” من أحكام استخدام الواي فاي wifi بين التحريم والتجريم والإباحة ” الجزء الأول “
محمد إبراهيم الجوهري – باحث دكتوراة
لا شك أن الشريعة الإسلامية جاءت مقاصدها الخمسة واضحة كالشمس في كبد السماء لعموم الناس، وحرم الفقه الإسلامي الغش والخداع والتحايل، وأكل أموال الناس بالباطل، ولم يترك الشرع أمور الحرام والحلال بين الناس تبعًا لأهوائهم وميولهم وآرائهم، ومن مقاصد الشريعة التي جاءت بها حفظ المال؛ ولهذا حرم الفقه كل تعدٍ عليه بغير حق، قال تعالي:” وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ”.( )، ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، فجعل تعالى ذكره آكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل.( )
وقال أيضًا:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”.( )، ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل أكلها بالغصوب والسرقات، بل لعله يدخل في ذلك أكل مال نفسك على وجه البطر والإسراف، لأن هذا من الباطل وليس من الحق، ثم إنه لما حرم أكلها بالباطل- أباح لهم أكلها بالتجارات والمكاسب الخالية من الموانع، المشتملة على الشروط من التراضي وغيره.( )
فالتعدي بكل الطرق والوسائل علي الأعراض والأموال والأنفسن ولذلك حرم النبي صلي الله عليه وسلم أي تعدٍ، فعن أبي بكرة ذكر النبي صلي الله عليه وسلم قال: « فإن دماءكم وأموالكم قال محمد وأحسبه قال وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وكان محمد يقول: صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم ، كان ذلك: ألا هل بلغت مرتين».( )
وفي ذلك الحديث تأكيد التحريم، وتغليظه بأبلغ ممكن من تكرار ونحوه، وفيه مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير ليكون أوضح للسامع، وإنما شبه حرمة الدم والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد؛ لأن المخاطبين بذلك كانوا لا يرون تلك الأشياء، ولا يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب، وإنما قدم السؤال عنها تذكارًا لحرمتها وتقريرًا لما ثبت في نفوسهم، ليبني عليه ما أراد تقريره على سبيل التأكيد.( )
ويعد استخدام الواي فاي بدون إذن صاحبه غصبًا وظلمًا وتعديًا غير مشروعًا، قال صاحب الذخيرة: الغصب لغة قال الجوهري: أخذ الشيء ظلما، غصبه منه وغلبه سواء والاغتصاب مثله، ثم قال صاحب المقدمات: التعدي على رقاب الأموال سبعة أقسام لكل قسم منها حكم يخصه، وهي كلها مجمع على تحريمها وهي الحرابة والغصب والاختلاس والسرقة والخيانة والإدلال والجحد( )
والتعدي علي الواي فاي من الأمور المحرمة فقـــًا، فأخذ كل ملك بغير رضا صاحبه من شخص أو مال أو منافع، وكذلك التعدي سرًا أو جهرًا أو اختلاسًا أو سرقة أو جناية أو قهرًا( )، وفي ذلك تعدِ علي صاحب المنفعة بدون إذنه ورضاه.
أما عن شبكات الواي فاي العامة والمتاحة للجميع فلا حرج في استخدامها، لأن المنافع فضربان: أحدهما منفعة محرمة كمنافع الملاهي والفروج المحرمة واللمس…فلا جبر لهذه المنافع احتقارا لها…، فإن استوفى شيئـًا منها بغير مطاوعة من ذي المنفعة فلا يجبر شيء منها…، والضرب الثاني: أن تكون المنفعة مباحة متقومة فتجبر في العقود الفاسدة والصحيحة والفوات تحت الأيدي المبطلة والتفويت بالانتفاع، لأن الشرع قد قومها ونزلها منزلة الأموال، فلا فرق بين جبرها بالعقود وجبرها بالتفويت والإتلاف، لأن المنافع هي الغرض الأظهر من جميع الأموال…..( )
ومن المُسّلم به أنه لا يجوز أخذ حق الغير إلا بطيب نفس منه، قال صلي الله عليه وسلم:” …..اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، إنه لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه….( )
فاستخدام الواي فاي بدون علم صاحبه، يعد غشًا وتحايلا ً وخداعًا، فعن عبد الله بن مسعود قال، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:«من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار».( )
وعليه فإن استخدام شبكات الواي فاي بدون إذن ورضا أصحابها أو اختراقها يعد مظلمة، ومن فعل ذلك وجب عليه التحلل من هذه المظلمة، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ” من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه”.( )
فالعاقل هو من لا يضع نفسه تحت طائلة الظلم، لأن تعديك علي حقوق الآخرين ظلم لهم، فحق المظلوم فلا يسقط بمجرد التوبة وهذا حق…، فمن تاب من ظلم لم يسقط بتوبته حق المظلوم، لكن من تمام توبته أن يعوضه بمثل مظلمته، وإن لم يعوضه في الدنيا فلا بد له من العوض في الآخرة، فينبغي للظالم التائب أن يستكثر من الحسنات حتى إذا استوفى المظلومون حقوقهم لم يبق مفلسا، ومع هذا فإذا شاء الله أن يعوض المظلوم من عنده فلا راد لفضله، كما إذا شاء أن يغفر ما دون الشرك لمن يشاء.( )
وقد يقع صاحب الواي فاي أو مستخدمها تحت طائلة القانون، لا سيما إذا استخدمت الشبكة الخاصة به في أعمالا ً إجرامية او غير مشروعة، فقد نصت المادة (13) من قانون جرائم الإنترنت على أنه :”يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 3 شهور وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تجاوز 50 ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من انتفع بدون وجه حق عن طريق شبكة النظام المعلوماتي، أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، بخدمة من خدمات اتصالات أو خدمات قنوات البث المسموع والمرئي”.
ونصت المادة (14) “أن عقوبة جريمة تجاوز حدود الحق فى الدخول يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وبغرامة لا تقل عن 30 ألف جنيه ولا تجاوز 50 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من دخل إلى موقع أو حساب خاص أو نظام معلوماتى مستخدما حقا مخولا له، فتعدى حدود هذا الحق من حيث الزمان أو مستوى الدخول”.
ونصت المادة (38) مع عدم الإخلال بحقوق الغير حسن النية، على المحكمة فى حالة الحكم بالإدانة في أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها فى هذا القانون، أن تقضى بمصادرة الأدوات والآلات والمعدات والأجهزة مما لا يجوز حيازتها قانونا، أو غيرها مما يكون قد استخدم فى ارتكاب الجريمة، أو سهل أو ساهم في ارتكابها.
ويحق للمتعدي علي الواي فاي الخاص به تحرير الإجراءات اللازمة حيث يوتجب عليه التوجه لمباحث اتصالات الإنترنت لاتخاذ الإجراءات القانونية، لما لديها القدرة على معرفة السارق لشبكة الواي فاي، ومن ثم التقدم للنيابة العامة ليتم العرض على المحكمة الاقتصادية المختصة بهذا الشأن.
لذلك وجب علينا البعد كل البعد عن الظلم، وأخذ مال ليس بحقنا، أو التحايل في أخذه بدون رضا أصحابه وعلمهم اليقيني بذلك، حتي لا نكون كالظالمين وأصحاب السبت، وللحديث بقية…