الأمن الأخلاقي حائط الصد للجريمة

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

كم جريمة كان يمكن ألا تقع لو أن إنسانا واحدا تعلم كيف يحترم الآخر؟ وكم روحا كان يمكن إنقاذها لو أن الكلمة الطيبة سبقت صوت العنف ولو أن الوعي انتصر على الجهل ولو أن (الثقافة) نجحت في بناء (الضمير) قبل أن تتدخل المحاكم لبناء الردع؟ ولماذا تخاف المجتمعات الواعية من انهيار الثقافة أكثر مما تخاف من ارتفاع أعداد السجون؟! لأن الحقيقة التي أثبتها التاريخ طويلا هي أن الجريمة لا تبدأ من يد تحمل سلاحا بل تبدأ من عقلٍ فقد البوصلة ومن ضميرٍ تآكلت داخله قيم الرحمة والعدل والانتماء.

الثقافة لا تمارس على هامش الحياة وليست مجرد كتب تقرأ أو شعارات ترفع في المناسبات، بل هي الروح التي تحرس المجتمع من الداخل والسور (المعنوي) الذي يمنع الإنسان من السقوط في هاوية الانحراف قبل أن يقترب منه القانون. فالقوانين مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تراقب النوايا ولا أن تمنع فكرة الجريمة لحظة ولادتها داخل النفس البشرية لكن (الثقافة) وحدها تملك هذه القدرة الخفية لأنها تصنع الإنسان من (الداخل) وتزرع فيه ذلك الصوت الصامت الذي يقول له:(توقف… هذا ليس طريقك). فالإنسان لا يولد مجرما وإنما يتشكل وعيه تدريجيا داخل بيئته من الأسرة التي يتربى فيها والمدرسة التي يتعلم داخلها والشارع الذي يختبر فيه معنى الاحترام أو الإهانة والإعلام الذي يحدد له من هو البطل ومن هو المنحرف. وحين تتراجع الثقافة الحقيقية وتغيب القدوة ويتحول العنف إلى مشهد مألوف يصبح الانحراف أكثر قدرة على التسلل إلى النفوس لأن الفراغ القيمي دائما ما يفتح أبوابه للجريمة.

وتبدأ ثقافة السلوك الحقيقي من داخل الأسرة من تلك التفاصيل الصغيرة التي قد يراها البعض عابرة لكنها في الحقيقة تصنع شخصية الإنسان بالكامل. فالطفل الذي ينشأ على سماع الاحترام داخل منزله ويرى والديه يختلفان دون إهانة ويتعلم أن للآخر حقا في الرأي والكرامة يكبر وهو أكثر قدرة على ضبط غضبه واحترام حدود القانون والمجتمع. أما حين ينشأ الفرد في بيئة يسودها العنف اللفظي أو القسوة أو الاستهزاء بالآخرين فإنه يعتاد بصورة غير مباشرة على فكرة الاعتداء حتى تصبح العدوانية سلوكا طبيعيا في نظره. ولهذا فإن احترام الآخر ليس مجرد سلوك اجتماعي راقٍ بل هو (قاعدة أمن مجتمعي) حقيقية لأن المجتمع الذي يتعلم أفراده ثقافة الاحترام تقل داخله دوافع الكراهية والعنف والانتقام. فالكلمة المهذبة قد تمنع خصومة والوعي قد يمنع جريمة والتربية القائمة على الرحمة قادرة على حماية مجتمع بأكمله من الانهيار الأخلاقي.

ولهذا فإن الثقافة تمثل حائط الصد الأول في مواجهة السلوك الإجرامي، لأنها تبني داخل الإنسان رقابة لا تحتاج إلى قاض ولا إلى شرطي. إنها تصنع (الضمير) ذلك الحارس الخفي الذي يمنع الفرد من الاعتداء حتى حين يكون قادرا على الإفلات من العقاب. فالمجتمع الذي ينجح في غرس قيمة احترام الإنسان لن يحتاج كل يوم إلى تشديد العقوبات لأن أفراده سيدركون أن الكرامة الإنسانية ليست نصا قانونيا فحسب، بل مبدأ أخلاقيا لا يجوز انتهاكه. وحين تنتشر الثقافة يتغير شكل المجتمع كله. تقل القسوة في العلاقات ويتراجع العنف ويصبح الحوار بديلا عن العدوان لأن الوعي يخلق إنسانا يعرف أن القوة الحقيقية ليست في إيذاء الآخرين بل في القدرة على احترامهم. فالثقافة لا تمنع الجريمة بالخوف بل تمنعها بإعادة تشكيل الإنسان نفسيا وأخلاقيا حتى يصبح القانون جزءا من ضميره لا مجرد سلطة مفروضة عليه.

كما أن الثقافة تمنح الإنسان شعورا بالانتماء وهذا الانتماء في حد ذاته وسيلة حماية من الانحراف. فالكثير من الجرائم تولد من الشعور بالعزلة والرفض والتهميش بينما الإنسان الذي يشعر أن له قيمة داخل مجتمعه وأن صوته مسموع وأن كرامته مصونة يكون أكثر تمسكا بالنظام العام وأكثر حرصا على حماية استقرار المجتمع الذي ينتمي إليه. ولذلك فإن بناء (المكتبات) قد يكون أحيانا أكثر أثرا من بناء (السجون) لأن المعرفة تعالج الجذور، بينما العقوبة غالبا ما تعالج النتائج.

ولا يمكن إنكار أن أخطر الجرائم تبدأ غالبا من انهيار الوعي. فحين يصبح الفساد أمرا عاديا والعنف بطولة والكراهية وسيلة للتعبير تبدأ المجتمعات في فقدان (مناعتها) الأخلاقية. هنا تحديدا يظهر الدور الحقيقي للثقافة بوصفها قوة إنقاذ لا تكتفي بالتعليم بل تعيد للإنسان إنسانيته وتجعله أكثر قدرة على فهم معنى العدل والرحمة والحق.

إن المسرح والكتاب والمدرسة والجامعة والخطاب الإعلامي الواعي ليست أدوات ترفيه بل مؤسسات تصنع الأمن بصورة غير مباشرة. فكل فكرة واعية تزرع في عقل طفل هي في حقيقتها جريمة يتم منعها قبل أن تولد. وكل قيمة أخلاقية تغرس في وجدان شاب هي حماية لمجتمع كامل من خطر محتمل. ولهذا فإن الأمم العظيمة لا تقيس أمنها بعدد رجال الشرطة فقط بل تقيسه أيضا بمستوى الوعي داخل عقول أبنائها. تبقى الحقيقة الأهم أن الجريمة لا تهزم بالقوة وحدها لأن الردع مهما كان صارما يظل عاجزا عن الوصول إلى أعماق النفس البشرية. أما (الثقافة) فهي القادرة على الوصول إلى تلك المساحة الخفية داخل الإنسان حيث يتشكل (الضمير) وتولد القناعة ويصنع القرار. ولهذا فإن أعظم انتصار يمكن أن تحققه أي دولة ليس بناء سجن جديد بل بناء إنسان يعرف أن احترام القانون ليس خوفا من العقاب، وإنما احترام للحياة نفسها.

والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى