
ومضة قانون ( ١٣٢ ) : ” قِرَاْءَةٌ فِيْ القَانُون رقْم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨ ”
بقلم/ أحمد خميس غلوش المحامى بالاستئناف
لو طالعنا فلسفات التّشريع .. من فترة ؛ لرأينا ميلاد قوانين سُنَّت .. لِخدمة مِصرنا الغالية ، ففي محرابِ الفضاءِ السّبراني مثلََا .. إذا قرأناه بعين العُمق القانوني ، ونظرنا بفلسفةٍ لرَحِمِهِ .. لتدلّى لنا قانون بحبلٍ سُرّيٍّ ولرأينا كيفيّة .. تماهي الحروفُ بالضوء، وإمكانية سريان الكلمةُ كالنبص في عروقِ الأليافِ الضوئية.
إنّه .. فجرٌ جديدٌ بنُورِه .. بَزغَ ، وهو : “قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018” كفعلٍ تنظيميٍّ دقيقٍ حازمٍ .. خُطَّ بمدادِ السيادةِ في الرابع عشر من أغسطس لعام 2018.
فهذا النصُّ التشريعيُّ .. كان سياجاً أخلاقياً وقانونياً يطوقُ جِماحَ الفوضَى في “شبكة المعلومات الدّوليّة “. فبينما كان العالمُ يغرقُ في سيولةِ المعلومات، جاء توقيعُ فخامة / رئيسِ الجمهورية عبد الفتاح السيسي ، ليضعَ حداً فاصلاً بين الحريةِ كقيمةٍ إنسانيةٍ عليا، وبين الانفلاتِ الذي يغتالُ الحقوقَ المدنية والسياسية.
لقد وُلد هذا القانونُ ليكونَ الميزانَ الذي يحكمُ حركةَ “أجهزة الاتّصالات” ويضبطُ إيقاعَ “المواقع الإلكترونيّة”، معلناً بدءَ سريانه في الخامس عشر من أغسطس من ذات العام، ليمسي حقيقةً واقعةً تُظللُ فضاءاتنا الرقمية، ويُعيد رسمَ الخارطةِ التشريعيةِ لعالمٍ كان يُظنُّ أنهُ عصيٌّ على الترويض.
في المادة الأولى وما يليها، لا يتعاملُ المشرعُ مع “أسلاكٍ” أو “ترددات”، بل يضعُ يدهُ على “حدودِ الوطنِ الجديدة”. إنَّ القانون هنا هو إعلانُ استقلالٍ رقمي، تُحولُ الفضاءَ الافتراضي من “تيهٍ” لا صاحبَ له إلى “حِمىً” مَصون. هنا تتماهى التقنيةُ بالسيادة، وتصبحُ أجهزةُ الاتصالات عهداً قويَّا بين الدولةِ والمواطن، خاضعةً لسلطانِ القانون صوناً للأمنِ القومي، وحمايةً للمجالِ الحيوي الرقمي من كلِّ اختراقٍ أو عبث.
وعلى ضفافِ “فيسبوك” و”تويتر”، حيثُ تتلاطمُ أمواجُ التّعبير، يرتفعُ هذا القانونُ كمنارةٍ تُحذّرُ من أيّة قرصنة . إنه يوضحُ بجلاءٍ أنَّ “حرية التعبير وتداول المعلومات” لا تعني استباحةَ الحرمات أو تهديدَ كيانِ المجتمع . إنَّه تكثيفٌ فلسفيٌّ لفكرةِ الحريةِ المسؤولة .. ووصفها فعل يحرسُهُ القانونُ لكي لا يتحولَ الضوءُ في الصحافةِ الرقمية ومنصات التواصل إلى نارٍ تحرقُ جسدَ المجتمع وتُكدّر السلم العام.
لقد أضحت “الصحافة” و”منصات التواصل” اليوم أمام مرآةِ الحقيقة القانونية؛ حيثُ لم يعد الفضاءُ الافتراضيُّ غابةً بلا أشجار، بل حديقةً مسيّجةً بنصوصٍ قانونية. تُعدُّ منصاتُ التواصلِ الاجتماعي مساحاتٍ عامةً ؛ ويُحظرُ استخدامُها في التحريضِ أو التزييفِ أو الاعتداءِ على القيمِ الأسرية. لقد أدركَ المشرعُ أنَّ خلفَ الشاشاتِ تكمنُ عواصفُ قد تقتلعُ الجذور، فجاءت نصوص القانون لتجعلَ من هذه المواقع بيئةً آمنة، تُصانُ فيها الكرامةُ الإنسانيةُ من طغيانِ التقنية.
أمّا عن “العقوبة” في فلسفة هذا القانون، فهي ليست انتقاماً، بل هي دواءٌ مُرٌّ يُرادُ بهِ استعادةُ عافيةِ المجتمع الرقمي. كلُّ من انتهجَ سلوكاً إجرامياً معلوماتياً، أو استغلَّ تقنيةً للنيلِ من أمنِ البلادِ أو أفرادها .. يُجابهُ بعقوباتٍ رادعة تُعيدُ للعدالةِ هيبتَها. إنها “فعلُ استرداد” للحقوقِ التي سُلبت في الظلامِ الرقمي، مدعوماً بـ “لائحةٍ تنفيذية” ترسمُ ملامحَ الطريق، وتحيلُ المطلقَ إلى نسبيٍّ محكومٍ بضوابطِ العدالة.
ختامََا، يمكن القول إنَّ القانون 175 هو قصيدةُ موزونة عموديّة في زمنِ الحداثة الرّقمية. إنه عقدٌ اجتماعيٌّ جديدٌ يُعيدُ صياغةَ العَلاقةِ بين “المواطن” و”الشاشة”، مؤكداً أنَّ الحقوقَ ليست منحةً عابرة، بل هي استحقاقٌ يُحمَى بسلطةِ القانون وقوةِ النص. إن التكنولوجيا بلا أخلاقٍ هي صمّاء عمياء، والقانونُ هو البصرُ الذي يُبصرُ به المجتمعُ طريقَه والاذن المصغية ؛ لسماع أنغام المستقبل، مؤسّساً لدولةٍ لا تغيبُ عنها شمسُ السّيادة، حتّى في أعمقِ دهاليزِ العالمِ الافتراضيّ .
وأنصوّر أنّ هذا القانون .. يُنشد لنا .. قائلََا :
سَلَاماً يَا «خُوَارِزْمُ» انْتَبَهْنَا .. لِسُمٍّ سَالَ فِي مَاءِ النَّقَاءْ
كَأَنَّ الْكُودَ «هُولاكُو» الْجَدِيدُ .. لِيَحْرِقَ مَكْتَبَاتِ الْأَنْبِيَاءْ
سَأَبْقَىٰ لِلطَّبِيعِيِّ اصْطِبَارََا .. وَأَلْعَنُ عَالَمَ الـْ «تَاتْشِ» الْهَبَاءْ
حفظ اللَّٰه الوطن .