
ما لا يجرمه القانون يقتل بصمت
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
رحم الله كل نفس أرهقها الألم حتى غلبها. نحن لا نملك مفاتيح الجنة، ولا نحيط بما تكتنزه الصدور من أثقال، ولا يبلغ علمنا كيف كانت اللحظة الأخيرة ثقيلة على صاحبها. في مثل هذه المواطن، يتقدم الصمت المتأمل على الأحكام المتعجلة وتغلب الرحمة القسوة، لأن ما خفي من المعاناة أعظم دائما مما ظهر وما سكت عنه الإنسان أوجع مما قال.
عن الواقعة الأخيرة في الإسكندرية، وعن غيرها مما سبقها وما قد يلحقها: هل كانت هي السبب؟ هل كان هو السبب؟ هل نبحث في حقيقة الأمر عن مذنب نعلق عليه ألمنا لنرتاح؟! أم أن السؤال الأصدق، وإن كان أثقل على النفس وأصعب على اللسان هو: كيف بلغت الحياة هذا القدر من القسوة حتى صار بعض الناس لا يجد فيها متسعا للاستمرار؟ وهل ما نراه حوادث متفرقة تطوي كل واحدة منها صفحتها وتمضي أم هي علامات متتابعة على خلل أعمق يتسع في صمت بينما نحن مشغولون بالتعليق والإدانة؟
إن رد المأساة إلى شخص بعينه يريحنا مؤقتا، لكنه لا يفسرها ولا يقترب من جوهرها. الحقيقة لا تختزل في طرف ولا ترى من زاوية واحدة مهما بدت تلك الزاوية واسعة. ما يحدث في عمقه هو تفاعل معقد بين ضغوط اقتصادية خانقة وإيقاع حياة لا يتوقف ولا يرحم ونمط اجتماعي بات يعلي من الصورة على حساب الجوهر حتى وجد الإنسان نفسه محاصرا من الخارج والداخل في آن واحد. وحين يضيق الخارج ويرهق الداخل معا، لا يعود ثمة هواء كاف للتنفس، ولا أرض صلبة يثبت عليها القدم.
لقد تحول العبء الاقتصادي من ظرف طارئ يمر إلى حالة مقيمة لا ترحل. لم يعد الإنسان يخطط لغد أفضل بقدر ما بات يكافح لتأمين حده الأدنى من اليوم. تفاصيل الحياة التي كانت تمر ببساطة ودون حساب أصبحت محكومة بأرقام دقيقة ترهق الذهن قبل أن تنهك الجيب! يفكر المرء مرارا قبل أن يخرج قبل أن يشتري قبل أن يقرر أبسط الأشياء وكأن كل خطوة صغيرة باتت تستلزم محاكمة كاملة. ومع تكرار هذا الحال يوما بعد يوم لا يتراكم العجز المادي وحده بل يتآكل شيء أخطر: الإحساس بالأمان والأمان ليس ترفا تتشاغل به النفوس المنعمة، بل هو الشرط الأول الذي لا قيام للإنسان دونه.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد. فإلى جانب وطأة المعيشة، نشأ ضغط آخر أكثر خفاء وربما أشد إيلاما (ضغط الصورة) لم يعد يكفي أن يعيش الإنسان حياته كما هي بما فيها من نقص وتعب وكسر بل بات مطالبا في صمت وبلا إعلان أن يظهرها على هيئة مغايرة تماما: متماسكا ناجحا قادرا مبتسما حتى لو كان داخله يكابد ما لا يقال ولا يطاق. ومع الوقت تتسع المسافة بين ما يعيشه الإنسان فعلا وما يظهره للناس وتتعمق حتى ينشأ في داخله انقسام مضنٍ: ذات حقيقية تتألم وتتساءل وتتعب وصورة خارجية تجاهد كل يوم لتبدو بخير. يفعل ما لا يريد ويتحمل ما يفوق ما خلق له، فقط ليحافظ على توازنه في عيون الآخرين. وهذا النوع من الإرهاق لا ينهار صاحبه فجأة ولا بصوت عالٍ بل يتآكل ببطء شديد في صمتٍ لا يلفت الانتباه وهو لهذا السبب بالذات أشد أنواع الانهيار غدرا.
ولا يمكن أن نمضي دون أن نقف أمام ما أصاب العلاقات الإنسانية بيننا. فمع اشتداد الضغوط وتصاعدها انشغل كل فرد بمحاولة النجاة بنفسه وأهله ليس لأن الرحمة غابت من القلوب فالقلوب ما زالت تشعر وتتأثر، بل لأن الطاقة على ممارسة الاهتمام تآكلت تحت ثقل الأعباء اليومية. وهنا بالذات يزداد الشعور بالوحدة، وتعلو حتى في حضرة الآخرين وبين أهل البيت وبين الأصدقاء. يقل الاحتواء الحقيقي، وتندر المساحات التي يستطيع فيها الإنسان أن يكون نفسه دون تكلف ودون خشية أن يحكم عليه. والإنسان حين يفقد مكانا واحدا يضع فيه ثقله ويفصح فيه عن ضعفه، يبدأ في أن يحمل كل شيء وحده، وكثيرا ما يكون ذلك أكثر مما تحتمل روح.
ومن هنا يطرح سؤال قانوني وإنساني في آن معا: المسؤولية الجنائية في صورتها التقليدية تبحث عن فعل محدد وفاعل مباشر يمكن الإمساك به ومحاسبته، وهذا حق لا خلاف عليه. لكن الواقع الإنساني في مثل هذه الحالات يطرح ما هو أعمق من ذلك: ماذا عن (البيئة الضاغطة) التي لا تجرمها النصوص لكنها تسهم يوما بعد يوم في دفع الإنسان نحو حافة الانهيار؟ أين نقف نحن جميعا من ضغوط اقتصادية تقيد الإرادة وتضيق الأفق ومن أنماط اجتماعية تستنزف النفس ولا تمنحها شيئا ومن ظروف تجعل الاحتمال عملة نادرة؟ لا نريد هنا أن ننقل المسؤولية من الفرد إلى المجتمع على طريقة المتهربين من الحقيقة بل نريد فهما أوسع وأصدق يدرك أن الإرادة الإنسانية لا تعمل في فراغ بل تعيش داخل سياق بعينه سياق قد يعينها وقد يخذلها في أحلك لحظاتها.
وما نراه ليس لحظة مفاجئة ولا قرارا اتخذ في ثوان، بل هو نهاية طريق طويل جدا من التحمل والصمت. طريق يبدأ بما يبدو هينا: قلق يعود كل ليلة، وضيق يؤجل الاعتراف به، وأشياء يحبها الإنسان يتركها واحدة تلو الأخرى لأن الظروف لا تسمح ثم يتراكم كل ذلك ببطء حتى يصبح ثقلا لا يحتمل. بعض الناس يمتلكون قدرة أطول على المقاومة، وبعضهم تسبقهم طاقتهم الى نهايتها قبل أن يجدوا مخرجا لا لضعف فيهم ولا لقصور بل لأن الحمل كان أكبر مما ينبغي أن يحمله إنسان وحده ودون أن يعينه أحد. والأخطر مما نراه هو ما لا نراه: الشعور الخفي الذي ينتشر بعد كل واقعة ذلك الإحساس الذي يسري في النفوس بأن ما جرى ليس بعيدا كما نحاول أن نقنع أنفسنا لأن جذوره حاضرة في صور مختلفة في حياة كثيرين ممن يبدون أمامنا بخير تام.
لذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح بجدية وأن يجاب عنه بشجاعة ليس: من ندين ومن نبرئ؟ بل: ماذا نراجع في أنفسنا وفي ما حولنا؟ كيف نعيد شيئا من التوازن إلى حياة اختل ميزانها؟ كيف نخفف من وطأة هذا الإيقاع الذي لا يتوقف ولا يمنح أحدا فرصة أن يلتقط نفسه؟ وكيف نستعيد قدرا من البساطة في العيش ومن الصدق مع الذات ومن الرحمة الحقيقية في تعاملنا مع بعضنا، لا الرحمة التي تظهر في التعليقات وتغيب في الحياة؟ لا يحتاج الأمر إلى خطابات عالية أو مبادرات تصور وتنشر، بل يحتاج إلى وعي هادئ وصادق بأن الإنسان، أي إنسان تعرفه أو تمر بجانبه قد يبدو ثابتا راسخا من الخارج بينما هو في داخله يقاوم ما لا يراه أحد. وإذا كانت القوانين تستطيع أن تنظم الأفعال وتردع وتحاسب فإن الرحمة وحدها هي التي تستطيع أن تصل إلى ما وراء الأفعال إلى الألم الذي يسبقها ويولدها. وربما، حين نتعلم أن نحسن الفهم قبل أن نسارع إلى الحكم، وأن نقدم (الرفق قبل أن تحكم القسوة قبضتها) نستطيع أن نغلق بعض تلك الطرق المعتمة التي تنتهي بمثل هذه النهايات المؤلمة، قبل أن تبدأ وقبل أن يسلكها أحد. والله من وراء القصد.