ضوابط الدليل التقنى فى الدعوى الجنائية. متى يكون صالحًا للإدانة؟

بقلم الدكتور / أحمد سمير اللويزى ـ المحامى ـ دكتوراه فى القانون الجنائى كلية حقوق جامعة عين شمس

أصبح الدليل التقني اليوم من أهم وسائل الإثبات في القضايا الجنائية، خاصة في جرائم الابتزاز الإلكتروني، والاحتيال، والتهديد، والجرائم المعلوماتية. إلا أن التطور التكنولوجي لا يعني أن كل دليل رقمي يصلح بذاته لإقامة الإدانة، فالقانون لا يعتد بالدليل لمجرد وجوده، وإنما بسلامة مصدره، ومشروعية الحصول عليه، وصحة نسبته إلى المتهم.

فالأصل أن الدليل التقني، شأنه شأن أي دليل آخر، يخضع لرقابة المحكمة من حيث المشروعية والقيمة في الإثبات، ولا يكتسب حجية مطلقة، بل يجب أن تتوافر فيه مجموعة من الضوابط القانونية والفنية حتى يكون صالحًا لبناء حكم جنائي.

ومن أهم هذه الضوابط أن يكون الدليل قد جُمع وفق الإجراءات التي رسمها القانون، وألا يكون وليد إجراء باطل أو مخالف للضمانات الدستورية، وأن يثبت سلامة الأجهزة أو الوسائط الإلكترونية التي استُخرج منها، مع الحفاظ على محتواها من العبث أو التعديل أو الإضافة أو الحذف.

كما يجب أن يثبت الإسناد الفني، وهو الحلقة التي تربط الدليل الرقمي بالمتهم، فلا يكفي وجود محادثات أو صور أو ملفات إلكترونية، بل يجب أن يثبت فنيًا أن المتهم هو من استخدم الحساب أو الهاتف أو الجهاز محل الاتهام، وأنه هو من أنشأ أو أرسل أو استقبل المحتوى محل الدعوى.

ولا يغني الدليل التقني عن اقتناع المحكمة، إذ يظل خاضعًا لمبدأ حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته، شريطة أن يكون هذا الاقتناع مؤسسًا على أسباب سائغة، وأدلة متساندة، لا يشوبها تناقض أو قصور أو فساد في الاستدلال.

وقد استقر القضاء على أن الأحكام الجنائية لا تُبنى على الاحتمالات أو الافتراضات التقنية، وإنما على أدلة يقينية تثبت الواقعة ونسبتها إلى المتهم بما لا يدع مجالًا لشك معقول، فإذا ثار الشك في سلامة الدليل التقني، أو في مشروعية الحصول عليه، أو في صحة نسبته إلى المتهم، فإن هذا الشك يفسر لمصلحته، التزامًا بأصل البراءة ومبدأ الشرعية الجنائية.

إن الدليل التقني يمثل وسيلة متطورة للإثبات، لكنه لا يعلو على الضمانات القانونية، ولا يُعفي سلطة الاتهام من عبء تقديم دليل مشروع، سليم، ومكتمل الأركان، يطمئن إليه وجدان المحكمة ويكفي وحده أو مع غيره لتكوين عقيدة يقينية بالادانة.

زر الذهاب إلى الأعلى