
هندسة الأرواح قبل النصوص
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
في كل مرة نحاول أن نفهم لماذا تتعب بعض البيوت بينما تنجح أخرى في الصمود نكتشف أن الحكاية لا تبدأ من الخارج ولا تحل من الخارج. الأسرة ليست نصا قانونيا يُكتب بل حياة تعاش ومشاعر تتشكل يومًا بعد يوم. هي كائن حي إن سقي بالمودة نما وإن أهمل جف وإن تحول إلى ساحة حسابات فقد روحه حتى لو ظل قائما في الظاهر. البداية الحقيقية لأي أسرة لا تصنع عند لحظة الزواج بل تبنى قبلها بسنوات طويلة داخل البيت الأول. في طريقة فهم الإنسان لمعنى المسؤولية وفي قدرته على العطاء دون أن يحوّل العلاقة إلى ميزان دائم من الأخذ والرد. حين يتربى الإنسان على أن العلاقة احتواء لا مواجهة وشراكة لا منافسة يصبح الزواج امتدادا طبيعيا لهذا الوعي لا صدمة يصطدم بها عند أول اختلاف.
لكن الواقع يكشف أن كثيرا من العلاقات تبدأ من أرض غير مستقرة. تختلط فيها مفاهيم المساواة والصراع ويتحول (أنا زيك) من معنى الشراكة إلى معنى المقارنة. يدخل كل طرف العلاقة وفي داخله (ميزان خفي) يراقب ويحسب ويقارن. ومع الوقت لا تكون المشكلة في الفعل بل في تفسيره كلمة عابرة تقرأ كإهانة وتصرف بسيط يفهم كتجاهل فتتسع المسافة لا لأن الخلاف كبير بل لأن الحساسية أصبحت أعلى من الاحتمال.
وفي قلب هذا التحول تتغير الأدوار قسرا لا اختيارا. امرأة تتحمل عبئا مزدوجا بين العمل والمنزل ورجل يواجه ضغطا اقتصاديا يستهلك طاقته. هنا لا يعود السؤال من يفعل ماذا بل كيف يمكن أن نستمر دون أن ينهك أحدنا الآخر. كيف يتحول العدل من فكرة إلى ممارسة يومية وكيف تبقى العلاقة مساحة (دعم) لا ساحة استنزاف. حين يصل الطرفان إلى هذا المستوى من الوعي تهدأ الحياة رغم بقاء المشكلات. تفقد الخلافات حدتها لأن بينها مساحة من (الرحمة) تسمح بالخطأ ومساحة من النضج تسمح بالإصلاح. عندها فقط يتراجع القانون إلى الخلف لا لأنه بلا قيمة بل لأنه لم يعد ضرورة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
لكن حين تغيب هذه الروح تتحول العلاقة إلى نزاع مفتوح ويصبح القانون هو المرجع الوحيد وهنا تظهر حدود القانون مهما كان دقيقا فهو ينظم ويحمي ويردع لكنه لا يصنع حبا ولا يزرع احتراما ولا يعيد بناء إنسان من الداخل ومن هنا تأتي حساسية أي قانون أسري جديد فالتشريع إذا انفصل عن الواقع أو بالغ في المثالية قد يتحول من أداة حماية إلى مصدر تعقيد جديد القانون العادل ليس الذي ينحاز لطرف بل الذي يوازن بين الجميع دون ظلم ويضع مصلحة الطفل في قلبه لا على هامشه.
فالطفل ليس تفصيلًا داخل النزاع بل هو مركزه الحقيقي. وهو أول من يدفع الثمن حين تتفكك الروابط وآخر من يفترض أن نحميه حين نكتب القوانين، لذلك لا يكفي أن تكون الحقوق مكتوبة بل يجب أن تكون قابلة للتطبيق داخل واقع مرهق أصلًا. فالقانون الذي يعجز عن التطبيق يفقد روحه مهما بدا مثاليا ولو أردنا قراءة أعمق للواقع فعلينا أن نعترف أن أغلب حالات الانفصال لا تبدأ بنص قانوني بل تبدأ من ضغط اقتصادي خانق يضغط على العلاقة حتى تفقد توازنها ويزيد الأمر تعقيدا بيئة اجتماعية تتسع فيها الفجوة الطبقية ويضعف فيها الاحترام وتتراجع فيها القدوة فتتربى الأجيال على نماذج مشوشة للعلاقة والمسؤولية.
لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القانون بل من الإنسان. من التعليم والإعلام ومن الأسرة الأولى التي تصنع وعي الأبناء بمعنى الشراكة لا السيطرة وبمعنى الاختلاف لا الصراع وبمعنى الاحترام لا التملك. فالقانون يعالج النتائج لكن التربية وحدها تمس الجذور تبقى الأسرة هي الامتحان الأول لمعنى الإنسان. إن صلحت صلح ما بعدها وإن اضطربت انعكس اضطرابها على كل شيء. وبين النصوص والتربية تظل الكلمة الأخيرة لما يُبنى في الداخل لأن ما يُبنى في الداخل وحده قادر على الصمود حين تعجز القوانين.
قوانين الأسرة تختلف في طبيعتها عن بقية فروع القانون. فالقانون الجنائي يقوم على الردع والعقاب، والقانون المدني على تنظيم الالتزامات المالية، والقانون التجاري على ضبط حركة المصالح الاقتصادية، والقانون الاقتصادي على إدارة الموارد والعلاقات الإنتاجية. في كل هذه المجالات تكون العلاقة بين الأطراف محددة وواضحة في إطار مادي أو مصلحة مباشرة، وغالبًا ما تنتهي العلاقة القانونية بانتهاء النزاع أو تنفيذ الالتزام.
أما قانون الأسرة فهو يتعامل مع نوع مختلف تماما من العلاقات هو لا ينظم تعاقدا عابرا بل ينظم حياة مشتركة تتداخل فيها العاطفة بالمصلحة والواجب بالانتماء والاختيار بالاستمرار الإنساني العلاقة هنا لا تنتهي بالحكم القضائي بل تمتد بعده في صورة أبناء وروابط وذكريات لا يمكن فصلها بسهولة ولا إلغاؤها دون آثار نفسية واجتماعية عميقة.
ولهذا السبب فإن النزاع الأسري ليس نزاعا بين طرفين متخاصمين في معنى تقليدي بل هو اضطراب داخل منظومة حياة قابلة للترميم في كثير من الحالات. فقد يلجأ أحد الأطراف إلى القضاء تحت ضغط لحظة انفعال أو أزمة ثم تهدأ النفوس ويعود التفكير في الاستمرار أو الإصلاح أو إعادة التوازن. وهذا وحده يكشف أن التدخل القانوني في الأسرة يجب أن يختلف في روحه لا في شكله فقط.
من هنا تظهر ضرورة أن يكون قانون الأسرة قانونا يحمل بعدا إنسانيا واضحا لا يكتفي بكونه أداة حسم بل يمتلك قدرة على التهدئة وتقليل التصعيد وإتاحة مساحة لإعادة النظر. قانون لا يُبنى فقط على منطق الحقوق المجردة بل يراعي طبيعة العلاقة الإنسانية التي قد تتأثر بالحكم، وقد تتجاوزه وقد تعود للحياة بعده.لذلك يمكن القول إن قانون الأسرة ينبغي أن يكون قانونا يجمع بين المادة والرحمة المادة لضبط الحقوق ومنع الظلم والرحمة لفهم طبيعة الإنسان داخل علاقة لا تقوم على المصالح فقط بل على الروابط الممتدة. لأن الهدف النهائي ليس فقط إنهاء النزاع بل تقليل خسائره على الجميع وخاصة الأطفال الذين يبقون دائما في مركز التأثر الأول. قانون الأسرة الناجح ليس الذي يحسم الخلاف فقط بل الذي يدرك أن ما ينظمه ليس علاقة قانونية بحتة بل حياة إنسانية معقدة قد تنكسر لكنها لا تنقطع بسهولة وقد تصلح إذا أحسن التعامل معها بوعي يوازن بين العدالة والإنسانية في آن واحد. والله من وراء القصد.