التأديب البدني للنشء الرياضي بين الإباحة والتجريم

مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة -المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي
ما دفعني للبحث في هذا الموضوع هو حدوث بعض وقائع ضرب النشء في الملاعب الرياضية المصرية، والتي كان آخرها ما أثير بشأن صفع الناشئة زينة فاروق على يد مدربها أثناء بطولة أسبوع الأمل العالمي تحت 12 عاماً، والتي أقيمت في مدينة شيفيلد البريطانية. وقد أثارت الواقعة انقساماً في ردود الفعل بعد خروج والدة اللاعبة للدفاع عن المدرب. وقالت في مقطع فيديو إن الواقعة المتداولة أُسيء تفسيرها، مضيفة أن المدرب كان يحاول فقط لفت انتباه اللاعبة وليس الاعتداء عليها، ومؤكدة أنه يشرف على تدريب ابنتها منذ سنوات ويعاملها «كأنها ابنته، ولم يسبق أن أساء معاملتها».
وقد فتحت الواقعة نقاشاً واسعاً حول ثقافة التدريب في الرياضة المصرية؛ إذ يرى منتقدون أن أساليب التوبيخ البدني أو اللفظي بحق الرياضيين الناشئين كثيراً ما يتم التساهل معها بدعوى السعي إلى تحقيق الإنجازات، وهو ما أعاد المطالبة بتعزيز آليات حماية الأطفال والرياضيين الصغار من أي أشكال الإساءة أو سوء المعاملة.
وفي هذا الشأن، تجدر الإشارة إلى أن فقهاء القانون الجنائي العربي يتناولون «تأديب الصغار»، معتبرين إياه أحد تطبيقات «استعمال الحق» كسبب من أسباب الإباحة (راجع على سبيل المثال: د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة السادسة، 1989م، ص 173 وما بعدها؛ د. محمود نجيب حسني، أسباب الإباحة في التشريعات العربية، سنة 1962، ص 111؛ د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات، القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة السادسة، مطورة ومحدثة، 2015م، رقم 208، ص 412؛ د. عبد الرءوف مهدي، شرح القواعد العامة لقانون العقوبات، دار النهضة العربية، القاهرة، 2011م، ص 695 و696؛ د. أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 2019- 2020، طبعة منقحة ومعدلة، ص 119؛ د. عمر سالم، شرح قانون العقوبات المصري، القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 2010م، رقم 125 و126، ص 213 و214؛ د. شريف سيد كامل، قانون العقوبات الاتحادي، القسم العام، النظرية العامة للجريمة والنظرية العامة للجزاء الجنائي، مطبوعات جامعة الجزيرة، دبي، 2009م، رقم 230، ص 231 و232). وفي اعتقادنا أن ذلك يشكل اتجاهاً تقليدياً لا يتناسب مع الاتجاهات التشريعية الحديثة في هذا الشأن، ولاسيما ما تقرره التشريعات من حظر التأديب في المدارس بما ينسحب أثره على حظر العقاب البدني في كل حالات تأديب الصغير.
وعلى هذا النحو، تتضح خطة الدراسة في الموضوع الذي نحن بصدده، كما يلي:
المطلب الأول: وقائع ضرب النشء في الملاعب الرياضية المصرية.
المطلب الثاني: مذهب الفقه الجنائي التقليدي.
المطلب الثالث: حظر التأديب البدني للصغار في التشريعات الحديثة.
المطلب الأول
وقائع ضرب النشء في الملاعب الرياضية المصرية
كما سبق أن قلنا، تعددت وقائع الضرب والتعدي على اللاعبين الناشئين في الملاعب الرياضية، الأمر الذي يبدو جلياً من خلال العرض التالي:
بلاغ من ولي أمر ضد مدرب سباحة بالتعدي على نجله بالضرب
في شهر أغسطس سنة 2015م، تقدم مستشار بالنيابة الإدارية بدمياط، ببلاغ إلى قسم شرطة رأس البر ضد «م. غ» مدرب سباحة، اتهمه فيه بالتعدي على نجله بالضرب وإصابته بجروح في وجهه بنادي رأس البر الرياضي. وبدورهم، دخل مدربو السباحة بالنادي في إضراب، اعتراضاً على تقدم المستشار ببلاغ ضد كابتن الفريق، متهمين مقدم البلاغ بالتعدي عليهم لفظياً بحسب قولهم. وقال أحد مدربي السباحة بالنادي إنهم فوجئوا بأن عدداً من الأطفال يلعبون بشكل غريب ويقذفون أدوات السباحة، وعندما حاول زميله المدرب «م. غ» منعهم أكثر من مرة، قالوا: «إحنا أولاد المستشار ونلعب زي ما أحنا عايزين إحنا داخلين النادى بفلوسنا»، فاضطر المدرب إلى طردهم، خاصة وأنهم كانوا يقفون بساحة التدريب. وأضاف المدرب أن والد الأطفال انهال بالسباب على المدرب المبلغ ضده وحاول تسليمه للشرطة، وتوجهت قوات الأمن لضبط المدرب على مرأى ومسمع من الجميع، متهماً مقدم البلاغ بإهانتهم، ومطالباً بالتحقيق العادل في الواقعة، كما هدد المدربين بالتصعيد اعتراضاً على إهانة زميلهم (راجع: جريدة الوطن، القاهرة، الخميس الموافق 27 أغسطس 2015م، خبر تحت عنوان «مستشار بالنيابة الإدارية بدمياط يتهم مدرب سباحة بالتعدي على نجله»).
مدرب حراس مرمى يصفع لاعباً ناشئاً على وجهه
في شهر أبريل سنة 2016م، تلقى أحد الصحفيين الرياضيين المصريين رسالة من والد أحد اللاعبين الناشئين، والذي كان يلعب حارس مرمى فريق نادى الزمالك مواليد 2006، والمقيد باتحاد كرة القدم (منطقة الجيزة) تحت رقم 920122 بتاريخ الثامن من ديسمبر 2015م. وقد بدأت هذه الرسالة بالسؤال التالي: هل الصفع والضرب على الوجه شيء عادي؟! ثم يستطرد مرسل الرسالة، قائلاً: لقد تلقيت الإجابة عن هذا السؤال من مسئولين في نادى الزمالك حيث قالوا «وايه يعنى أيوه ده عادي!».
وتبدأ القصة، كما يقول والد اللاعب الناشئ، إنه خلال تمرين يوم الأربعاء الموافق الثالث عشر من شهر أبريل لعام 2016م، حيث فوجئ بمدرب حراس المرمى يصفع ابنه على وجهه لمجرد خطأ في استلام الكرة وكان ذلك بحضور والده. فما كان من الوالد إلا أن طلب الخروج بولده، لكنه فوجئ باستغراب واندهاش المسئولين في النادي من اعتراضه على صفعة الوجه التي تلقاها ابنه ذي الأعوام العشرة، مؤكدين أن هذا أمر عادي. وإزاء هذه الواقعة، ورفضاً لها، كتب والد اللاعب الناشئ رسالته إلى الصحفي الرياضي، مؤكداً إصراره كل الإصرار على أن صفع الوجه الذي كرمه الله أمر غير عادي. واستطرد والد الطفل معبراً عن استغرابه من أن الواقعة تمت أمام رئيس قطاع الناشئين بالنادي ونائبه آنذاك، واللذين تحدثا مع والد اللاعب الناشئ باندهاش من طلبه لولده بالحرف «استأذن من الكابتن وتعالى بالطبع لن أطلب تحقيقاً أو قصاصاً أو حتى اعتذاراً.. فما يكون لي أن أطلب ذلك ﻻ سمح الله.. وإنما كل ما أرجوه أن يساعدني أحد في الحصول على استغناء رسمي من النادي حتى يتمكن ابني من استكمال رياضته في ناد آخر ﻻ يكون فيه صفع الوجه أمراً عادياً».
وبالنظر لأن الصحفي الذي تلقى الرسالة سالفة الذكر قد قام بنشرها متضمنة أسماء أطراف الواقعة، معلقاً بأن «أي ناد إذا فقد القيم والأخلاق فقد أسمى أهدافه»، ومؤكداً على أن حق الرد مكفول لمن أراد (راجع: أيمن المهدي، واقعة للتحقيق وإجلاء الحقيقة، جريدة الأهرام، عمود بالمصري، الخميس 14 رجب 1437هـ الموافق 21 أبريل 2016م، السنة 140، العدد 47253)، لذا كان من الطبيعي أن ننشرها مع حذف أسماء أطرافها، وذلك لاعتبارات البحث الفقهي فقط، والنظر في المسألة من منظور مجرد، وبغض النظر عما إذا كانت الواقعة صحيحة أم لا.
مدرب كونغ فو يضرب طفلاً عمره سبع سنوات
في يوم الأربعاء الموافق الثاني من شهر سبتمبر 2020م، قرر الاتحاد المصري للكونغ فو، إيقاف أحد المدربين وإحالته للتحقيق والنظر في شطبه، وذلك على خلفية ضربه بعنف طفلاً يبلغ من العمر سبع سنوات، أثناء تدريبه. وكان رواد مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا فيديو جديداً لمدرب كونغ فو من مدينة إيتاي البارود بمحافظة البحيرة وهو يضرب طفلاً بوحشية بالغة أثناء التدريبات. ويظهر في الفيديو مدرب الكونغ الفو (هـ. أ. ج) وهو يضرب طفلاً لم يستكمل عامه السابع بوحشية بالغة أمام عدد من اللاعبين خلال تدريبات في احدى الصالات الرياضية بمحافظة البحيرة. وقام المدرب بضرب الطفل بشكل هستيري أثناء مباراة ودية بين المدرب والطفل، تمهيداً لمشاركة الأخير في بطولات الاتحاد المصري للكونغ فو، وقام بركل الطفل في رأسه بوحشية بقدمه، ثم قام بلكمه في وجهه حتى سقط على الأرض (راجع: موقع صدى البلد، الأربعاء الموافق الثاني من شهر سبتمبر 2020م، خبر تحت عنوان «ضرب طفلا بقسوة أثناء تدريبه.. استمارة 6 لـ مدرب كونغ فو بالبحيرة»).
مدرب كرة يد يضرب لاعباً ناشئاً
في يوم الأربعاء الموافق الثامن من شهر ديسمبر سنة 2021م، وبعد اعتدائه بالضرب على أحد الناشئين، قرر مسؤولو نادي الأهلي إيقاف مدرب كرة اليد بالنادي أحمد الجزار عن مهام عمله لحين انتهاء التحقيقات معه. وجاء قرار مسؤولي النادي بعدما انتشر مقطع فيديو يظهر فيه المدرب وهو يعتدي بالضرب على أحد اللاعبين الناشئين داخل النادي. وقرر مسؤولو النشاط الرياضي بالقلعة الحمراء تحويل المدرب للتحقيق من أجل معرفة أسباب تعديه على الناشئ، واتخاذ قرار رسمي ضده، وفي حال ثبوت إدانة المدرب سيكون القرار المنتظر هو شطبه، خاصة في ظل حالة الغضب الكبيرة المسيطرة على عدد كبير من أعضاء النادي بسبب ما قام به المدرب. ويظهر في الفيديو أحمد الجزار، مدرب كرة اليد بقطاع الناشئين بالنادي الأهلي، وهو يعتدي على أحد اللاعبين مواليد 2010 خلال المران، حيث قام المدرب بشد الطفل من شعره وقام بتعنيفه وضربه في أحد جوانب صالة اللعب (راجع: جريدة المصري اليوم، القاهرة، الأربعاء الموافق 8 ديسمبر 2021م، خبر تحت عنوان «بعد اعتدائه بالضرب على ناشئ.. الأهلي يقرر إيقاف مدرب اليد ويدرس شطبه (فيديو)»).
مدرب سباحة يصفع متدرباً في قصر النيل
في يوم السبت الموافق الثامن عشر من شهر أبريل 2026م، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على مدرب سباحة لتعديه على متدرب عن طريق صفعه على وجهه، ما تسبب له في ثقب بطبلة الأذن، وذلك بمنطقة قصر النيل التابعة لمحافظة القاهرة. وتعود تفاصيل الواقعة، حينما تلقت الأجهزة الأمنية بلاغاً يفيد بقيام أحد الأشخاص بالتعدي على أخر بالصفع داخل أحد النوادي في منطقة قصر النيل التابعة لمحافظة القاهرة، ما ترتب عليه إصابته بثقب في الأذن، وعلى الفور انتقلت الأجهزة الأمنية إلى محل البلاغ وبالفحص تبين أن المشكو في حقه يعمل مدرب سباحه للشاكي. وعقب تقنين الإجراءات أمكن ضبط مرتكب الواقعة، وجرى اقتياده إلى قسم الشرطة، وتوالت جهات التحقيقات المختصة التحقيق في الواقعة، وجرى اتخاذ كافة التدابير القانونية اللازمة (راجع: موقع القاهرة 24، السبت الموافق 18 أبريل 2026م، خبر تحت عنوان «القبض على مدرب سباحة صفع متدرباً وتسبب له في ثقب بطبلة الأذن بمنطقة قصر النيل»).
مدرب تنس طاولة يضرب لاعبة عمرها 11 سنة
في يوم السبت الموافق الرابع والعشرين من شهر أكتوبر 2026م، وعلى صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، نشرت وزارة الشباب والرياضة المصرية بياناً تحت عنوان: «على إثر واقعة مدرب تنس الطاولة مع اللاعبة زينة فاروق… وزير الشباب والرياضة يوجه الأوليمبية واتحاد تنس الطاولة بوقف المذكور عن ممارسة النشاط وبدء التحقيقات فوراً وموافاة الوزارة بنتائجها». وتحت هذا العنوان، يذكر البيان: «وجه وزير الشباب والرياضة جوهر نبيل اللجنة الأوليمبية المصرية والاتحاد المصري لتنس الطاولة باتخاذ الإجراءات الفورية والصارمة المتضمنة وقف مدرب تنس الطاولة عن ممارسة أي نشاط على إثر ما أظهرته مقاطع فيديو ارتكابه جريمة ضرب لاعبة تنس الطاولة الطفلة زينة فاروق خلال مشاركتها ضمن منافسات أسبوع الأمل العالمي للاعبين واللاعبات تحت 12 سنة والذي أقيم بمدينة شفيلد الإنجليزية. وتضمن تكليف وزير الشباب والرياضة قيام اللجنة الأوليمبية المصرية والاتحاد المصري لتنس الطاولة بالبدء الفوري في التحقيقات وفق اللوائح والقوانين أخذا بعين الاعتبار عدم التهاون في تشديد العقوبات المقررة قانونا بالنظر إلى ملابسات قيامه بضرب لاعبة في سن الطفولة فضلاً عن تواجدهم في منافسات مقامة خارج مصر الأمر الذي يقتضي معه توقيع أقصى العقوبات التي تقررها اللوائح والقوانين المنظمة لهذا الأمر درءاً لعدم تكرار مثل تلك الأفعال مستقبلاً. كما شدد الوزير على ضرورة قيام اللجنة الأوليمبية المصرية بالتعميم على الاتحادات الرياضية بالاضطلاع بدورها في التنبيه على كافة المنتسبين لها من مجال إدارات وفنيين وإداريين بالعمل في إطار الروح الرياضية وما تقرره نصوص اللوائح والقوانين المنظمة للمنافسات والتدريبات والممارسات الرياضية المختلفة».
المطلب الثاني
مذهب الفقه الجنائي التقليدي
كما سبق أن قلنا، يتناول فقهاء القانون الجنائي العربي «تأديب الصغار» ضمن تطبيقات استعمال الحق كسبب للإباحة. وفيما يتعلق بالأساس القانوني لذلك، تؤكد شروح القسم العام من قانون العقوبات أن الشريعة الإسلامية قررت حق تأديب الصغار، وهي في هذا المجال قانون واجب التطبيق بالنظر إلى تعلقه بالولاية على النفس. ولما كان هذا السبب من أسباب الإباحة مصدره الشريعة الإسلامية، لذا يبدو متعيناً وواجباً في رأي الفقه والقضاء الجنائي التقليدي الرجوع إلى الشروط التي يقررها الفقه الإسلامي لهذا الحق، فإن انتفى أحدها، سئل مرتكب الضرب عن فعله. وإذا أضاف المشرع الوضعي إلى هذه الشروط جديداً، تعين كذلك تطلبه، باعتبار أن كل ما يقرره القانون واجب الاتباع. وهذه الشروط تتعلق بالخاضع للتأديب، ومن لهم حق التأديب، والهدف من التأديب، ووسيلته.
ففيما يتعلق بالخاضع للتأديب، يؤكد الشراح أنه «الصغير»، والمراد به هو كل من كان خاضعاً للولاية على النفس أو الوصاية، وكل من كان بسبب قصره في حاجة إلى الرقابة.
وفيما يتعلق بمن لهم حق التأديب، يذكر الشراح الأب والوصي والأم. وهو كذلك لولي النفس عند عدم وجود الأب. وهذا الحق مقرر أيضاً لمعلم المدرسة، بشرط إذن الأب أو الولي. ويضاف المخدوم إلى قائمة الأشخاص الذين قرر لهم الفقه الإسلامي حق التأديب. إذ أن العرف المستقر يخوله هذا الحق. ويضاف كذلك المعلم في غير معاهد التعليم الحكومية، وملقن الحرفة، ولو لم يأذن لهما الأب، استناداً إلى العرف كذلك، وإلى الارتباط بين سلطة الرقابة وحق التأديب، وكل من انتقلت إليه سلطة الرقابة على الصغير بناء على الاتفاق أو الضرورة.
أما فيما يتعلق الهدف من التأديب، فيذكر الشراح أن حق التأديب مقرر للتهذيب أو التعليم، فإن ابتغيت به غاية غير ذلك، فلا مجال للإباحة.
وأخيراً، وفيما يتعلق بوسيلة التأديب، يؤكد الشراح أن حق التأديب مقيد من حيث وسيلته؛ فالضرب تأديباً يتعين أن يكون خفيفاً، فإن كان فاحشاً، فهو غير مباح. وللضرب الخفيف شروطه؛ فيتعين ألا يكون بغير اليد، كالسوط أو العصا؛ وألا يتجاوز الثلاث؛ وأن تتقى به المواضع المخوفة من الجسم، كالرأس والوجه. وقد استقر القضاء على جواز أن يكون التأديب بتقييد الحرية، بشرط ألا يكون فيه تعذيب أو منع من الحركة أو إيلام للبدن (راجع: د. محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات، القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة السابعة، سنة 2012م، رقم 175، ص 193 وما بعدها؛ د. عبد الرءوف مهدي، شرح القواعد العامة لقانون العقوبات، المرجع السابق، ص 695 و696).
ورغم أن البعض قد يجد الحدود سالفة الذكر غير مقبولة، وأن التأديب البدني ينبغي أن يكون مستهجناً بشكل مطلق، فإن التطبيق العملي قد شهد قبولاً لما أطلق عليه «حق التأديب» إلى مدى أبعد وأكبر من الحدود آنفة الذكر. فعلى سبيل المثال، وفي أحد أحكامها القديمة التي تعود إلى العقد الخامس من القرن العشرين، قضت محكمة النقض المصرية بأنه «إذا كان الولي قد رأى في سبيل حمل ابنته القاصرة على إطاعة أوامره التي لا يبغي من ورائها إلا تهذيب أخلاقها وتقويم سلوكها أن يضع في رجليها قيداً حديدياً عند غيابه عن المنزل، ملاحظاً في ذلك ألا يمنعها عن الحركة بداخل المنزل وألا يؤلم بدنها، فذلك لا تجاوز فيه لحدود حق التأديب المخوّل له قانوناً» (نقض 4 يناير سنة 1943م، القضية رقم 2286 سنة 12 القضائية، مجموعة القواعد القانونية، ﺠـ 6، رقم 62، ص 85). وتتلخص واقعات هذا الحكم في أن النيابة العامة طعنت في «الأمر الصادر من قاضي الإحالة إذ قضى بأن لا وجه لإقامة الدعوى على والد المجني عليها بمقولة إن ما وقع منه من وضع قيد حديدي في قدميها يدخل في سلطته لأنها قاصر وهو وليها، ولأنه لم يكن يقصد إلا إصلاحها والمحافظة عليها، فأمر تقدير وسيلة تأديبها المرجع فيه إليه وفقاً لما يهديه إليه تفكيره – إذ قضى بذلك يكون قد أخطأ. لأن التأديب المباح هو الذي يقبله العقل، وهو الذي لا يتعدّى حدّ الوسائل التهذيبية البسيطة، كالضرب الذي لا يترك أثراً والحجز الذي ليس فيه ضيق أو حرج أو مساس بحرّية المحبوس مساساً بليغاً. أما وقد تجاوز الأب بفعلته التي فعلها حدود كل تأديب معقول فإنه يكون مستحقاً للعقاب خلافاً لما ذهب إليه قاضي الإحالة. وحيث إن قاضي الإحالة حين أصدر أمره المطعون فيه قال “إن الوقائع تتضمن أن … سمع وهو بدكانه بناحية القبابات صوت استغاثة ينبعث من منزل …، ولما حاول فتح الباب وجده مغلقاً فنظر من فرجة فيه فوجد ابنه صاحب المنزل والنار مشتعلة فيها وعاجزة عن فتح الباب له، فتسلق من الأسطح المجاورة ونزل إلى المنزل فوجدها تحاول إطفاء النار بالماء فساعدها. ولاحظ أثناء ذلك وجود قيد برجليها. وحيث إن المجني عليها تردّدت في اتهام زوجة أبيها أوّلاً بوضع القيد ثم ثبتت أخيراً بأن أباها هو الذي وضعه. وقد علل وضعه بأنه تزوّج بالمتهمة الأولى وكانت المجني عليها تقيم عند خالها … إلى ما قبل الحادثة بنحو شهر إذ رأى أن يطلبها منه، فلما تمت له حضانتها لاحظ كثرة خروجها إلى منزل خالها فرأى خشية من أن يصيبها مكروه في عرضها أو خلقها أن يقيدها كلما هو غائب عن المنزل، وأنه يتغيب عنه في الصباح إذ يقصد فابريقة السكر للعمل فيها، فإذا عاد في المساء فك القيد. وكان يلاحظ في القيد أن لا يمنعها عن الحركة بداخل المنزل ولا يؤلم بدنها. وحيث إن النيابة نسبت إلى المتهم الثاني ارتكابه جريمة تعذيب بوضع هذا القيد تطبيقاً للمادة 282/ 2 عقوبات فيتعين بالبحث فيما إذا كان وضع القيد في الظروف المتقدّمة عملاً يدخل في مدى ولاية الأب على صغيرة أو لا يدخل. وحيث إن ولاية الأب على الصغير في الشريعة الإسلامية لا تبيح وضع القيد، ولو كان عبداً آبقا (جامع الفصولين) وهذا في الأصل. ويدخل على هذا الأصل الاستثناء بمنع الصغير من الخروج إن خشي الأب ضرراً. كما للأب أن يعين حارساً أو حارسة. ومفهوم المخالفة لهذا الرأي أن المنع من الخروج والعجز عن تعيين الحارس أو الحارسة أو عجز الحارسين عن حراسة الصغيرة، كما هو الحال في هذه القضية، يجيز للأب أن يقيد الصغير وفي فرنسا يرون ذلك (جارسون فقرة 31 صحيفة 932). ومفهوم هذا الرأي أن الأمر موكول للأب لتقدير ما يرى اتخاذه من إجراء لتربية الصغير وإسكانه في المحل الذي يرى إسكانه فيه، فإن كانت الحراسة والمراقبة تصلحان لإلزامه المسكن المخصص له كان حتماً عليه أن لا يزيد عن هذه الإجراءات، فإن وجدهما غير كافيين لجأ إلى إجراء أشدّ كأقفال الأبواب. فإن لم يستطيع منع الصغير من الهرب، ووجد الأب نفسه مجبراً بين أن يقعد عن مواصلة كسب عيشه، أو حراسة الصغير، كان له بلا شك أن يلجأ إلى الإجراء الذي أعدّه المتهم الثاني، على أن لا يكون فيه تعذيب أو منع من الحركة أو إيلام البدن، فإن تجاوز هذه الحدود كان عمله جريمة معاقباً عليها. (جارسون نبذة 32). وقد أعطى المؤلف أمثلة تجاوز فيها التعذيب حدّ التأديب الإنساني المعقول. وبمقارنتها بحالة هذه القضية يتضح الفرق بعيداً بين بالحالتين. وحيث إنه يتضح مما تقدّم أن لا جناية في جريمة التعذيب المنسوبة للمتهم الثاني كفاعل أصلي وللأولى كشريكة فيها ويتعين التقرير بأن لا وجه. وحيث إن هذا الذي أثبته قاضي الإحالة على الوجه المتقدّم يتضمن أن المتهم الثاني وهو ولي المجني عليها القاصر كان حسن النية فيما وقع منه عليها في سبيل حملها على إطاعة أوامره التي ترمي إلى تقويمها وتهذيبها ولم يتجاوز الحدود الموضوعة لحق التأديب المخوّلة له قانوناً. وحيث إنه لذلك يكون الأمر المطعون فيه قد طبق القانون كما جاء به نصه في المادة 60 عقوبات تطبيقاً صحيحاً على الواقعة التي أثبت وقوعها من المتهمين ويكون الطعن على غير أساس متعيناً رفضه».
وتبدو أهمية هذا الحكم في أنه يسترشد برأي أحد كبار الفقهاء الفرنسيين، مما يدل على أن مثل هذه الممارسات التي تبدو منبوذة حالياً كانت مقبولة إلى حد كبير في المجتمعات الأوربية حتى وقت قريب.
وتجدر الإشارة في هذا الشأن أيضاً إلى أن أحكام القضاء المصري الصادرة في النصف الأول من القرن العشرين قد ترددت بين إنكار حق التأديب والاعتراف به على نطاق واسع، إلى أن استقر الأمر على الأخذ به وفقاً للصيغة المعتدلة التي تكرسها الشريعة الإسلامية. وقد حدث ذلك بالنسبة لحق تأديب الزوجة وفقاً للمصطلحات التي كانت سائدة آنذاك، كما حدث ذلك بالنسبة لحق الولي في تأديب الصغير، حيث تردد القضاء في البداية في الاعتراف بحق الولي في تأديب الصغير، ولكنه عاد فاستقر على الاعتراف له به، فأباح الضرب البسيط الذي لا يحدث كسراً أو جرحاً أو يترك أثراً ولا ينشأ عنه مرض، فإذا تجاوزها حق عليه العقاب المقرر لجريمة الضرب العمد، كما أجاز التأديب بغير الضرب، كتقييد الحرية إذا حتمت ذلك ظروف الحال. وإذا انتقلت الرقابة على الصغير إلى المعلم انتقلت معها عليه سلطة التأديب في الحدود السابقة، ما لم يقيد المشرع الإباحة بنص خاص، كحظر الالتجاء إلى العقوبات البدنية في المدارس الحكومية (راجع: د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون العقوبات، القسم العام، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة السادسة، مطورة ومحدثة، 2015م، ص 403، هامش رقم 1؛ د. أحمد عوض بلال، مبادئ قانون العقوبات المصري، القسم العام، المرجع السابق، ص 117 و119).
المطلب الثالث
حظر التأديب البدني للصغار في التشريعات الحديثة
الاتجاه السائد في التشريعات الحديثة هو حظر التأديب عن طريق العقوبات البدنية في المؤسسات التعليمية. ومن قبيل ذلك ما نص عليه المشرع المصري من منع العقوبات البدنية في معاهد التعليم الحكومية منعاً باتاً (راجع: المادة 37 من المرسوم بقانون الصادر في 27 أبريل سنة 1931 باعتماد اللائحة الداخلية للمعاهد الدينية؛ والمادة 21 من القانون رقم 210 لسنة 1953 في شأن تنظيم التعليم الابتدائي، والمادة 48 من القانون رقم 211 لسنة 1953 في شأن تنظيم التعليم الثانوي). ومن ثم، وبناء على ذلك، إذا صدر الضرب تأديباً عن معلم في معهد تعليم حكومي، لم يكن له أن يحتج بالآراء الواردة في الفقه الإسلامي لإباحة فعله (راجع: د. محمود نجيب حسني، الفقه الجنائي الإسلامي، الجريمة، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1427ه- 2007م، رقم 288، ص 232 و233).
ومع ذلك، يبدو أن الاتجاه التقليدي الذي يبيح التأديب البدني قد بقيت آثاره قائمة لبعض الوقت، رغم النص في بعض التشريعات على حظر التأديب البدني في المؤسسات التعليمية. فعلى سبيل المثال، وفي أحد أحكامها الصادرة في العقد الخامس من القرن العشرين، قضت محكمة النقض المصرية بأن «المادة 37 من المرسوم بقانون الصادر في 27 أبريل سنة 1931 باعتماد اللائحة الداخلية للمعاهد الدينية قد نصت على منع التأديب الجسماني منعاً باتاً، فلا يصح إذن التمسك بأحكام الشريعة في صدد وسائل التأديب، ومع ذلك فإنه إذا صح للمدرس بتلك المعاهد (مدرس بالأزهر) أن يؤدب أحد الطلبة جسمانياً فإن هذا ليس معناه أنه لا يعاقب إذا هو تخطى في ذلك الحدود المقبولة عقلاً» (نقض 5 يناير سنة 1947، الطعن رقم 111 لسنة 12 ق، مشار إليه في مؤلف أستاذنا الدكتور عبد الرءوف مهدي، ص 696، هامش رقم 20).
ولكن، ومع تطور الأفكار السائدة في المجتمع، بدأت النفوس السوية تلفظ فكرة التأديب البدني وتعالت الأصوات التي تستهجن اللجوء إلى التأديب البدني في المؤسسات التعليمية. وهكذا، تطورت اجتهادات القضاء، بحيث استقرت المبادئ القضائية على أنه ليس من حق المدرس الاعتداء بالضرب على التلاميذ. وتطبيقاً لذلك، قضت محكمة النقض المصرية بأنه «لما كانت المادة 60 من قانون العقوبات إنما تبيح الأفعال التي ترتكب عملاً بحق قرره القانون، وكان ليس من حق المدرس التعدي بالضرب على التلاميذ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون غير مقبول» (نقض 2 أبريل سنة 1981م، الطعن رقم 2601 لسنة 50 قضائية، مجموعة أحكام محكمة النقض، س 32، رقم 55، ص 315). وتتلخص واقعات هذا الحكم في أنه «بينما كان المتهم…… المدرس بمدرسة…… الابتدائية بدائرة قسم حلوان محافظة القاهرة يلقن تلاميذ الصف الثالث درسا في اللغة العربية في صباح يوم 8/ 2/ 77 طلب من المجني عليها……. أن تقرأ بعض العبارات واذ عجزت عن ذلك قام بضربها على كف يدها وعلى ذراعها الأيسر بعصا قصيرة من الجريد وجلست المجنى عليها أثر ذلك على مقعدها وظلت تبكى الى أن سقطت فجأة من المقعد فاقدة الوعى وتم نقلها الى مستشفى حلوان العام لعلاجها والذى قام بتحويلها الى مستشفى أبو الريش والذى حولها بدوره الى مستشفى قصر العيني حيث أسلمت الروح هناك وعزا تقرير الصفة التشريحية الموقع على جثة المجنى عليها الوفاة الى نزيف بالمخ عقب واقعة التعدي بالضرب مباشرة نتيجة الانفعال النفساني الذى أصاب المجنى عليها والذى تسبب في انفجار أحد الأوعية الدموية الضعيفة خلقيا مما أدى الى تمزقه».
ونعتقد أن حظر التأديب البدني لا يقتصر على المؤسسات التعليمية، وإنما ينطبق كذلك على المؤسسات النظيرة أو على تعليم الحرف والمهن. وبالترتيب على ذلك، نرى أنه لا يحوز للمدرب أو لأي شخص آخر أن يعتدي بالضرب على اللاعب الناشئ، ولو كان ذلك بداعي تعليمه أصول اللعبة أو لمعاقبته على خطأ اقترفه. وقد سبق لنا القول بهذا الرأي في مؤلفنا عن «القانون الجنائي للألعاب الرياضية».
ولذلك، وفي يوم الأحد الموافق الخامس والعشرين من شهر أكتوبر 2026م، أصدرت وزارة الشباب والرياضة المصرية الكتاب الدوري رقم (8) لسنة 2026 بشأن التأكيد على الالتزام بميثاق الشرف الرياضي، ونبذ جميع صور العنف والإساءة، وحماية اللاعبين واللاعبات، مع إيلاء الأطفال والناشئين عناية خاصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية حيال أي مخالفة تثبت وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة. ووجّهت الوزارة الكتاب الدوري إلى اللجنة الأولمبية المصرية واللجنة البارالمبية المصرية والاتحادات الرياضية والأندية ومديريات الشباب والرياضة وجميع الهيئات الرياضية المشهرة والخاصة، مؤكدة مسؤولية تلك الجهات عن توفير بيئة آمنة تقوم على الاحترام والانضباط، وتصون السلامة البدنية والنفسية للاعبين. وأكدت الوزارة أن كرامة اللاعب وسلامته أساس العمل الرياضي، ولا يجيز أي مبرر فني أو تربوي استخدام العنف أو الإهانة أو الإساءة، مشددةً على التزام المدربين والأجهزة الفنية والإدارية بأساليب التعامل التربوي والمهني السليم. وشددت الوزارة في كتابها الدوري على أهمية تأهيل جميع المدربين والفنيين والمتعاملين مع اللاعبين واللاعبات، وبصفة خاصة المتعاملين مع الأطفال والناشئين، من خلال حصولهم على شهادات وبرامج تدريبية معتمدة في أساليب التعامل الآمن والتربوي معهم، صادرة عن الجهات المختصة والمعتمدة، بما يعزز الوقاية ويحافظ على سلامتهم البدنية والنفسية. وشدد الكتاب الدوري على حظر العنف والإهانة والإساءة البدنية أو النفسية أو اللفظية، وسرعة فحص الشكاوى والبلاغات والتحقق من الوقائع، وإحالة ما يستوجب ذلك إلى الجهات المختصة، وتوقيع الجزاءات المقررة حال ثبوت المخالفة، مع ضمان حقوق جميع الأطراف. كما أكد ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لحماية اللاعبين، وبصفة خاصة القُصّر، خلال المعسكرات والبطولات والمشاركات داخل مصر وخارجها، وموافاة الوزارة فوراً بالوقائع الجسيمة والإجراءات المتخذة بشأنها. وأكدت الوزارة أن حماية اللاعبين وصون كرامتهم وسلامتهم مسؤولية مشتركة، وأصلٌ راسخ من رسالة الرياضة. وتجدر الإشارة في هذا الشأن إلى أن هذا الكتاب الدوري على إثر ما أظهرته مقاطع فيديو ارتكاب جريمة ضرب لاعبة تنس الطاولة الطفلة زينة فاروق على يد مدربها، وذلك خلال مشاركتها ضمن منافسات أسبوع الأمل العالمي للاعبين واللاعبات تحت 12 سنة، والذي أقيم بمدينة شيفلد الإنجليزية.
وفي اجتماعه الطارئ، المنعقد يوم الأربعاء الموافق الثامن والعشرين من شهر أكتوبر 2026م، قرر الاتحاد المصري لتنس الطاولة شطب المدرب محمد ممتاز من سجلاته ومنعه نهائياً من ممارسة أي نشاط مرتبط باللعبة، بعدما خلصت نتائج التحقيقات إلى أنه «صفع» اللاعبة الناشئة زينة فاروق. وقرر الاتحاد إحالة نتائج التحقيقات إلى وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية المصرية لاتخاذ ما تراه كل جهة مناسباً في نطاق اختصاصها.
زر الذهاب إلى الأعلى