الحق في نقد حكام المباريات

مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة -المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي
شهدت بطولة كأس العام لكرة القدم 2026م، التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، العديد من التصريحات المثيرة للجدل ضد الحكام. وكان الألماني توماس توخيل، المدير الفني لمنتخب إنجلترا، من أبرز المنتقدين للتحكيم خلال البطولة، وذلك عقب فوز منتخب بلاده على المكسيك في دور الستة عشر، وهي المباراة التي شهدت طرد المدافع جاريل كوانساه، ووصف توخيل أداء الحكم بأنه «غير مقبول»، معتبراً أن قراراته اتسمت بعدم الثبات، كما انتقد تعامل الحكام المساعدين مع الأجهزة الفنية، مؤكداً أن ما حدث خلال المباراة لا يليق بمستوى بطولة كأس العالم.
وشهدت مباراة مصر والأرجنتين في دور الستة عشر واحدة من أكثر الحالات إثارة للجدل، بعدما وجّه المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن انتقادات قوية إلى الحكم الفرنسي فرانسوا ليتكسييه. فعقب صافرة نهاية المباراة، وجّه المدير الفني للمنتخب والمدير الإداري انتقادات لاذعة إلى الحكم الفرنسي، متهمين إياه بالتحيز لصالح المنتخب الأرجنتيني. كما حمّل المدير الفني حسام حسن القرارات التحكيمية مسؤولية خروج فريقه من البطولة. ووجّه اللاعب مصطفى زيكو انتقادات حادة إلى الحكم في مقابلة إعلامية عقب اللقاء، معتبراً أن بعض القرارات لم تكن منصفة للمنتخب المصري.
Mark Gleeson, Egypt coach blasts refereeing and turns his back on World Cup, Reuters, July 8, 2026.
وانضم المدافع السويسري مانويل أكانجي إلى قائمة المنتقدين بعد خسارة منتخب بلاده أمام الأرجنتين في الدور ربع النهائي. وأوضح أكانجي أن فريقه شعر بأن جميع القرارات الصغيرة جاءت ضده، بينما لم تُعاقب الأخطاء المرتكبة من جانب المنافس، مؤكداً أنه نادراً ما يتحدث عن التحكيم، لكنه لم يشهد – بحسب وصفه – مباراة بهذا القدر من الانحياز.
والأمر نفسه ينطبق على المدير الفني لمنتخب كرواتيا، بعد خسارة فريقه في دور 32 أمام المنتخب البرتغالي، حيث انتقد ما وصفه ﺑـ «التحكيم السيء».
راجع:
Croatia coach Dalic slams ‘bad refereeing’ in 2-1 loss to Portugal, The Straits Times, Published Jul 03, 2026.
وفي مواجهة هذه التصريحات، تعمد الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» تأجيل أي إجراءات تأديبية إلى ما بعد نهاية منافسات كأس العالم، في خطوة كان الهدف من ورائها هو تجنب التأثير على سير البطولة، على أن تُدرس جميع الحالات استناداً إلى تقارير الحكام والوقائع المرتبطة بكل مباراة. وفي التاسع عشر من شهر أكتوبر 2026م، فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عقوبة الإيقاف لمدة ثلاث مباريات على كل من المدير الفني للمنتخب والمدير الإداري ولمدة خمس مباريات على اللاعب مصطفى زيكو. وقد جاءت هذه العقوبات، وذلك على الرغم من إجماع وسائل الإعلام الأجنبية على وصف ما صدر عن المدير الفني واللاعب بأنه محض «انتقاد» أو «لوم»، ولم يصل الأمر إلى حد «الإهانة». راجع على سبيل المثال:
Dan Sheldon, Egypt coach receives three-match ban for referee criticism after World Cup loss to Argentina, The New York Times, Oct. 20, 2026.
FIFA suspends coach Hassan and forward Zico for three and five matches, Reuters, October 20, 2026.
وقد استندت العقوبات إلى المادتين 13 (السلوك المسيء وانتهاك مبادئ اللعب النظيف) و14 (سوء سلوك اللاعبين والمسؤولين) من ميثاق الانضباط الخاص بالاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)؛ وذلك على خلفية تصريحات مصطفى زيكو بأن المباراة كانت «مُتلاعباً بها»، وما ذكره حسام حسن في مؤتمر صحفي حول تعرض مصر لـ «ظلم غير عادل».
rulings are legally grounded in Articles 13 (“Offensive behaviour and violations of the principles of fair play”) and 14 (“Misconduct of players and officials”) of the FIFA Disciplinary Code, triggered by Mostafa Zico’s statements that the game was “rigged” and Hossam Hassan’s press conference asserting that Egypt was “cheated unfairly”.
وعلى الصعيد الوطني، وفي يوم الأحد الموافق الحادي عشر من شهر أكتوبر سنة 2026م، وضمن منافسات الجولة السادسة من بطولة الدوري المصري الممتاز لكرة القدم (دوري ORA)، وعلى أرض استاد القاهرة الدولي، أقيمت المباراة التي يُطلق عليها إعلامياً وشعبياً «مباراة القمة» بين الأهلي والزمالك، والتي انتهت بفوز نادي الأهلي بهدفين مقابل لا شيء.
وبعد انتهاء المباراة، وتحديداً في يوم الاثنين الموافق الثاني عشر من شهر أكتوبر 2026م، وعلى صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، كتب شيكو بانزا (Chico Banza)، لاعب الفريق الأول لكرة القدم بنادي الزمالك ما يلي:
Isto não é arbitragem, é um escândalo! Erros grosseiros e decisões vergonhosas que destruíram o jogo e roubaram o protagonismo aos jogadores. Uma verdadeira catástrofe que mancha o futebol!
وترجمة هذه العبارات المكتوبة باللغة البرتغالية إلى اللغة العربية هي كما يلي: «هذا ليس تحكيماً، بل فضيحة أخطاء جسيمة وقرارات متعمدة تدمر اللعبة وتسرق الأضواء من اللاعبين.. كارثة حقيقية تشوه كرة القدم».
وتعليقاً على ذلك، وفي يوم الخميس الموافق الخامس عشر من شهر أكتوبر 2026م، وعلى صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، كتب الأستاذ عامر العمايرة، خبير اللوائح الرياضية: «لجنة المسابقات برابطة الأندية المحترفة تتجاهل تطبيق البند 22 من لائحة المخالفات والعقوبات ونظام ضبط الجودة على ما نشره الأنجولي شيكو بانزا لاعب الزمالك». وأضاف الأستاذ عامر العمايرة أنه: وفقاً للائحة المخالفات والعقوبات ونظام ضبط الجودة لرابطة الأندية، تصريح شيكو بانزا عقوبة إيقاف مباراة و40 ألف جنيه غرامة.
وبالاطلاع على البند الثاني والعشرين من لائحة المخالفات والعقوبات ونظام ضبط الجودة لرابطة الأندية المصرية، نجده يحدد نوع المخالفة بأنها «السب أو الإساءة أو التشهير باتحاد الكرة أو منتسبيه أو لجانه العاملة أو رابطة الأندية المحترفة أو أياً من منتسبيها عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة أو موقع التواصل الاجتماعي أو المواقع الالكترونية أو المؤتمرات الصحفية الخاصة بالمباريات أو أي وسيلة أخرى». أما فيما يتعلق بالعقوبة المقررة لهذه المخالفة، فتميز اللائحة بين ما إذا كان المخالف أحد أعضاء الجهاز الفني والطبي والإداري أو كان أحد اللاعبين. ففيما يتعلق بأعضاء الجهاز الفني والطبي والإداري، تكون العقوبة المنع من مرافقة الفريق مباراة واحدة والغرامة المالية أربعين ألف جنيه في المرة الأولى والمنع من مرافقة الفريق مباراتين والغرامة ستين ألف جنيه في المرة الثانية والمنع من مرافقة الفريق ثلاث مباريات والغرامة المالية ثمانين ألف جنيه في المرة الثالثة، وتضاعف عقوبة الإيقاف والعقوبة المالية في المرة الرابعة. أما فيما يتعلق باللاعبين، فتكون العقوبة الإيقاف مباراة واحدة والغرامة المالية أربعين ألف جنيه في المرة الأولى، والإيقاف مباراتين والغرامة المالية ستين ألف جنيه في المرة الثانية، والإيقاف ثلاث مباريات والغرامة المالية ثمانين ألف جنيه في المرة الثالثة، وتضاعف عقوبة الإيقاف والعقوبة المالية في المرة الرابعة.
وبإمعان النظر في نص البند الثاني والعشرين من اللائحة، نجد أن السلوك المخالف يتخذ صوراً ثلاثة، وهي: السب، أو الإساءة، أو التشهير. ويمكن الاستعانة في تفسير هذه المصطلحات الثلاثة بما ورد في أحكام القضاء المصري والمقارن بشأن الجرائم التعبيرية، وعلى رأسها السب والقذف والإهانة. ولكن، التساؤل يثور عما إذا كانت العبارات المنسوبة إلى اللاعب شيكو بانزا تندرج ضمن حدود النقد المباح، ولا تشكل بالتالي مخالفة تستوجب المساءلة والعقاب.
والواقع أن هذه الواقعة قد جاءت بعد حوالي ثلاثة أشهر من صدور حكم مهم للمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في قضية (De Carvalho Marques and Others v. Portugal). ففي يوم الثلاثاء الموافق السابع من شهر يوليو 2026م، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن انتقاد حكام كرة القدم أو حتى توجيه الإهانات إليهم يندرج ضمن حرية التعبير، إلا أن اتهامهم بالفساد أو التلاعب بالمباريات من دون أدلة يتجاوز حدود الحماية التي يكفلها القانون. وبذلك، تكون المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان قد أقرت مبدأً متوازناً بشأن حرية التعبير في المجال الرياضي (المادة 10 من الاتفاقية)، ويتلخص هذا المبدأ في عنصرين: أولهما، يحدد نطاق النقد المقبول، حيث تؤكد المحكمة أن العاملين في الأندية الرياضية والإعلام الرياضي يتمتعون بحق واسع في انتقاد أداء الحكام والمنظومة التحكيمية؛ نظراً لأن ذلك يدخل في صميم المصلحة العامة، ويتبعه اهتمام جماهيري واسع بالنزاهة الرياضية ومكافحة التلاعب المحتمل. أما ثانيهما، فيحدد المعيار الفاصل بين تقييم الأداء والاتهامات الجنائية. وبناء على هذا المعيار، إذا بقيت الانتقادات ضمن نطاق «الأحكام التقييمية» (Value Judgments) المتعلقة بمستوى الأداء المهني للحكام خلال المباريات، فإن فرض عقوبات تأديبية يمثل انتهاكاً لحرية التعبير (كما في إحدى الطلبات). أما إذا تجاوزت التصريحات حد النقد المشروع لتصل إلى اتهامات خطيرة ضمنية بارتكاب جرائم جنائية أو تلاعب ممنهج تفتقر إلى سند وقائعي كافٍ ومثبت، فإن فرض العقوبات التأديبية من قبل الهيئات الرياضية والوطنية يُعد تدخلاً مشروعاً لحماية سمعة الآخرين واستقرار النظام العام الرياضي، ولا يشكل انتهاكاً للاتفاقية بشرط التزام المحاكم الوطنية بإجراء ميزان دقيق بين المصالح المتعارضة.
وقد صدر هذا الحكم بمناسبة الدعاوى المرفوعة من نادي بورتو البرتغالي واثنين من مسؤوليه السابقين، طعناً في عقوبات فرضتها السلطات والهيئات الكروية البرتغالية بسبب تصريحات ومقالات نُشرت في وسائل إعلام مملوكة للنادي. وتضمنت تلك المنشورات انتقادات حادة لحكام بأسمائهم ولنظام التحكيم البرتغالي بشكل عام، عقب مباريات جمعت نادي بورتو بغريمه التقليدي نادي بنفيكا.
وفي هذا الحكم، رفضت المحكمة الأوروبية معظم دفوع نادي بورتو، مؤكدة أن القضايا تضمنت «اتهامات بالفساد والتلاعب بالمباريات»، ولا تستند إلى أساس واقعي. وقالت المحكمة في حيثيات الحكم إن «الأخطاء أو المخالفات التحكيمية، حتى إن كانت عديدة أو متكررة، لا تشكل وحدها دليلاً كافياً على وجود مخطط كما ادعى مقدمو الطلبات»، مضيفة أن «هذه الاستنتاجات والافتراضات نُقلت إلى الجمهور من دون حد أدنى من الأساس الوقائعي». وأشارت أيضاً إلى أن المحاكم البرتغالية وصفت بعض تلك الادعاءات بأنها «نظريات مؤامرة».
وفي المقابل، انحازت المحكمة إلى صحيفة «دراغوش دياريو» التابعة للنادي والتي عوقبت بسبب مقال نشر عام 2019م عقب فوز بنفيكا على فييرينسي 4 – 1، وصف فيه أحد مسؤولي تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) بأنه «يفتقر إلى الحياد»، وأن مسيرته التحكيمية «كانت مليئة بقرارات لا يمكن الدفاع عنها»، وأنه واصل «النهج المخزي نفسه» بعد انتقاله للعمل في تقنية الفيديو. ورأت المحكمة أن هذه العبارات تندرج ضمن الانتقادات المقبولة في سياق كرة القدم، معتبرة أنها «أحكام تقييمية بشأن أداء حكم»، وأن مثل هذه التعليقات «شائعة في عالم كرة القدم، حيث تؤدي أحداث المباريات غالباً إلى تفسيرات وآراء متباينة تتأثر بالانتماءات للأندية». وأضافت المحكمة أن «طبيعة عمل الحكام في البطولات الكبرى تجعلهم عرضة لمستوى أعلى من النقد مقارنة بالأفراد العاديين، مشيرة إلى أنهم «يخضعون لقدر من الظهور العلني، ومن ثم يمكن أن يتحملوا حدوداً أوسع من الانتقاد المقبول». وبناءً على ذلك، رأت المحكمة أن العقوبات التي فرضتها البرتغال على تلك التصريحات انتهكت المادة العاشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان الخاصة بحرية التعبير، وأمرت السلطات البرتغالية برد غرامة مقدارها 15.300 يورو (نحو 17.500 دولار أميركي)، إضافة إلى تغطية التكاليف القضائية.
وجدير بالذكر في هذا الصدد أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هي هيئة قضائية دولية تختص بالنظر في النزاعات المتعلقة بانتهاكات الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في الدول الـ46 الموقعة عليها.
وبتطبيق المعايير التي قررتها المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان بشأن حدود النقد المباح لحكام المباريات، يبدو سائغاً القول إن العبارات المنسوبة للاعب الأنجولي شيكو بانزا لا تقع تحت طائلة العقاب، وتندرج ضمن حدود النقد المباح. ويمكن أن يكون الحكم الصادر من المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان أحد العناصر المهمة التي يمكن أن يستفيد منها الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني لكرة القدم، وشقيقه إبراهيم حسن واللاعب مصطفى زيكو ضد القرارات الصادرة ضدهم من لجنة الانضباط بالاتحاد الدولي لكرة القدم، على خلفية اتهاماتهم لحكم مباراة مصر والأرجنتين ضمن منافسات دور الستة عشر في بطولة كأس العالم لكرة القدم – أمريكا وكندا والمكسيك 2026.
بقي أن نشير أخيراً إلى أنني فضلت اختيار عبارة «الحق في نقد حكام المباريات» عنواناً لهذا المقال، وذلك على الرغم من أن العديد من الكتابات الصحفية العربية والأجنبية قد اختارت عبارة أكثر شدة لوصف الحكم الصادر عن المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، بحيث رأت فيه إقراراً للحق فيما أسمته «إهانة حكام المباريات». راجع على سبيل المثال:
جريدة الشرق الأوسط، الرياض، 7 يوليو 2026م الموافق 22 مُحرَّم 1448 هـ، خبر تحت عنوان: محكمة أوروبية تعد انتقاد أو إهانة حكام كرة القدم حقاً تكفله «حرية التعبير».
جريدة الراية، قطر، الأربعاء الموافق 8 يوليو 2026م، خبر تحت عنوان «طالبتهم بتحمل الانتقاد المقبول.. المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: انتقاد أو إهانة حكام الكرة حق تكفله حرية التعبير!، اتهامهم بالفساد أو التلاعب بالمباريات من دون أدلة يتجاوز حدود الحماية التي يكفلها القانون».
وراجع باللغة الانجليزية:
Insulting referees is a right, rules European court, The Straits Times, Published Jul 07, 2026.
Insulting referees is a right, rules European court, The judges said abuse comes with the job, Courthouse News Service, July 7, 2026.
وفي اعتقادنا أن استخدام لفظ «إهانة» يبدو متجاوزاً بعض الشيء، ولا يسوغ استخدامه، وثمة فاصل دقيق بين النقد والإهانة.
Mark Gleeson, Two Guinea players banned for insulting referee at Africa Cup of Nations, Reuters, December 31, 2025.
زر الذهاب إلى الأعلى