غرفة المداولة بين العلانية والدفاع

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

ليست العدالة الجنائية مجرد منظومة من الإجراءات المتعاقبة التي ينتهي آخرها إلى حكم يصدر باسم القانون، وليست الضمانات التي أحاط بها المشرع المحاكمة الجنائية قيودا شكلية يمكن تجاوزها متى بدا أن الغاية قد تحققت أو أن النتيجة قد استقامت. ذلك أن الدولة القانونية الحديثة لم تقم على فكرة عدالة النتائج وحدهاوإنما قامت قبل ذلك على عدالة الوسائل التي تنتج تلك النتائج، وعلى الإيمان بأن شرعية الحكم لا تنفصل عن شرعية الطريق الذي أفضى إليه. فالحكم القضائي لا يستمد احترامه من كونه انتهى إلى نتيجة تبدو صحيحة فحسب، وإنما يستمد مشروعيته من كونه ولد عبر مسار إجرائي التزم الحدود والضمانات التي رسمها الدستور والقانون.

 

ومن هنا تنشأ أحيانا إشكاليات تبدو في ظاهرها محدودة النطاق غير أنها ما تلبث أن تكشف عن أسئلة تتجاوز الواقعة محل النقاش لتلامس الأسس الفكرية التي يقوم عليها نظام المحاكمة ذاته. ومن هذا القبيل التساؤل عما إذا كانت غرفة المداولة تتحول إلى قاعة جلسة بمجرد انتقال هيئة المحكمة إليها وعما إذا كان مجرد وجود القاضي في مكان ما يكفي لإسباغ وصف الجلسة القضائية على ذلك المكان بما يرتبه هذا الوصف من آثار وضمانات وعما إذا كانت العلانية تتحقق بمجرد أن يصل صوت الدفاع إلى سمع المحكمة، أو أن الأمر أعمق من ذلك وأوثق اتصالًا بالبناء الدستوري والإجرائي للمحاكمة الجنائية. وهل يكون الدفاع قد أدى رسالته القانونية بمجرد أن نطقت كلماته وبلغت سمع المحكمة؟ أم أن أداء هذه الرسالة يفترض بيئة إجرائية متكاملة لا يكتمل معناها إلا بتوافر جميع الضمانات التي أحاط بها القانون مرحلة المحاكمة؟ وهل يكفي أن يسمع القاضي ما يقال حتى نعتبر أن مقتضيات الدفاع قد استوفيت أم أن العدالة لا تنظر إلى الكلمات مجردة عن سياقها وإنما تنظر كذلك إلى البيئة القانونية التي قيلت فيها وإلى الضمانات التي صاحبتها وإلى الوظيفة التي أدتها داخل البناء الإجرائي للمحاكمة؟

 

ولئن بدا للوهلة الأولى أن جوهر المسألة يكمن في مكان انعقاد الإجراء فإن التمحيص القانوني يكشف أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بالمكان في ذاته وإنما بالوظيفة القانونية التي يؤديها ذلك المكان وبالضمانات التي ارتبطت به تاريخيا وتشريعيا، وبالفلسفة التي دعت المشرع إلى التفرقة بين فضاء تمارس فيه المواجهة القضائية في العلن وفضاء آخر تمارس فيه المداولة في السر. فالمشرع حين خصص قاعة للجلسات وخصص غرفة للمداولة لم يكن بصدد توزيع الحجرات داخل مبنى المحكمة ولم يكن منشغلا باعتبارات تنظيمية مجردة وإنما كان يرسم حدودا دقيقة بين وظيفتين مختلفتين في الطبيعة والغاية والأثر. ففي قاعة الجلسة تمارس العدالة وجهها الظاهر وتباشر المحكمة وظيفتها في مواجهة الخصوم، وتطرح الأدلة والدفوع على بساط البحث العلني وتخضع الإجراءات لرقابة المجتمع وثقته. أما غرفة المداولة فتمثل المجال الذي تنكفئ فيه المحكمة على ذاتها وتتحرر فيه من كل حضور خارجي لتباشر وظيفتها الأخرى المتمثلة في وزن الأدلة وتمحيص الحجج وتكوين العقيدة القضائية في مناخ من الاستقلال الكامل.

 

ولا مراء في أن هذه التفرقة هي إحدى الدعائم التي يقوم عليها مفهوم المحاكمة العادلة ذاته. فكما أن العلانية ليست مجرد فتح باب القاعة أمام الجمهور فإن سرية المداولة ليست مجرد إغلاق باب غرفة المداولة. وإنما تمثل كل منهما ضمانة مستقلة تؤدي وظيفة مختلفة في منظومة العدالة الجنائية. فإذا كانت العلانية تحمي حق المجتمع والمتقاضي في الشفافية والرقابة والثقة العامة، فإن سرية المداولة تحمي استقلال القاضي وحريته في تكوين اقتناعه بعيدا عن كل تأثير أو ضغط أو رهبة. ومن ثم فإن التساؤل لا ينبغي أن يتجه إلى المكان الذي جلست فيه المحكمة وإنما إلى طبيعة الوظيفة التي كانت تمارسها في ذلك المكان. ذلك أن الأوصاف القانونية لا تستمد وجودها من الحقائق المادية المجردة وإنما من الوظائف التي يؤديها الفعل أو الإجراء في البناء القانوني الذي ينتمي إليه. وكما أن انتقال القاضي إلى غرفة المداولة لا يحولها إلى قاعة جلسة فإن انتقاله إلى قاعة الجلسة لا يجعلها غرفة مداولة! لأن لكل منهما طبيعته القانونية التي لا تستمد من الأشخاص الذين يشغلونه وإنما من الغاية التي خصص لها والضمانات التي ارتبطت بها.

 

ولا يقف الأمر عند حدود حق الدفاع في صورته التقليدية، بل يمتد إلى مبدأ إجرائي وثيق الصلة به وبفكرة العلانية ذاتها، هو مبدأ (شفاهية المرافعة). ذلك أن الدفاع في المحاكمة الجنائية لا يمارس وظيفته لمجرد أن تصل كلماته إلى سمع المحكمة وإنما يمارسها من خلال مرافعة شفوية تجري في إطار علني ومفتوح بما يجعلها جزءًا من المشهد القضائي ذاته لا مجرد وسيلة لنقل المعلومات إلى القاضي. فالمرافعة الشفوية ليست تقريرا يُتلى ولا مذكرة منطوقة تستبدل فيها الأذن بالعين وإنما هي ممارسة قانونية حية تتولد قيمتها من البيئة التي تتم فيها بقدر ما تتولد من مضمونها. وآية ذلك أن المحامي حين يترافع لا يخاطب وجدان المحكمة وحده وإنما يتحرك داخل فضاء إجرائي كامل تشهده النيابة والخصوم والحاضرون وتخضع فيه الحجج القانونية لاختبار المواجهة العلنية والرقابة العامة.

 

ومن ثم فإن اختزال المرافعة في مجرد وصول الصوت إلى سمع القاضي ينتهي إلى تجريد مبدأ الشفاهية من جوهره الحقيقي. ذلك أن الشفاهية في المحاكمة الجنائية لا تعني أن تقال الكلمات وإنما تعني أن تقال في إطارها القانوني الطبيعي الذي أراده المشرع. ولهذا فإن المرافعة التي تلقى في بيئة مغلقة تفقد أحد أهم عناصرها البنيوية، إذ تتحول من مرافعة شفوية علنية إلى مجرد عرض شفهي للأقوال. ولا ريب أن الفارق بين الأمرين ليس فارقا لغويا أو شكليا وإنما فارق يمس طبيعة الإجراء ذاته. فالمرافعة الشفوية العلنية تمثل إحدى الضمانات التي تحيط بتكوين الاقتناع القضائي أما العرض الشفهي للأقوال فلا يعدو أن يكون وسيلة لإيصال المعلومات إلى المحكمة. وبين (الضمانة والوسيلة) فرق شاسع لا يجوز طمسه أو الخلط بينه. ولم يكن المشرع الدستوري المصري بعيدا عن هذا المعنى حين ارتقى بمبدأ العلانية إلى مرتبة الضمانة الدستورية، فنص في المادة (187) من الدستور على أن جلسات المحاكم علنية إلا إذا قررت المحكمة سريتها مراعاة للنظام العام أو الآداب وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية. وليس بخافٍ أن هذا النص لا يتحدث عن (هندسة المباني القضائية) أو عن التنظيم الإداري للمحاكم، وإنما يعبر عن تصور دستوري كامل للعدالة. فهو ينطلق من فكرة مؤداها أن القضاء لا يكفي أن يكون عادلا بل يجب أن يكون ظاهر العدالة كذلك وأن الثقة العامة في الأحكام لا تُبنى على سلامة النتيجة وحدها وإنما تُبنى كذلك على سلامة المسار الذي أفضى إليها.

 

ولم يخرج قانون الإجراءات الجنائية على هذا النهج

بل أكد الأصل ذاته حين جعل علانية الجلسات هي القاعدة العامة، وأجاز الخروج عليها استثناءً في الأحوال التي تقتضيها اعتبارات النظام العام أو الآداب. ومؤدى ذلك أن العلانية ليست منحة إجرائية عارضة وإنما هي الأصل الذي تقوم عليه المحاكمة، وأن السرية لا تكون إلا استثناءً يفسر في أضيق الحدود، لأن الاستثناء لا ينشئ القاعدة بل يفترض وجودها ابتداءً. ويزداد الأمر وضوحا إذا استحضرت التفرقة الجوهرية التي أقامها المشرع بين التحقيق الابتدائي والتحقيق النهائي. فليس من قبيل المصادفة أن يجري التحقيق الابتدائي في نطاق يغلب عليه (طابع السرية) ثم تنتقل الدعوى بعد الإحالة إلى المحكمة إلى فضاء تغلب عليه العلانية. ذلك أن المشرع لم يكن ينظم مراحل إجرائية متتابعة فحسب، وإنما كان ينقل الدعوى من وظيفة قانونية إلى أخرى. ففي الأولى يكون المقصود جمع الأدلة واستجلاء الحقيقة الأولية في إطار من الحماية اللازمة لسير التحقيق أما في الثانية فإن المقصود يصبح تمحيص تلك الأدلة علنا في مواجهة الخصوم وإخضاعها للمناقشة القضائية الكاملة أمام المحكمة.

 

ومن هنا يثور التساؤل الذي يمثل جوهر الإشكال كله: إذا كانت العلانية تتحقق بمجرد سماع الدفاع فما الذي يبقى من الفارق الذي حرص المشرع على إقامته بين التحقيق الابتدائي والتحقيق النهائي؟! وما الحكمة من انتقال الدعوى من مرحلة يغلب عليها طابع السرية إلى مرحلة أرادها القانون علنية بطبيعتها؟ بل كيف يمكن التمييز بين ما يجري أمام سلطة التحقيق وما يجري أمام المحكمة إذا كان معيار العلانية لا يتجاوز مجرد وصول الكلمات إلى سمع من يتولى الفصل في النزاع؟ والحق أن هذا التساؤل يكشف عن حقيقة بالغة الأهمية مؤداها أن العلانية ليست فعلا ماديا يتمثل في السماع وإنما نظام قانوني متكامل. فالمحقق يسمع المتهم كما تسمعه المحكمة، ويتلقى دفوع الدفاع كما تتلقاها وربما يناقش بعض عناصر الدعوى على نحو تفصيلي ومع ذلك لا يكتسب التحقيق الابتدائي وصف المحاكمة العلنية لأن العبرة ليست بالفعل المادي المجرد وإنما بالإطار القانوني الذي يتم فيه ذلك الفعل وبالضمانات التي تحيط به.

 

ولهذا استقرت النظم القانونية الحديثة، سواء في المدرسة اللاتينية أو في المدرسة الأنجلو-أمريكية على اعتبار علانية المحاكمة أصلا من أصول العدالة الإجرائية مع جواز الخروج عليه استثناءً في أحوال محددة تفرضها اعتبارات استثنائية تتعلق بالنظام العام أو حماية القُصَّر أو الخصوصية أو الأمن العام. ومع ذلك بقي النطق بالحكم علنا أحد الثوابت المشتركة التي تعكس خضوع القضاء لمقتضيات الشفافية والثقة العامة. وفي المقابل حافظت تلك النظم ذاتها على سرية المداولة باعتبارها ضمانة مستقلة لا تقل أهمية عن العلانية ذاتها لأن العلاقة بينهما ليست علاقة تعارض وإنما علاقة تكامل وتوازن. غير أن جوهر المسألة يظل أعمق من مجرد التفرقة بين العلانية والسرية أو بين الجلسة والمداولة. فالقضية في حقيقتها تتعلق بمصدر الشرعية التي يستمد منها الحكم القضائي قوته واحترامه. ذلك أن الحكم لا يكتسب مشروعيته لمجرد أنه انتهى إلى نتيجة تبدو صحيحة وإنما يكتسبها لأن تلك النتيجة وُلدت من خلال مسار التزم الضمانات التي رسمها الدستور والقانون. ومن ثم فإن القول بأن تحقق الغاية يغني عن احترام الوسيلة قول لا يستقيم مع منطق الدولة القانونية لأن الشرعية لا تقوم على النتائج المجردة وإنما على التلازم بين عدالة النتيجة وعدالة الطريق المؤدي إليها.

وليس بخافٍ أن الضمانات الإجرائية لم تشرع لأن المشرع يشك في عدالة القاضي أو نزاهته وإنما شرعت لأن العدالة في مفهومها الحديث لا تقوم على الثقة المجردة في الأشخاص، بل تقوم على خضوع الجميع قضاة وخصوما وسلطاتٍ عامة لقواعد موضوعية سابقة على إرادتهم جميعا. ومن ثم فإن احترام الإجراءات لا يمثل انتصارا للشكل على حساب الجوهر، كما قد يتوهم البعض، وإنما يمثل انتصارا للجوهر من خلال الشكل الذي يحميه ويكفل سلامته.

وحاصل ما تقدم أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المحكمة قد سمعت الدفاع داخل غرفة المداولة أو داخل قاعة الجلسة وليس ما إذا كان الدفاع قد أبدى دفوعه في هذا المكان أو ذاك وإنما ما إذا كانت الدعوى قد مرت عبر المسار الذي أراده الدستور والقانون بكل ما يتضمنه من ضمانات وتوازنات وحدود فاصلة بين الوظائف المختلفة للعمل القضائي.

 

فإذا كانت العلانية تمثل (وجه العدالة الظاهر) الذي يراه الناس، فإن سرية المداولة تمثل (ضميرها المستتر) الذي لا يراه أحد. وإذا كانت الأولى تبني الثقة العامة في القضاء، فإن الثانية تصون استقلاله. وإذا كانت الأولى تفتح أبواب المحكمة للمجتمع، فإن الثانية تغلقها مؤقتا حماية لحرية القاضي في تكوين عقيدته. وبين هاتين الضمانتين لا بغلبة إحداهما على الأخرى ولا بإهدار إحداهما في سبيل الثانية يولد الحكم القضائي الذي يستحق حقا أن يصدر باسم العدالة وأن يحوز احترام القانون وثقة المجتمع في آنٍ واحد؛ لأن العدالة لا تكون عدالة كاملة إلا إذا كانت عادلة في غايتها وعادلة في طريقها وعادلة في الضمانات التي أحاطت بها منذ لحظة نشأتها وحتى لحظة النطق باسمها. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى