” تعطيل إقامة الشعائر بين التجريم والإباحة “

بقلم/ محمد إبراهيم الجوهري – باحث دكتوراة

احترام إقامة الشعائر الدينية من القيم المجتمعية التي يجب علي الناس احترامها وعدم اهانتها او الاستهزاء والسخرية بها ومنها، لما في ذلك من أهمية في حياة الناس.

فممارسة الشعائر الدينية للديانات أمر يختلف حدوده ومعالمه وإن اتفق مضمونه ومحتواه بين الدول بعضهاالبعض، ويرجع ذلك إلى أن تلك الممارسات تتباين من مجتمع إنساني إلى آخر بحسب ظروفه السياسية والاقتصادية والثقافية، وإن كان ذلك في إطار الاعتراف بوجود حد أدنى من الالتزام العام بين المجتمعات البشرية كافة بالاحترام المبدئي لممارسة الشعائر الدينية.([1])

وثمة فارق جوهري بين حرية الاعتقاد الديني، وحرية ممارسة الشعائر الدينية ويكمن في ذلك الفارق أن حرية الاعتقاد الديني هي: عبارة عن أفكار وقناعات داخل الوجدان، فحرية الاعتقاد تعنى الاعتقاد الداخلي، وهو لا قيد مطلقًاعليه وليس لها أي مظهر خارجي.([2])، ويتمثل الركن المادي في جريم التعطيل في صورتين هما: التشويش، أو التعطيل :

أولاً: التشويش.

التشويش في اللغة: شوش يشوش، تشويشاً، فهو مشوش، والمفعول مشوش، شوش بثًا إذاعيًا: أحدث ضوضاء وبلبلة واختلاطًا في السمع ” كلام مشوش الطلاب على المحاضر”، شوش النظام العام: أفسده وأحدث فيه اضطرابًا.([3])

والتشويش هو ضجيج أو أصوات مرتفعة، منتظمة أو غير منتظمة، سواء صادرة عن أشخاص أو تردد بواسطة أجهزة تسجيل أو مكبرات صوت، تؤدي إلي زوال الهدوء المعهود الواجب توافره عند إقامة الشعائر الدينية وممارستها والاستمتاع بها حتي يتحقق صفاء النفس.([4])

ويُعرف أيضًا التشويش بأنه “سلوك مادى ذا مضمون نفسى هو طرق النفوس المتعبدة بأصوات أو ضجيج يعرقل إنصرافهاإلى العبادة ([5])، فيشترط لإقامة الصلاة فى الإسلام وصحتها أن يتحقق الخشوع مصداقًا لقول الله سبحانه وتعالى ” قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَ”.([6])

ويُثار تساؤل عن التشويش المعاقب عليه، هل هو التشويش الذي يؤدي إلي تعطيل إقامة الشعائر، أم مجرد التشويش الذي يؤدي للإخلال بالخشوع والهدوء المطلوب لإقامة الشعائر ؟ من خلال نص المادة يمكن لنا الرد علي هذا التساؤل، وذلك بأنه يكفي مجرد التشويش فقط ولو لم يعطل إقامة الشعائر الدينية، ويستفاد ذلك من نص المادة 160 حيث عاقب المشرع علي التشويش أو التعطيل بالعنف أو التهديد.([7])

ولكن لا يشترط المشرع أن يقع التشويش في مكان معد لإقامة الشعائر الدينية كالمساجد والكنائس أوماشابه ذلك، أو في مكان معد لاحتفال ديني، بل يعاقب علي التشويش ولو وقع في غير هذه الأماكن.([8])

ولم يضمن المشرع نص المادة 160عقوبات تعريفًا للتشويش بل ترك الأمر لقاضي الموضوع ليستخلصه بماله من سلطة تقديرية.([9])

ولا يشترط فى التشويش تعطيله إقامة الشعائر والإحتفالات الدينية، بل يكفى لاعتباره تعديًا مساسه بالكرامة الدينية للمتعبدين فى أثناء إقامة شعائرهم أو حفلاتهم الدينية.([10])

ثانياً: التعطيل.

التعطيل يعني: التفريغ.([11])

 

 

 

 

والتعطيل في القانون هو: “سلوك مادي صدر عن شخص ماضد من يمارس شعائر ملة أو دين أو احتفال ديني بهدف الحد من قيامه بممارسة الشعائر الدينية أو الاحتفالات الدينية، بالطريقة أو الشروط الثابتة في الملة أو الدين الذي يعتنقه ممارسي تلك الشعائر والاحتفالات”.([12])

و يشترط استخدام العنف أو التهديد في جريمة التعطيل وذلك بنص المادة 1/160:

” كل من شوش على إقامة شعائر ملة أو احتفال ديني خاص بهاأو عطلها بالعنف أو التهديد”.

ويمكن تصور ذلك باستخدام أشكالاً عديدة، فمن المتصور أن يكون التعطيل عن طريق قذف المصلين أو القائمين بالعبادة بالحجارة أو بالإنهيال عليهم بالضرب بالعصى، ويتصور أن يكون بتوجيه ضغط المياه إليهم، أو بقطع التيار الكهربائى أثناء ممارسة الشعائر الدينية.([13])

ومن الممكن أن يكون التعطيل بالقول دون عنف أو تهديد فيسمى سلوك مادى ذو مضمون نفسى، فهذا يشكل وسيلة ضغط على أصحاب الملة لعدم ممارسة شعائرهم، كالتهديد بإنذار المصلين بإطلاق النار عليهم إن لم يتفرقوا.([14])

ويثار التساؤل ما الفرق بين الشعائر الدينية والحفلات الدينية : هو أن الشعائر الدينية هي مجموعة المناسك أو الأعمال والطقوس الواجب علي الأشخاص القيام بهالإعلام طاعة الله، وحتي تؤدي الفرائض الدينية، والأركان التي يبني عليها الدين، أما الإحتفال يكون للإحتفاء بذكري دينية معينة يحتفل بهاأهل دين أو ملة مابهدف التعظيم وأخذ العظة والعبرة، فنجد في الإسلام احتفالات دينية عديدة كالاحتفال بذكري الإسراء والمعراج وبالمولد النبوي الشريف وبذكري غزوات الرسول r، كذلك نجد في الديانة المسيحية الاحتفال بمولد السيد المسيح u .([15])

 

 

وأما أركان جريمة تعطيل إقامة الشعائر:

فيتمثل الـركن المـادي فـي جريمـة التعطيـل والتشـويش يتخـذ صـورتان: الأولي صـورة وجـود ضـرر مـادي ونتيجـة، وهنـا يكـون وصـف طبيعـة الجريمـة أنهـا مـن جـرائم الضـرر، وهـو فـي فعـل التعطيـل بمعنى أن المعتقد لا يستطيع أداء عباداته وهذا ضرر يلحق بمعنوياته وجانبه النفسـي أكثـر مـن الجانب المادي، وقد يتخذ صورة الجرائم الشكلية، حيـث لا تتطلـب تعطيـل الشـعائر، ولكـن مجـرد التشـويش يكـون سبباً كافياً للتجريم.([16])

أما الركن المعنوي: تنقسم الجرائم بحسب قصد الجاني إلى جرائم مقصودة وجرائم غير مقصودة، فـالجرائم المقصـودة هـي التـي يتعمـد فيهاالجـاني إتيـان الفعـل المحـرم وهـو عـالم أنـه محرم، أماالجـرائم الغيـر مقصـودة هـي التـي لا ينتـوي فيهـا الجـاني إتيـان الفعـل المحـرم، ولكـن يقـع الفعـل المحرم نتيجة خطأ منه.([17])

والتعطيل له صورتان في نص التجريم أولهما: هو التعطيل بالعنف وهو سلوك مادي بحت، كأن يقوم الجاني بقذف المصلين بالطوب أو ينهال عليهم ضرباً بالعصى، بينما التعطيل بالتهديد: فهو ذلك السلوك الذي يرنو من ورائه الجاني إلى الإنذار بخطر يريد إيقاعه على شخصه أو الغير لبث الخوف في المجني عليهم، كمن يهدد المصلين بإطلق كلبه المفترس عليهم، أو حيوانه غير الأليف إذا لم يتركوا الصلة.([18])

وفي جريمة تعطيل قامة الشعائر الدينية نجد أن جريمة التعطيل يجب أن تتجه فيها إرادة الجاني وقصده وإداكه وتعمده إلي التعطيل لهذه الشعائر أو تعطيل الاحتفال بها، أماجريمة التشويش فيمكن أن تكون عمدية أو غير عمدية، فقد يحدث التشويش أمام دار عبادة أو احتفال ديني دون العلم بمايحدث في داخل دار العبادة أو الاحتفال الديني، فإذا لم يعلموا بأن هناك احتفال ديني أو إقامة شعيرة فلا يتصور أن تكتمل أركان الجريمة، وأما إذا ماعلموا بذلك بعد تنبيهم بها واستمروا في تشويشهم أو ماشابه ذلك فتتحقق الجريمة هنا لقصد التعمد.

وعاقب المشرع المصري ذلك الفعل، حيث نصت المادة 160 علي ” يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين”.

فقيم المجتمع وشعائرها الدينية مُصانة لأصحاب الديانات، وفي حال عدم الامتثال لذلك؛ فان العقوبة تكون هي الرادعة لإجبار أي فرد احترامها، ولكن هل هذا العقاب مناسبًا لمثل هذا النوع من الجرائم؟، هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه، آملاً بأن ينظر المشرع نحو تشريعًا جديدًا لهذه الجريمة.

 

([1]) معجم اللغة العربية المعاصرة، جـ2، ص247( مرجع سابق ) .

([2]) مدحت محمد عبد العزيز ، حقوق الإنسان في مرحلة التنفيذ العقابي ، دار النهضة العربية، القاهرة، ط1 ، 2004م، ص114 .

([3]) رمسيس بهنام، قانون العقوبات،جرائم القسم الخاص ، منشأة المعارف الإسكندرية ،ط 1999م ، ص636.

([4]) رمسيس بهنام، قانون العقوبات، ( مرجع سابق ) ، ص293.

 ([5]) سورة المؤمنون آية رقم: 1، 2.

([6]) نوال العبيد ،الجرائم الماسة بحرية التعبيرعن الفكر، ط1، دار الحامد، عمان، 2009م ، ص140.

([7]) الحماية الجنائية لحرية العقيدة والعبادة ، الناشر: دارالنهضة العربية، ط 2005م ، ص60 .

([8]) سامي علي جمال الدين، الحماية الجنائية للحريات الدينية، رسالة دكتوراة – كلية الدراسات العليا، أكاديمية الشرطة، عام 1979م ، ص333 .

([9]) الحماية الجنائية لحرية العقيدة والعبادة، ( مرجع سابق ) ، ص55.

([10]) رياض شمس، حرية الرأى وجرائم الصحافة والنشر، جـ1، مطبعة دارالكتب المصرية، ط 1947م ، ص456.

([11]) زين الدين أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، المحقق: يوسف الشيخ محمد، الناشر: المكتبة العصرية – الدار النموذجية، بيروت – صيدا، ط 5، ١٩٩٩م ، ص212.

([12]) الحماية الجنائية لحرية العقيدة والعبادة، ( مرجع سابق ) ، ص61.

([13]) المجع نفسه ، ص62.

([14]) رمسيس بهنام، قانون العقوبات، جرائم القسم الخاص، ( مرجع سابق ) ، ص636.

([15]) الحماية الجنائية لحرية العقيدة والعبادة، ( مرجع سابق ) ، ص64.

([16]) نبيل فرفور، الحماية الجنائية لحرية المعتقد، رسالة دكتوراة، كلية الحقوق والعلوم السياسية – بسكرة – المغرب، عام 2014م ، ص207.

([17]) التشريع الجنائي الإسلامي، ( مرجع سابق ) ، ص72.

([18]) بعض الجرائم المنصوص عليها في المدونة العقابية، رمسيس بهنام، منشأة المعارف – الإسكنرية، ص293 .

زر الذهاب إلى الأعلى