
حدود التصالح بين السرقة والتزوير داخل الأسرة
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
جاءت فكرة هذا المقال في ظل حالة من الجدل القانوني والإنساني أُثيرت عقب واقعة تتعلق بقيام أب بتحريك دعوى جنائية تتصل بتزوير محرر قدم ضمن أوراق دعوى منظورة أمام المحكمة في سياق اتهام يدور حول تقديم (مفردات مرتب) غير صحيحة. وقد بدا المشهد في ظاهره نزاعا أسريا انتقل إلى ساحات القضاء لكنه في جوهره أثار إشكالا أعمق من حدود الخصومة العائلية إشكالا يتعلق بحدود تدخل القانون الجنائي بين ما يمكن احتواؤه داخل الأسرة وما لا يجوز المساس به لأنه يمس الثقة العامة ذاتها.
ومن هنا بدأت الأسئلة لا بوصفها اعتراضا على النصوص بل بوصفها محاولة لفهم فلسفة الاختيار التشريعي: لماذا يجيز القانون في بعض صور السرقة داخل نطاق الأسرة انقضاء الدعوى أو وقف تنفيذ العقوبة بالتنازل وفق ما نظمه (م312 عقوبات) بينما يغلق هذا الباب تماما في جرائم التزوير حتى ولو وقعت بين أقرب الناس نسبا؟ وهل معيار التفرقة هو جسامة الفعل وحدها؟ أم أن الأمر يرتبط بطبيعة الحق محل الحماية ذاته؟ ثم كيف يمكن فهم هذا التباين دون الوقوع في التبسيط المخل أو الخلط بين منطق الأسرة ومنطق الدولة؟
والحقيقة أن الإجابة لا تلتقط من ظاهر النصوص بل من بنيانها الفلسفي، فالقانون الجنائي لا ينظر إلى الجريمة باعتبارها واقعة مادية فقط بل باعتبارها اعتداءً على قيمة اجتماعية يحددها المشرع سلفا. وهذه القيمة قد تكون فردية خاصة وقد تكون عامة تتصل بالنظام العام والثقة القانونية.
فالسرقة في جوهرها اعتداء على المال أي على حق ذي طبيعة خاصة يمكن- في حدود معينة- احتواؤه داخل العلاقات الشخصية. ولهذا لم يتعامل المشرع مع جميع صورها بوصف واحد بل راعى خصوصية السياق الأسري حيث لا يكون النزاع المالي دائما انعكاسا لعداء إجرامي خالص وإنما قد يتداخل مع روابط معيشية معقدة او خلافات عائلية ممتدة أو حتى اضطرابات داخلية في نطاق الأسرة ذاتها.
ومن هذا المنطلق جاء الاستثناء الوارد في (م312 عقوبات) باعتباره تقييدا إجرائيا لا مساسا بالتجريم. فالمشرع لم يُبح الفعل ولم ينزع عنه وصفه الجنائي لكنه قيد تحريك الدعوى في نطاق محدد وأجاز أثر التنازل بما يؤدي إلى انقضاء الدعوى أو وقف تنفيذ العقوبة في الحدود التي رسمها القانون. والغاية لم تكن التساهل مع الاعتداء على المال وإنما تفادي تحويل النزاع الأسري إلى قطيعة قانونية نهائية قد تفوق في آثارها الاجتماعية أثر الجريمة ذاتها.
ومع ذلك، فإن هذا المنطق يتوقف تماما حين ننتقل إلى جرائم التزوير في المحررات سواء كانت رسمية أم عرفية متى قدمت إلى جهة قضائية. فهنا لا نتحدث عن نزاع بين أفراد على مال بل عن اعتداء على فكرة الحقيقة ذاتها في المجال القانوني. فالمحرر أيا كانت طبيعته القانونية حين يستخدم أمام القضاء يصبح أداة في تكوين عقيدة المحكمة وجزءًا من منظومة الإثبات التي يقوم عليها الفصل في الخصومات.
ولهذا، فإن الخطورة في التزوير لا تكمن في الضرر المباشر الذي قد يلحق بطرف معين بل في صناعة واقع قانوني غير صحيح يقدم في صورة الحقيقة فيؤثر في اقتناع القاضي وفي بناء الحكم القضائي. ومن هنا يتجاوز التزوير فكرة النزاع الخاص إلى فكرة المساس بالثقة العامة في وسائل الإثبات ذاتها. ولا يغير من هذا التكييف أن الواقعة قد تقع داخل إطار أسري لأن محل الحماية في جرائم التزوير ليس علاقة الأفراد ببعضهم بل سلامة الحقيقة القانونية في ذاتها. ولذلك استقر الفقه والقضاء على أن هذه الجرائم تمس النظام العام وأنها لا تقبل التصالح أو التنازل ليس تشددا مجردا بل لأن الحق المعتدى عليه لا يملكه فرد حتى يتصرف فيه بالإسقاط أو الصفح.
غير أن هذا لا يعني أن يد القاضي الجنائي مغلولة تماما أمام الاعتبارات الإنسانية. فعدم جواز التصالح لا ينفي سلطة المحكمة في تقدير العقوبة أو استعمال الرأفة وفق (م17 عقوبات) متى رأت من ظروف الدعوى ما يبرر ذلك. فالقانون يفرق دائما بين انقضاء الدعوى من جهة وبين تقدير الجزاء من جهة أخرى وبين سلطان النص وسلطة القاضي في التكييف .ومن واقع العمل القضائي فإن المحكمة لا تنظر إلى أوراق الدعوى باعتبارها مجرد مستندات جامدة بل باعتبارها أدوات لتكوين الحقيقة القضائية. ولذلك فإن إدخال محرر غير صحيح إلى ملف الدعوى لا يعد مجرد خلاف عائلي بل هو مساس مباشر بسلامة وظيفة القضاء ذاته وهو ما يفسر تشدد القضاء في التعامل مع هذا النوع من الوقائع حتى مع وجود روابط أسرية بين الأطراف.
وفي هذا السياق، يمكن فهم الفارق الجوهري بين السرقة والتزوير على نحو أكثر دقة: فالأولى، رغم تجريمها تظل قابلة- في نطاق ضيق- للاحتواء داخل العلاقات الخاصة لأن محلها (مال) يمكن التنازل عنه دون أن يتأثر به البناء العام للنظام القانوني. أما الثانية، فهي تمس (الحقيقة القانونية) ذاتها والحقيقة لا تجزأ ولا تتنازل لأنها ليست ملكا لأحد بل هي أساس عمل العدالة. ومن ثم، فإن المسألة ليست مفاضلة بين جريمة وأخرى من حيث الخطورة المجردة بل تمييز بين مجالين مختلفين: مجال يمكن أن يستوعب الصفح باعتباره جزءًا من التوازن الاجتماعي داخل الأسرة ومجال آخر لا يحتمل التنازل لأنه يتصل مباشرة بسلامة العدالة وبنية الثقة العامة في القانون.
ومن زاوية أخرى لا تقل أهمية، فإن قيام المسؤولية الجنائية في جرائم التزوير لا ينفصل عن توافر القصد الجنائي بعنصريه (العام والخاص) وهو ما يفتح مجالا جوهريا لتمحيص الركن المعنوي في السياقات الأسرية على وجه الخصوص. إذ قد تبرز في بعض الحالات صورة لا ترقى إلى مرتبة (التزوير العمدي) كما إذا قامت الابنة- على سبيل المثال- بتقديم (مفردات مرتب) صادرة عن جهة عملها دون علمها بأي عبث لاحق ببياناتها أو بناءً على اعتقاد جازم بصحة ما ورد بها وحسن نية في الاعتماد عليها أمام جهة رسمية. وفي مثل هذه الصور لا يكفي مجرد تحقق تغيير في الحقيقة المادية لقيام الجريمة بل يتعين أن يثبت اتجاه الإرادة إلى استعمال المحرر المزور مع العلم بتزويره وبنية الغش والتدليس.
ومن ثم، فإن انتفاء نية التزوير- بوصفها القصد الخاص اللازم في هذا النوع من الجرائم- يظل بابا قائما أمام محكمة الموضوع لتمحيص الواقعة في ضوء ظروفها وملابساتها بما قد يرد الفعل من دائرة التجريم المشدد إلى دائرة الخطأ غير الجنائي أو حسن النية متى انعدمت الإرادة الآثمة التي يقوم عليها البناء الجنائي للتزوير. وإلى هنا يبقى الفارق بين السرقة والتزوير فارقا في طبيعة الحق لا في حجم الألم فقط فهناك حقوق يمكن أن يغلقها الصفح دون أن تتأثر فكرة العدالة وهناك حق لا يملكه أحد أصلا لأنه ليس حقا فرديا بل هو جزء من يقين المجتمع بأن ما يعرض على القضاء يجب أن يظل حقيقة لا احتمالا وصدقا لا صناعة. والله من وراء القصد.