُعد العلاقة بين القضاء والاستثمار وطيدة ويرتبط أحدهما بالآخر ارتباط السبب بالمسبب، فكلاهما مرآة للآخر، ولم تَكُن مصر في معزل عن إدراك هذه العلاقة، (د/حسني إبراهيم حسن – تطوير منظومة المحاكم الاقتصادية في مصر وجذب الاستثمارات الأجنبية – بحث مقدم لمؤتمرالأبعاد القانونية والاقتصادية لمنظومة التقاضي في القرن الحادي والعشرين- ومنشور بمجلة البحوث القانونية والاقتصادية – صفحة 609 وما بعدها) فحاول المشرع المصري تهيئة بيئة تشريعية وقضائية جاذبة للاستثمار، من خلال توفير آليات تضمن سرعة الفصل في النزاعات التجارية والاقتصادية وتحقيق العدالة الناجزة.
فجاء قانون المحكمة الاقتصادية الصادر بموجب القانون رقم 120 لسنة 2008 الذي كان محاولة لكسب ثقة المستثمرين وذلك من خلال توفير نظام قضائي شامل وكامل وسريع للابتعاد عن عيوب نظر الدعاوى المعتادة من بطء التقاضي وصعوبة إجراءات التنفيذ، وقد ورد في المذكرة الايضاحية لمشروع قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية أنه ” يقوم علي عدة محاور هي إنشاء قضاء متخصص تحت مسمي ” المحاكم الاقتصادية ” وتنظيم القضاء المستعجل وقضاء الامور الوقئية وأوامر الأداء في نطاق المحاكم الاقتصادية وبيان اختصاص هذه المحاكم وتطبيق نظام التحضير والصلح وتجهيز المحاكم بأعداد وفيرة من الخبراء وتنظيم الطعن في الأحكام.
لقد أصبح اللجوء للوسائل البديلة لحل النزاعات في الوقت الحاضر من أهم الوسائل التي تساعد على حذب الاستثمار، لكون تلك الوسائل تساعد على إنهاء النزاعات بطريقة سريعة، وبناء عليه ظهرت الوسائل البديلة لتسوية المنازعات مثل التحكيم والتفاوض والمساعي الحمديدة والتوفيق والوساطة؛ اهتمت الأمم المتحدة بالوساطة كطريق لتسوية المنازعات لكونها من أسرع وأفضل الطرق لإنهاء المنازعات، وكنتيجة لذلك صدر القانون النموذجي لقواعد الوساطة سنة 2018 وحث الدول على تشريع الوساطة كوسيلة لتسوية المنازعات لتشجيع الاستثمار؛ قامت بعض الدول العربية بوضع تشريع مستقل للوساطة في إطار تشجيع الاستثمار، منها دولة الأردن وقد صدر فيها القانون رقم 12 لسنة 2006 ودولة الإمارات العربية المتحدة وقد صدر فيها القانون رقم 17 لسنة 2016 والمعدل بالقانون رقم 5 لسنة 2021 وكذلك دولة قطر والتي أصدرت القانون رقم 20 لسنة 2021 .(انظر مقالنا المنشور بالموقع الرسمي لنقابة المحامين المصرية بتاريح 4 مارس 2022- الوساطة كوسيلة لتسوية المنازعات)
نتية لما سبق أراد المشرع المصري أن يواكب التطور في استخدام الوسائل البديلة لتسوية المنازعات، فأقدم على تعديل قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية بموجب القانون رقم 146 لسنة 2019، وفيه أضاف دوراً هاماً ومحورياً لقاضي التحضير وهو الوساطة لتسوية المنازعات بين الخصوم دون إحالة النزاع للقضاء، فجاء نص المادة (8) بعد التعديل على أنه” تنشأ بكل محكمة اقتصادية هيئة تسمى (هيئة التحضير والوساطة) يشار إليها في هذا القانون بالهيئة، وتتولي التحضير والوساطة في الدعاوى التي تختص بها هذه المحكمة وذلك فيما عدا الدعاوى الجنائية والدعاوى المستأنفة والدعاوى والأوامر المنصوص عليها في المادتين 3، 7 من هذا القانون وكذلك الدعاوى المحالة إليها من المحاكم الأخري للاختصاص النوعي.
وتشكل الهيئة برئاسة قاضٍ من بين قضاة الدوائر الاستئنافية بالمحكمة الاقتصادية يشار إليه في مواد هذا القانون برئيس الهيئة وعضوية عدد كافٍ من قضاتها بدرجة رئيس محكمة بالمحاكم الابتدائية على الأقل يُشار إليهم في مواد هذا القانون بقاضي التحضير تختارهم جمعيتها العامة في بداية كل عام قضائي ويلحق بالهيئة العدد اللازم في الإداريين والكتبة ولها أن تستعين بمن ترى من الخبراء والمتخصصين المقيدين في الجداول التي تعد لهذا الغرض بوزارة العدل.”
ومؤدي النص بعد التعديل أن المشرع قد أضاف وظيفة إضافية لهيئة التحضير وهي العمل على الوساطة بين الخصوم لمحاولة تسوية النزاع، وعرض الوساطة والسعي فيها لمحاولة تسوية النزاع دون اللجوء إلى المحكمة، ونظم المشرع لذلك إجراءات خاصة جاءت فيما بعد فأضاف بالمادة سالفة الذكر أحكاماً تنظم عمل الوساطة بهيئة التحضير من المادة 8 مكرر حتى 8 مكرر ز.
فنظم في المادة 8 مكرر دور القاضي في السعي للوساطة لتسوية النزاع، ووضج في المادة 8 مكرر ج طريقة الوساطة بأن يعرض قاضي التحضير الوساطة على الخصوم فإن وجد منهم ميلاً أو قبولاً تولى بنفسه الوساطة وعقد جلسات متعددة لذلك خلال ثلاثون يوماً يجوز مدها لمدة مماثلة، وحدد أنه في حال التوصل لحل للنزاع يقوم قاضي التحضير بتحرير محضر تسوية ويعرض على رئيس الهيئة للتصديق، وإمعاناً في أهمية الوساطة كوسيلة لتسوية المنازعات حرص المشرع على أهمية المخرج النهائي منها، فقرر في المادة السابقة ذاتها أنه بمجرد اعتماد رئيس الهيئة والتصديق على محضر الوساطة المحرر بمعرفة قاضي التحضير تكون له قوة السند التنفيذي وهو تشجيع للخصوم للسير في هذا الإجراء لتسوية النزاع بسرعة وسهولة.
ولم يكتفِ المشرع بذلك بل منح الخصوم فصة أخري لتسوية النزاع بطريق الوساطة عن طريق قاضي التحضير بأن أورد بنص المادة 8 مكرر د أنه للمحكمة في أية حالة كانت عليها الدعوى أن توقف نظرها وتحيلها مرة أخري إلى الهيئة لمحاولة الصلح وتحدد أجلاً لذلك لا يجاوز ثلاثين يوماً يجوز مدها لمرة أخري، وفي هذه الحالة يباشر قاضي التحضير التسوية فإن توصل إليها حرر محضر أُلحق بمحضر الجلسة وتمتع بقوة السند التنفيذي وإن فشل يحرر مذكرة بذلك ويعيد النزاع للمحكمة لاستكمال نظره.
وجاء المشرع المصري مؤكداً توجهاً عاماً نحو الوسائل البديلة لتسوية المنازعات، فأورد بالمادة 8 مكرر ه أنه يجوز للأطراف طلب تسوية النزاع دون أن يقيم دعوى وذلك بطلب يقدم برئيس الهيئة مباشرة ويسدد رسمه للوساطة وتسوية النزاع؛ ويباشر قاضي التحضير الوساطة وعند إبرام اتفاق تسوية يتم عرضه طبقاً للمقرر بالمادة 8 مكرر ج على رئيس الهيئة ويمنح قوة السند التنفيذي وذلك إمعاناً للأهمية القصوي التي أولاها للمشرع لهذا الطريق، وهو اتجاه محمود للمشرع المصري.
وجاء نص المادة 8 مكرر ز ليؤكد قاعدة هامة من قواعد الأمم المتحدة للوساطة وهي عدم مقبولية الدليل أو عدم جواز تصدي الوسيط لنظر النزاع كقاضي فقرر عدم أحقية قاضي التحضير في تحضير الدعوى عند مباشرته لأي إجراءات وساطة فيها.
وبمطالعة تلك النصوص نجد أن الوساطة المقررة بموجب قانون المحكمة الاقتصادية متعددة المصادر فمنها القضائي ومنها الاتفاقي، حيث تتعدد وتتنوع أنواع الوساطة كوسيلة لتسوية المنازعات فهناك وساطة قضائية يَسنِد فيها أطراف النزاع مهمة الوساطة لعنصر قضائي يحاول مساعدة الأطراف المتنازعة للوصول لحل النزاع، وهناك وساطة اتفاقية يَسنِد فيها أطراف النزاع تلك المهمة لأحد الأسخاص ويجب أن توافر فيه شروط محددة، وهناك وساطة نص عليها القانون يلتزم بها الأطراف قبل اللجوء للقاضي الطبيعي وهي وساطة إلزامية نص عليها القانون ورتب أثراً بعدم قبول الدعوى حال عدم اللجوء إليها.
فعندما نص المشرع على دور القاضي في الوساطة بموجب نص المادة 8 مكرر ج اعتمد نظام الوساطة القضائية، فيما اعتمد نظام الوساطة الاتفاقية في فيما ورد بنص المادة 8 مكرر ز ومع هذا التعدد التنوع في المصادر أراد المشرع أن يضع ما يشبه وسائل تسليط الضوء على فكرة قرر الاعتماد عليها مستقبلاً؛ لما لها من أثر شديد في جذب رؤوس الأموال الأجنبية لمصر، ودور قانون المحكمة الاقتصادية في المساعدة مع التشريعات الجاذبة للاستثمار في فرض مصر كقوة اقتصادية، ومصدر آمن للاستثمار.
ورغم حداثة النصوص إلا أن الأمل الناتج عنها في عمل منظومة التقاضي، وما يتبعها من تطورات في طريقة العمل الإجرائي أمام المحاكم، وهو ما يتيح الفرصة لتفعيل نظم آلية لتسوية المنازعات بطريقة أمنه وسريعة ويتدخل فيها القاضي بدور فعال يساعد على تنمية العمل القضائي وتطوره بشكل ملحوظ.
وفي الاخير نحاول بهذا المقال أن نسلط الضوء على فكرة تسوية المنازعات بالوسائل البديلة ونوصي المشرع بالتوسع في الفكرة، كما وردت في قانون المحاكم الاقتصادية وقانون الإفلاس، أن تعمم على المجالات الاخري وصولاً لقانون موحد ينظم عمل الوسائل البديلة لتسوية المنازعات مراعياً قواعد الأمم المتحدة (اليونيسترال) ومسترشداً بها لتطور العمل القضائي ونظم تسوية المنازعات، وكذلك العمل على جذب استثمارات أجنبية تساعد في تطوير الاقتصاد المصري.