الإبلاغ الخوارزمي عن الجرائم

بقلم الدكتورة/ ريهام فتحي – دكتوراه في القانون الجنائي

في عصر أصبحت فيه المدن مراقبة بالكاميرات الذكية التي تحلل الأصوات، وتميز أنماط السلوك، وتتعرف على الوجوه، فهل من المتوقع في المستقبل القريب أن يتطور الذكاء الاصطناعي ليصبح قادرًا على الإبلاغ عن الجرائم، وليس فقط رصد سلوك الأفراد؟

تخيل أن كاميرا ذكية في الشارع ترصد حركات الأشخاص، وتحلل زوايا الجسد، وتطابق الصوت مع قاعدة البيانات، وترصد وتسجل، وفي أقل من ثانية يصل تنبيه إلى الجهات الأمنية بـ”اشتباه في جريمة”، مقرونًا بالمقطع المسجل.

في هذه الحالة لم يكن هناك شهود، ولم يقم بالإبلاغ عن الجريمة شخص طبيعي، بل أبلغت خوارزمية دون تدخل بشري مباشر، بمجرد رصد الجريمة.

وهل سيحقق هذا النوع من الإبلاغ التوازن بين الوقاية الجنائية من جهة، وضمانات الحقوق والحريات العامة، والتي على رأسها الحق في الخصوصية، من جهة أخرى؟

وإذا كان الأمر يبدو بعيدًا أو غير متوقع من الناحية النظرية، فأود أن أوضح أنها آلية مطبقة بالفعل في بعض الجرائم.

فعلى سبيل المثال، تستخدم البنوك مجموعة من الخوارزميات المتخصصة للكشف عن جرائم غسل الأموال والإبلاغ عنها، حيث تعتمد في الكشف عن تلك الجرائم على أنظمة آلية (Algorithms) للإبلاغ عن العمليات المشبوهة في القطاع المصرفي، فلم يعد الإبلاغ يعتمد فقط على “شك” الموظف الشخصي، بل أصبح عملية تعتمد على الجمع بين التكنولوجيا والامتثال للقانون.

وتقوم تلك الأنظمة بتحليل حجم المعاملات وتكرارها، وأنماط السحب والإيداع، والدول التي تم التعامل معها، وعند تحقق مؤشرات الاشتباه يتم تصعيد التنبيهات التي تطلقها الأنظمة الآلية إلى الوحدة المسؤولة عن الإبلاغ عن غسل الأموال، والتي تقوم بدورها بمراجعة شاملة لحساب العميل وتاريخ معاملاته، ومن ثم الإبلاغ. وهنا لا يشترط في التزام البنك بالإبلاغ أن يكون هناك دليل قاطع، وإنما يكفي وجود سبب معقول للاشتباه.

أيضًا، نجد هذا الأمر متجسدًا في الإبلاغ الإجباري القائم على الرصد الرقمي في القضايا الخاصة باستغلال الأطفال، فتلتزم شركات الإنترنت، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي، وخدمات البريد الإلكتروني، وخدمات التخزين السحابي، بالإبلاغ فورًا عند رصد أي محتوى رقمي – مثل الصور أو الفيديوهات – يشير إلى الاستغلال الجنسي للأطفال.

ويُعد هذا الإجراء إلزاميًا قانونًا، وهو يستند إلى رصد آلي وتحليل رقمي دقيق، بهدف حماية الأطفال قبل وقوع الضرر.

وتعتمد منصات الإنترنت على خوارزميات متخصصة لمسح المحتوى تلقائيًا، تُحلل الصور والفيديوهات وتطابقها مع قواعد بيانات للمواد المشتبه بها، مثل تقنية Hash Matching، وعند تحقق التطابق أو وجود مؤشر اشتباه قوي، يتم إرسال تنبيه تلقائي إلى وحدة مختصة، مثل Child Protection Units، أو الجهات الأمنية المختصة.

وعلى الجانب الآخر، فإذا فرضنا مستقبلًا أنه تم التوسع في تطبيق الإبلاغ عن الجرائم عبر الخوارزميات، وتم وضع الإطار التشريعي الملائم، فهل سيحقق ذلك الهدف المرجو منه؟ إذ يبقى التحدي الأكبر متمثلًا في قدرة تلك الخوارزميات على تمييز ما يتم رصده، فهل هي قادرة على تمييز ما يمثل خطرًا حقيقيًا عما هو غير ذلك؟ كأن ترصد تعدي شخص على آخر، فهل يمكنها التمييز بين ما يعد جريمة حقيقية، أو أن ذلك كان من باب المزاح؟ فما زالت تلك الخوارزميات تقع تحت أخطاء التصنيف، والتحيز التقني المتمثل في التمييز غير المعلن ضد فئات بعينها.

وعلى الرغم من الفوائد الجمة التي قد تنتج عن تلك الآلية، سواء من تعزيز الوقاية الجنائية، وسرعة الاستجابة، والتدخل دون انتظار تحقق الضرر كاملًا، إلا أن تعميم هذا النموذج دون قيود من شأنه أن يحول الاستثناء إلى قاعدة، والرصد المستمر، وتحليل السلوكيات اليومية، وحركة الحياة الخاصة إلى بيانات خاضعة للفحص الدائم، بما يفرغ الحق في الخصوصية من مضمونه الحقيقي، بالإضافة إلى إثقال كاهل الجهات المعنية بالتحقق من الكم الهائل الذي قد يتم الإبلاغ عنه من جرائم.

إلا أن ذلك قد يُستفاد منه في حالة تطبيقه في الإبلاغ عن مجالات استثنائية ذات خطورة قصوى، كالجرائم ذات الطابع التقني العابر للحدود، والإرهاب الرقمي، والجرائم السيبرانية.

زر الذهاب إلى الأعلى