
التحالفات الاقتصادية للشركات «الكونسورتيوم» في ضوء الواقع القانوني دولياً ومحلياً
بقلم الدكتور/ محمد طرفاوى محمد المحامى بالنقض
شارك في إعداد المقال الاستاذ/ عبدالرحمن حسنين إبراهيم
التحالفات الاقتصادية شكل من أشكال التعاون الاقتصادي بين الشركات لتحقيق أهداف مشتركة، أو الإشراف على مشروع واحد، وتهدف إلى الحفاظ على وحدة المسئولية مع تنوع مسئولي التنفيذ، وترتيباً على ما تقدم تعددت أشكال التعاون الاقتصادي ما بين عقود دولية لها طابع متعدد الجنسيات وعقود محلية لها طابع متعدد المهام، وفي كلا الحالتين يكون الهدف واحداً ومحدداً، وهو اتمام مشروع واحد.
تحالف الكونسورتيوم أداة قانونية فعالة لمواجهة المشروعات الكبري التي تحتاج في صياغتها إلى تواجد عدة كيانات كبيرة تقوم بتنفيذ المشروع، وكلمة “Consortium” مصطلح لاتيني الأصل، يستخدم باللغتين الإنجليزية والفرنسية، ويعني “تحالف” أو “شراكة مؤقتة”؛ حيث يشيرُ في عالم الأعمال إلى تحالف عدة شركات أو كيانات قانونية، لتوحيد جهودها في مشروع محدد، لفترة زمنية معينة، وبعد الانتهاء من المشروع يحل المتحالفون هذا التحالف؛ والهدف من عقود الكونسورتيوم هو تحقيق التكامل بين الشركات المختلفة، للاستفادة من خبراتها المشتركة، وتوزيع المخاطر بينها، خاصة في المشاريع التي تفوق قدرات أي شركة بمفردها؛ كمشاريع بناء المطارات، أو السدود، أو محطات الطاقة النووية، والتي تتطلب تمويلًا ضخمًا، وتكنولوجيا معقدة. (أنظر مقالنا المنشور بالموقع الرسمي لنقابة المحامين المصرية بتاريخ 17/8/2025 الطبيعة القانونية لعقد الكونسورتيوم)
وبالبناء على ما تقدم نجد أن اتحاد الكونسورتيوم يمكن أن يتخذ شكلين وهما: الكونسورتيوم الأفقي والكونسورتيوم الرأسي، أما عن الكونسورتيوم الأفقي فهو قيام جميع الشركات بتوقيع العقد مع الجهة المتعاقدة وبذلك يكون الجميع مسئول مباشرة عن جميع الالتزامات ومتمتعاً بالحقوق الواردة له في هذا التعاقد، ويمكن أن تكون المسئولية تضامنية في هذه الحالة، أما عن الكونسورتيوم الرأسي فهو قيام طرف واحد بالتوقيع مع الجهة المتعاقدة ومن ثم تكون جميع الحقوق والالتزامات على عاتقه ثم يقوم هذا الطرف ذاته بالتوقيع مع آخرين لتكوين الاتحاد مع الحفاظ على طبيعة تعاقدية محددة وهي مسئولية الطرف الموقع على العقد حال عدم الإذن له بالتوقيع مع الغير أو بتكوين اتحاد الكونسورتيوم، أو تعدد المسئوليات حال الإذن له أو موافقة الجهة المتعاقدة على تكوين الاتحاد بعد التعاقد.
يمثل الاندماج في مشروع واحد اندماجاً بين الشركات في هذا المشروع فقط، فلا يمثل بحال من الاحوال إندماجاً عاماً بين الشركات أو انصهار الشخصية المعنوية المستقلة لكل شركة في هذا الاتحاد، وفي القانون المصري نجد أن المشرع المصري ارتكن إلى القواعد العامة في تحديد الطبيعة القانونية لهذا النوع من العقود، فنصت المادة (147) من القانون المدني على أن العقد شريعة المتعاقدين، وبذلك أصحبت عقود الكونسورتيوم صورة من صور العقود العامة.
وفي ذلك قضت محكمة النقض بأن” الأصل في العقود تغليب مبدأ سلطان الإرادة لذلك يعتبر العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق.” (الطعن رقم 11310 لسنة 65 ق – جلسة 22/1/2008- مدني)
وكما جاء بنص المادة (146) من القانون المدني مؤكداً أن الحقوق الشخصية تنتقل إلى الخلف الخاص، وأن الخلف الخاص يتحمل تلك الحقوق والالتزامات وقت توقيع العقد أي في وقت ثبوت تعاقده، (السنهوري – الجزء الاول – المجلد الاول – صفحة 461 تنقيع المستشار المراغي طبعة 2024) وكما ورد الحكم في مصادر الالتزام، أوردت أحكام الالتزام معالجة تنفيذه فنصت المادة (303) من القانون المدني على أن” يكون الدين مشتركاً بين عدة دائنين إذا نشأ من سبب واحد وكان غير متجزئ إما لوحدة الصفقة أو لسبق الاشتراك في المال الذي نشأ عنه الدين.”
وبذلك فقد أوجد القانون المصري أحكاماً عامة تنظم عقود الكونسورتيوم قبل أن توجد على أرض الواقع، ولا يفوتنا في هذا المسار أن نوضح أن أحكام القانون المدني هي الشريعة العامة حال عدم وجود نص في القوانين الخاصة ومنها القانون التجاري، مما مفاده انطباق أحكامه حال خلو التشريعات من نصوص منظمة لكونه المعيار العام في التشريع، ولما كانت مصادر الالتزام وأحكام الالتزام قد تكفلت بمعالجة فكرة الاتحاد المذكور قبل وجوده عملاً فهي الحاكمة لبنوده ونصوصه.
تحتاج الفكرة إلى بحث أعمق بالتأكيد لاسيما فيما يخص طبيعة اتحاد الكونسورتيوم القانونية، ولكن العرض المقالي الموجز يحدد الفكرة ويحاول معالجة آثارها ومشكلاتها من منظور عام مجرد غير مفصل، تمهيداً لتكوين أبحاث متعمقة حول هذا الموضوع، والمعالجة المطروحة أعلاه هي معالجة اتحاد الكونسورتيوم المحلي ونتناول الان الاتحاد الدولي.
الاتحاد الدولي هو اتحاد عدة شركات متعددة الجنسيات في عقد واحد لتنفيذ مشروع واحد بشكل أفقي او رأسي، وهنا تخرج أحكام القوانين المحلية من معطيات القانون الواجب التطبيق على أرجح الحالات إلى أحكام دولية، ومنها قواعد غرف التجارة المختلفة، كغرفة تجارة باريس أو غيرها، لاسيما مع انتشار قواعد التجارة الحرة، وهنا يأتي دور قاعدة الإسناد في تحديد القوانين الواجبة التطبيق وكيفية تسوية المنازعات، فظهر القانون الدولي الخاص كوسيلة لجمع هذه النظم في داسات قانونية وافية لتحديد القواعد الواجبة الاتباع والقوانين الواجبة التطبيق.
وفي جميع الحالات تُعد عقود الكونسورتيوم عقوداً رضائية في مجملها، ما يعنى أن أحكامها تخضع لاتفاق الطرفين، مع مراعاة ضابط الإسناد وهو المعيار الموضوعي لتحديد القانون الواجب التطبيق، وهنا لنا وقفه.
يُمكن القول بأن تحديد قواعد الإسناد في المنازعات الدولية بعقود الكونسورتيوم يَخضع لنظرية بارتان في إخضاع التكييف لقانون القاضي على أساس فكرة السيادة التشريعية لدولة القاضي إذ أن قواعد الإسناد إنما هي قواعد وطنية والتكييف القانوني صعوبة تعترض هذه القواعد ولذلك من الطبيعي أن تُحَل هذه الصعوبة وفقاً للقواعد الوطنية لتعلق ذلك بسيادة الدولة التشريعية، مع مراعاة الاستثناءات المقررة على هذه النظرية من فكرة تكييف المال حيث يَخضع لموطنه، وتكييف العقود حيث يخضع لقانون الإرادة وعلى ذلك يمكن لعقود الكونسورتيوم أن تتحل كلياً من قواعد النظرية إذا اتفق الأطراف على ذلك، كما أن التكييف اللاحق لقواعد الإسناد – أي بعد نشأة النزاع – يدخل في إطار اتفاق المتعاقدين. (دكتور/ أبوالعلا النمر – تنازع القوانين والاختصاص القضائي الدولي – طبعة كلية الحقوق جامعة عين شمس – صفحة 10 وما بعدها)
وفي هذا السياق نستعرض طريقة صياغة العقد وطريقة تحديد قواعد الإسناد بشأنه، وفي مجموعها تُشكل أهدافاً واضحة لكيفية تسوية المنازعات بطريقة ودية دون اللجوء لوسائل التقاضي طويلة الأمد، فنكون كمن أراد الوقوف على القانون الواجب التطبيق لتحديد معايير الوسائل البديلة لتسوية المنازعات الخاضعة لأحكامه، وكذلك شروط وإجراءات اللجوء إليها طبقاً للقانون الواجب التطبيق.
الواقع حالياً يسير بنا إلى فكرة الازمة العالمية ويجب مواجهة هذه الأزمة في العقود المختلفة:
يتلاحظ في هذا الشأن الخضوع مباشرة لقواعد الاتفاق بين الأطراف، فعلى سبيل المثال لو اتفق الأطراف على الخضوع لشروط مركز محدد للتحكيم أو قواعد منظمة معينة كمنظمة التجارة العالمية، تسرى أحكام هذه القواعد كاملة على العقد فيما يخص الوسائل البديلة، وفي حالة وجود قاعدة إسناد أخري يجب الإرتكان إليها، وبالكلية يجب على جميع أطراف الكونسورتيوم النظر في العقود والظروف الاقتصادية الحالية ومراجعة العقود كإجراء احترازي للأزمة، ويمكن القول أن الوسائل البديلة ومنها الوساطة هي المعيار الحاسم في حماية الاتحاد من الإنهيار ، وقد أوردنا في مقال سابق بالموقع الرسمي لنقابة المحامين أحكاماً تفصيلية حول قواعد الإسناد في حالة اللجوء لأحكام الوساطة.