السحر في الإثبات الجنائي

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

لعل القارئ الكريم يذكر أنني تناولت في مقال سابق مسألة (السحر في المسؤولية الجنائية) وحاولت هناك أن أستقصي مدى إمكانية مساءلة من يمارس السحر أو من يستعين به في ضوء نصوص قانون العقوبات وما يثيره هذا الفعل من جدل حول توافر الركن المادي والركن المعنوي للجريمة. غير أن ذلك المقال على أهميته ترك خلفه سؤالا أكثر خطورة بل سؤالا كان ينبغي أن يطرح قبل كل حديث عن (المسؤولية الجنائية) أصلا ذلك أن البحث في العقوبة لا معنى له إذا كانت الواقعة ذاتها لم تثبت بعد. فأي جدوى من مناقشة جسامة الجريمة أو ظروفها المشددة أو المخففة أو مدى توافر (القصد الجنائي) فيها ما دامت الواقعة التي نتحدث عنها لم تثبت بعد بالقدر الذي يسمح للمحكمة بإقامة قضائها عليها؟! من هنا ولد هذا المقال ليتناول السحر لا بوصفه فعلا قد يستوجب عقابا بل بوصفه واقعة يراد إثباتها أمام قاضٍ لا يعرف إلا لغة الدليل.

ماذا لو دخلت امرأة إلى مكتب وكيل النيابة وقد بدا عليها الانهيار التام وقالت إن حياتها انقلبت رأسا على عقب وإن بيتها قد تهدم وإن صحتها قد تدهورت وإن سبب ذلك كله سحر صنعه لها أحد أقاربها؟ هل يبدأ التحقيق فورا في البحث عن الساحر؟! أم يبدأ كما ينبغي أن يبدأ كل تحقيق رشيد بالبحث عن الدليل؟ وإذا دلت المجني عليها على منزل المتهمة فانتقل رجال الضبط وعثروا فيه على طلاسم وأحجبة وأوراق غريبة فهل أصبحنا أمام دليل جنائي مكتمل الأركان؟ أم أننا ما زلنا في حقيقة الأمر أمام مجرد أشياء مادية لا تثبت من الأمر إلا وجودها المادي فحسب؟ وإذا اعترفت المتهمة بأنها كتبت تلك الطلاسم بنية الإضرار بالمجني عليها فهل يكفي هذا الاعتراف وحده لإدانتها؟ وإذا شهد شهود بأنهم رأوها تدفن أوراقا في مقبرة أو تردد عبارات غامضة عند الغروب فهل تثبت هذه الشهادة وقوع السحر فعلا أم تثبت فقط أن الشاهد رأى شخصا يقوم بفعل معين؟ وإذا انتهى الأمر بوفاة المجني عليها أو إصابتها بمرض عضال فمن الذي يملك أن يقرر أن السبب هو السحر لا سبب آخر؟ وهل توجد خبرة فنية أو معمل جنائي أو لجنة متخصصة يمكنها أن تقدم للمحكمة تقريرا علميا معتمدا يثبت وفق منهج فني يمكن التحقق منه أن ما أصاب المجني عليها يعزى إلى السحر؟

فالعدالة الجنائية لا تتعامل مع الظنون ولا تبني أحكامها على المعتقدات مهما بلغ رسوخها وإنما تبنيها على أدلة تخضع للفحص والمناقشة والتمحيص أمام درجات التقاضي. وهنا بالضبط تبدأ الأزمة الحقيقية التي يعيشها كل من يتصدى لهذا النوع من القضايا. فرجال القانون تعودوا منذ نشأة الإجراءات الجنائية على التعامل مع وقائع مادية محسوسة يمكن ردها إلى أسباب معلومة ووسائل فنية للتحقق منها. ففي جريمة القتل توجد جثة وتقرير تشريح وأداة وبصمة وتحليل دم قد يحسم في حدود دلالته العلمية مسألة فنية محل نزاع. وفي جرائم المخدرات توجد مادة مضبوطة يخضعها المعمل الكيميائي لتحليل علمي معتمد يحدد ماهية المادة المضبوطة. وفي جرائم التزوير تعرض المستندات على أقسام أبحاث التزييف والتقليد فتقارن الخطوط وتفحص الأحبار وتحسم الحقيقة بيقين فني لا يترك مجالا لشك معقول. أما في دعاوى (السحر) فإننا نقف أمام واقعة يدعى أنها أحدثت أثرا بالغ الخطورة بينما تعجز كل أدوات الإثبات المعروفة عن التحقق من وقوع هذا الأثر فضلا عن نسبته إلى شخص بعينه بعلاقة سببية تثبت للمحكمة وفق الأدلة المطروحة بما يجاوز الشك المعقول.

فلو افترضنا جدلا أنه تقدمت سيدة ببلاغ تتهم فيه زوجة شقيق زوجها بأنها صنعت لها سحرا وتزعم أن الخلافات الزوجية بدأت منذ تلك الواقعة وأن صحتها تدهورت من بعدها وأنها عثرت في فناء منزلها على أوراق مطوية تحمل طلاسم وأسماء. ثم انتقلت الشرطة وضبطت الأوراق وأقرت المتهمة بأنها كتبتها بتوجيه من أحد المشعوذين. قد يظن غير المتخصص أن أركان الجريمة قد اكتملت من هذه اللحظة غير أن القاضي الجنائي بحسه الفني على التمييز بين الظاهر والجوهر سيطرح السؤال الذي لا مفر منه: ما الدليل على أن هذه الأوراق بذاتها هي التي أحدثت ما تدعيه المجني عليها؟ وما الدليل على انتفاء الأسباب الأخرى النفسية أو الاجتماعية أو الصحية التي قد تكون هي السبب الحقيقي المستقل عن أي طلسم أو حجاب؟ وهذا السؤال وحده كفيل بأن يكشف أن القضية لا تدور حول إثبات وجود مادي لأوراق بل تدور وهذا هو الأصعب دائما حول إثبات (علاقة السببية) بين فعل وأثر وهي علاقة لا يقبل القانون الجنائي أن تبنى على الظن أو على مجرد التعاقب الزمني بين حادثتين.

وكما تعلم هنا يتجلى الفارق الجوهري بين (التفكير الاجتماعي) و(التفكير القضائي) وهو فارق يجدر بكل من يمارس هذه المهنة أن يستحضره في كل قضية يطرقها. فالمجتمع بطبيعته يقتنع بالقصص ويربط بين حدثين لمجرد تعاقبهما زمنيا فيقول: حدث هذا بعد ذاك إذن فهو بسببه وهذا منطق مقبول في الحياة اليومية لكنه محرم تماما على القضاء الجنائي. فالقاضي لا يسأل: هل يمكن أن يكون هذا سببا لذاك؟ بل يسأل: أين الدليل القانوني الذي يربط بينهما ربطا يقينيا لا يخالطه شك؟ وهذا هو من أبرز تطبيقات مبدأ حرية قاضي الموضوع في تقدير الأدلة المطروحة عليه وهي حرية مستقرة في قضاء محكمة النقض مفادها أن لقاضي الموضوع سلطة كاملة في تقدير الأدلة المطروحة أمامه والأخذ بما يقتنع به منها واستبعاد ما عداه شريطة أن يكون استخلاصه سائغا مستندا إلى أصل ثابت في الأوراق خاليا من التناقض منسجما مع صحيح المنطق والعقل. فهي كما تعرف حرية مقيدة لا مطلقة لا تسوغ للمحكمة أن تبني قضاءها على قرائن تحتمل أكثر من تفسير فإذا بقي الدليل محتملا لأكثر من تفسير معقول تعين ألا تبنى عليه إدانة لا لأن القاضي يشك في صدق المجني عليها بل لأن الشك في ذاته مهما كان مصدره يفسر لمصلحة المتهم.

ومن هنا ندرك أن الإثبات في الفقه الجنائي ليس مجرد وسيلة للوصول إلى الحقيقة القضائية التي يجوز للمحكمة أن تبني عليها حكمها. ولذلك تتمايز (الحقيقة القضائية) عن (الحقيقة الواقعية) لا لأن القضاء ينكر الواقع أو يتجاهله بل لأنه ملزم بألا يؤسس قضاءه إلا على ما ثبت أمامه بالطرق التي رسمها القانون للإثبات. وقد يكون الواقع أوسع من الدليل وقد تكون الحقيقة أكبر مما استطاع الخصوم إثباته لكن هذا لا يغير التزام القاضي بحدود ما هو مطروح في ملف الدعوى. ولهذا لا يكفي الاعتراف إذا لم تطمئن إليه المحكمة أو تعارض مع باقي عناصر الدعوى ولا تكفي الشهادة إذا افتقدت المصداقية أو تناقضت مع نفسها ولا تكفي القرينة إذا احتملت تفسيرا آخر غير الإدانة ولا تكفي قناعة الرأي العام بل ولا قناعة القاضي الشخصية إذا لم تتحول إلى دليل قانوني قابل للمراقبة والمناقشة أمام درجات التقاضي كافة.

ولو تأملنا الأمر في ضوء فلسفة الإثبات الجنائي لوجدنا أن السحر يطرح إشكالية فريدة لا نجد لها مثيلا حقيقيا في سائر الجرائم فهو بحسب ما يدعيه القائلون بوجوده يحدث أثرا لا تدركه الحواس إدراكا مباشرا ولا تتوافر حتى الآن وسائل فنية أو علمية معتمدة تسمح بالتحقق منه على نحو يصلح للإثبات القضائي. ومن هنا يصح أن نعود إلى أحد أخطر الأسئلة التي طرحناها في مطلع هذا المقال: هل يعجز القانون عن التعامل مع السحر لأنه ينكر وجوده كظاهرة اجتماعية أو عقدية؟ أم لأنه ببساطة لا يملك أداة تحول هذا الوجود المفترض إلى واقعة مثبتة بطرق الإثبات المعتبرة قانونا؟ والفارق بين السؤالين جوهري بالغ الأهمية فالقانون الجنائي لا يصدر أحكاما في العقائد ولا يثبت أو ينفي وجود ظواهر غيبية بوصفها كذلك وإنما يصدر أحكاما في وقائع محددة ثبتت أو لم ثبت وفق موازين الإثبات التي ارتضاها المشرع وفسرها القضاء على مر السنين.

وقد يقول قائل وهو سؤال مشروع تماما: أليست الطلاسم والأحجبة والأدوات المضبوطة دليلا في ذاتها؟ والجواب أن هذه الأشياء قد تثبت واقعة كتابة الطلاسم أو حيازتها أو استعمالها بحسب ظروف الدعوى لكنها لا تثبت بذاتها أن الأثر المزعوم قد وقع فعلا ولا أنه نتج عن هذا الفعل بعينه دون غيره من الأسباب المحتملة. والفارق شاسع بين إثبات الفعل وإثبات النتيجة وبين إثبات الوسيلة وإثبات أثرها الفعلي في العالم الخارجي. وهذا الفارق هو ما يصنع الحد الفاصل بين الاقتناع الشخصي واليقين القضائي بين ما يصدق في مجالس الأهل والجيران وما يحكم به في قاعة المحكمة. وإذا استعرضنا هذه الإشكالية في ضوء الأنظمة الجنائية المقارنة وجدنا أن معظم التشريعات الحديثة على اختلاف مذاهبها القانونية تلتقي عند نقطة واحدة جوهرية: أن الاقتناع القضائي وإن كان حرا في تكوينه من مصادر الأدلة المطروحة يبقى مقيدا بوجوب أن يكون هذا الاقتناع مبنيا على أدلة موضوعية قابلة للفحص والمناقشة لا على وجدان القاضي الخاص أو معتقده الشخصي سواء عبر عن ذلك بمصطلح الاقتناع الوجداني الذي يغلب على الأنظمة ذات التقليد (اللاتيني) أو بمعيار ما وراء الشك المعقول الذي يغلب على الأنظمة (الأنجلوسكسونية) فكلاهما يفترض وجود مادة إثبات موضوعية يبنى عليها هذا الاقتناع أو ينتفي معها الشك لا مجرد إحساس داخلي أو إيمان شخصي بصحة الرواية مهما بلغ صدق صاحبها.

ومن هذا المنطلق فإن عضو النيابة أو محامي الدفاع أو قاضي الجنايات كلهم يقفون أمام السؤال ذاته الذي طرحناه منذ البداية وإن اختلفت صياغته من موقع إلى آخر: ليس السؤال هل أؤمن بوجود السحر؟ فهذا سؤال لا شأن للقاضي به من موقعه المهني وإنما السؤال الحقيقي هو: هل أملك دليلا قانونيا يرقى إلى مرتبة اليقين يصلح أساسا لحكم يمس حرية إنسان وسمعته ومستقبله؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي فإن البراءة حين تصدر لا تكون منة من المحكمة ولا تشكيكا في معاناة المجني عليها أو صدق شعورها بل تكون تطبيقا مباشرا لأصل أصيل من أصول العدالة الجنائية هو أن (الشك يفسر دائما لمصلحة المتهم). فكما تعلم أن الفكر الجنائي لم يبن على معاقبة كل من يظن فيه الظن وإنما بني على غايتين متلازمتين لا تنفصلان: حماية المجتمع من الجريمة وحماية الفرد من خطر الإدانة الباطلة في آن واحد. ولهذا كان (عبء الإثبات) يقع دائما على عاتق سلطة الاتهام وكان الأصل في الإنسان (البراءة) حتى يثبت العكس بيقين قضائي كامل وكانت الإدانة استثناء من هذا الأصل لا يتحقق إلا إذا ارتقى الدليل إلى درجة تطمئن إليها المحكمة اطمئنانا لا يخالطه شك.

وهنا تتجلى المفارقة التي يقوم عليها هذا الموضوع بأكمله وهي المفارقة التي أردت أن أصل إليها منذ أول سؤال طرحته في هذا المقال: فالسحر في التصورات الدينية والاجتماعية قد يكون محل إيمان راسخ عند طائفة عريضة من الناس بل قد يستند هذا الإيمان عند بعضهم إلى نصوص وأصول معتبرة في وجدانهم. أما في قاعة المحكمة فإن هذا الاعتقاد بصرف النظر عن مدى رسوخه الاجتماعي أو الديني لا ينتقل من دائرة الوجدان إلى دائرة الإدانة الجنائية إلا إذا أمكن ترجمته إلى واقعة مادية مثبتة وفق القواعد التي تحكم الإثبات الجنائي. ولا مناص من أن ما يعجز الدليل عن إثباته لا يجوز للعدالة أن تبني عليه حكما مهما بلغت قناعة الخصوم ومهما ضج به الرأي العام ومهما بدا الأمر بديهيا في نظر من عاش تفاصيل المعاناة بنفسه. غير أن الأمانة العلمية تقتضي وقفة أخيرة لا يجوز إغفالها وإلا كان الحديث ناقصا رغم اتساقه المنطقي. فحين تعجز النيابة العامة أو تعجز المحكمة من بعدها عن إثبات وقوع (أثر السحر) بالمعنى الذي فصلناه فإن هذا العجز عن الإثبات لا يعني في الغالب الأعم من الناحية العملية أن يد العدالة ترفع بالكلية عن الواقعة وأن كل أطرافها يخرجون بالضرورة ببراءة مطلقة من كل تبعة. ذلك أن القانون بحكمته المتجذرة في إدراكه لحيل الناس ومكرهم لم يترك هذه الطائفة من الوقائع دون مخرج تشريعي يحمي به المجتمع من عبث العابثين وإن كان هذا المخرج يقوم على أساس مختلف تماما عن أساس (المسؤولية) عن السحر ذاته.

فالمجني عليها في المثال الذي طرحناه سابقا مثال السيدة التي زعمت أن زوجة شقيق زوجها صنعت لها سحرا فوفق القواعد الجنائية الصارمة فالأصل أن تنتهي المحكمة إلى البراءة إذا خلت الأوراق من دليل يثبت رابطة السببية وفقا للقواعد العامة للإثبات. ولكن فلنفترض أن التحقيقات كشفت عن وجود طرف آخر في القضية وهو (الشيخ) أو (المشعوذ) الذي لجأت إليه المجني عليها واهمة ليفك عنها هذا الأثر وتبين أن هذا (الطرف الثالث) قد تقاضى (مبالغ مالية) كبيرة منها مقابل وعود بإبطال مفعول السحر أو مقابل كتابة (حجاب مضاد) أو إجراء (طقوس) معينة.

 

هنا ينتقل مسار التحقيق بالكامل من مسار عقيم لا يفضي إلى شيء لأنه يبحث عن إثبات ما لا يمكن إثباته وهو (وقوع السحر) إلى مسار قانوني رحب ومكتمل الأركان ضد هذا المشعوذ لأنه لا يعود يسأل: هل سحرت المجني عليها فعلا؟ بل يسأل عن ما يعرف في العمل القضائي بقضايا الدجل والشعوذة والتي تكيف قانونا بحسب ظروف كل واقعة في إطار جرائم كالنصب أو غيرها متى توافرت أركانها. ويمكن الإجابة عن هذا السؤال بأدلة مادية بحتة شهادة من حضر واقعة الدفع والتحريات متى تأيدت بأدلة أخرى فضلا عن الأدلة المادية الدالة على تلقي الأموال أو مباشرة النشاط محل الاتهام أو ضبطه أثناء مباشرة نشاط احتيالي تتوافر بشأنه حالة التلبس وفقا للقانون وهي أدلة لا علاقة لها البتة بمسألة إثبات وجود السحر من عدمه بل تنصب كلها على إثبات فعل الخداع والاستيلاء غير المشروع على المال.

وهذا التكييف البديل وإن بدا للوهلة الأولى مجرد حيلة إجرائية للخروج من مأزق استحالة الإثبات إلا أنه في الحقيقة يعكس فلسفة عميقة في السياسة الجنائية تستحق أن تقرأ بعناية. فالمشرع حين علم عجز أدوات الإثبات عن ملاحقة (السحر) بوصفه واقعة غيبية لم يترك الباب مفتوحا أمام كل من يتاجر بمعاناة الناس وآلامهم النفسية بل أعاد توجيه بوصلة التجريم نحو الفعل المادي الملموس الذي يصاحب هذا الادعاء غالبا وهو انتزاع الأموال بالخداع. فالعدالة هنا لا تقايض بين حماية المجتمع وبين صرامة قواعد الإثبات وإنما توفق بينهما ببراعة: تحافظ على المبدأ الذي لا يجوز التنازل عنه وهو ألا تبنى إدانة على واقعة غيبية يتعذر التحقق منها وفي الوقت ذاته لا تترك المجرم المحتال طليقا بلا رادع بل تلاحقه من زاوية أخرى أكثر واقعية وأيسر إثباتا.

بل إن الأمر يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك حين يقترن الفعل بجريمة أخرى قد تتوافر أركانها في بعض الوقائع وهي جريمة انتحال صفة إذا ادعى المتهم لنفسه صفة دينية أو علمية لا يملكها ليضفي على ادعاءاته مصداقية زائفة أو جريمة التهديد إذا صاحب الادعاء بالسحر تهديدا صريحا للمجني عليه بأن مصيره سيكون أسوأ إن لم يستجب لمطالب المتهم المالية وهي جريمة مكتملة الأركان بذاتها لا تحتاج إلى إثبات وقوع سحر من عدمه بل تحتاج فقط إلى إثبات أن (عبارات التهديد) قد صدرت وأنها كانت وسيلة للحصول على مال أو منفعة. وهذا التمييز الدقيق بين (استحالة إثبات السحر كأداة للجريمة) و(إمكانية إثبات الاحتيال المصاحب لادعاء ممارسته) هو الذي يحفظ للنظرية العامة في الإثبات الجنائي اتساقها ويحول دون أن تتحول صرامة قواعد الإثبات إلى ذريعة يحتمي بها من يتاجرون بآلام الناس ومعتقداتهم.

وهكذا تنتهي بنا هذه الرحلة التي بدأت بسؤال عن سيدة منهارة أمام وكيل نيابة ومرت بأوراق مضبوطة واعترافات وشهادات إلى الحقيقة الجامعة التي تختصر كل ما سبق: إن الإشكالية الحقيقية ليست في السحر بوصفه ظاهرة وإنما في الدليل بوصفه شرطا لكل حكم قضائي وليست في الاعتقاد وإنما في الإثبات وليست في وجود الظاهرة أو انتفائها من الناحية العقدية أو الاجتماعية وإنما في قدرة القانون أو عجزه عن تحويل الادعاء إلى حقيقة قضائية قابلة للمراقبة والتمحيص.

فإذا عجز الدليل وجب أن تبقى البراءة قائمة صافية لا تشوبها ريبة وإذا بلغ الدليل الحد الذي تطمئن معه وجدان المحكمة وفقا للقانون حضرت العدالة بكل صرامتها. أما إذا بقيت الدعوى معلقة بين الإيمان والشك فلا يملك القضاء إلا أن ينحاز إلى المبدأ الذي قامت عليه غالب الأنظمة الجنائية الحديثة على اختلاف مشاربها: أن حرية الإنسان لا يجوز أن تهدر إلا بدليل وأن العدالة لا تبنى على الظنون وإنما تبنى دائما وأبدا على اليقين. وهذه في تقديري هي الرسالة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في ذهن كل باحث وكل محام وكل من يتقلد منصة القضاء أن القانون الجنائي لا يصدر أحكاما في (العقائد) ولا يفهم من عجز الدليل عن إثبات واقعة معينة أن القضاء قد حسم وجودها أو عدم وجودها من الناحية العقدية أو الاجتماعية وإنما يعني فقط أن الواقعة لم تثبت بالقدر الذي يسمح بإقامة (المسؤولية الجنائية) عنها. وإنما يقف على مسافة واحدة من الجميع لا يسأل ماذا يعتقد الناس بل يسأل دائما: ماذا ثبت في الأوراق؟ وما الذي أمكن البرهنة عليه وفقا لقواعد الإثبات وضمانات المحاكمة العادلة؟ والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى