الاحتيال بالتزييف الرقمي

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

لم تعد الجريمة تحتاج دائما إلى باب يكسر أو خزينة تفتح أو سلاح يشهر حتى يستولى على مال الغير. أحيانا يكفي أن تعرض صورة سيارة على شاشة هاتف، وأن يوضع إلى جوارها سعر مغرٍ، وأن ينشأ حساب يحمل اسما وصورة توحيان بأن وراءه شخصا حقيقيا، ثم تبدأ المحادثة التي لا تستغرق في ظاهرها أكثر من دقائق، لكنها قد تنتهي بتحويل عشرات أو مئات الآلاف إلى شخص لم يملك سيارة، ولم يقصد بيعها، وإنما قصد منذ اللحظة الأولى الاستيلاء على المال. هذه الصورة من الاحتيال تستحق التوقف عندها؛ لأنها تكشف عن تحول مهم في وسائل ارتكاب الجريمة. فالجاني هنا لا يقدم للمجني عليه مجرد (قول كاذب) وإنما يبني أمامه واقعة كاملة من عناصر متساندة: سيارة تعرض للبيع، وصورة تؤكد وجودها، وسعر يبدو فرصة لا تعوض، وحساب يقدم نفسه باعتباره مالك السيارة أو الوسيط في بيعها، ومحادثة تجيب عن أسئلة المشتري، ثم طلب مبلغ تحت مسمى العربون أو مقدم الحجز أوإثبات الجدية، فإذا تم التحويل انقطع الاتصال واختفى الحساب، واكتشف المجني عليه أنه لم يكن يتعامل مع بائع سيارة، وإنما كان يتعامل مع ((مشروع احتيالي)) صمم لكي يصل في نهايته إلى ماله.

واللافت أن الجاني قد لا يحتاج حتى إلى سرقة صورة سيارة من صاحبها فحسب، بل قد يلجأ إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنشاء صورة تبدو واقعية لسيارة أو لتعديل صورة موجودة أو تغيير مكان السيارة أو تفاصيلها أو ظروف عرضها، بحيث تصبح الصورة جزءًا من بناء الوهم. وهنا لا تكمن الخطورة في التقنية ذاتها، وإنما في الإنسان الذي عرف كيف يحولها إلى وسيلة لإحداث الغلط في ذهن المجني عليه.
فالذكاء الاصطناعي لا يبيع سيارة، ولا ينشئ حسابا بقصد الاستيلاء على مال الغير، ولا يطلب عربونا، ولا يختفي بعد وصول الأموال. الذي يفعل ذلك إنسان له إرادة اتجهت إلى تحقيق نتيجة إجرامية. ولذلك فإن وضع التقنية في موضع الفاعل يربك المسألة من أساسها؛ فالتقنية ليست إلا أداة، وقد تكون الأداة شديدة التطور، لكنها تظل أداة في يد من قرر استخدامها. والخطأ الأكبر في التعامل مع هذه الوقائع أن ينظر إلى كل عنصر منها منفردا. فقد يقول قائل إن نشر صورة سيارة ليس جريمة، وإن إنشاء حساب على موقع للتواصل الاجتماعي ليس جريمة، وإن الإعلان عن سيارة للبيع ليس جريمة، وإن طلب العربون في ذاته ليس جريمة. وكل ذلك قد يكون صحيحا إذا عزل كل فعل عن سياقه. لكن القانون الجنائي لا يقرأ المشروع الإجرامي بهذه الطريقة المجتزأة؛ إذ قد تتجمع الأفعال المباحة في ظاهرها لتكوين سلوك احتيالي واحد متى ثبت أنها اتخذت وسائل للوصول إلى نتيجة غير مشروعة. وهنا تظهر القيمة الحقيقية للتكييف الجنائي. فالمسألة ليست: هل الصورة مزيفة؟ وليست فقط : هل الحساب وهمي؟ وإنما السؤال الأهم: هل استخدم الجاني هذه الوسائل لإحداث غلط لدى المجني عليه وحمله، بناءً على هذا الغلط، على تسليم ماله؟

فإذا كان شخص قد أنشأ حسابا باسم غير حقيقي، ووضع عليه صورا لسيارات لا يملكها، وحدد أسعارا يعلم أنها غير حقيقية ، ثم تواصل مع راغبي الشراء وأوهمهم بأنه مالك السيارة أو من يملك سلطة بيعها، ثم طلب منهم تحويل مبالغ مالية بزعم حجز السيارة، بينما كان يعلم منذ البداية أنه لا توجد صفقة حقيقية، فإننا لا نتحدث عن مجرد إعلان كاذب، وإنما نقترب من البناء النموذجي لجريمة النصب. ذلك أن جوهر النصب ليس الكذب في ذاته؛ فالكذب، مهما كان قبيحا، لا يتحول بمجرده إلى جريمة نصب. وإنما الخطورة الجنائية تظهر عندما يتحول الكذب إلى وسيلة احتيالية مؤثرة، ويترتب عليه وقوع المجني عليه في الغلط، ثم يأتي التصرف المالي نتيجة طبيعية لهذا الغلط. وهذا هو الفارق الذي ينبغي ألا يضيع وسط الحديث عن التكنولوجيا. فالمجني عليه لا يحول المال لأنه أحب الصورة، وإنما لأنه صدق الواقعة التي صنعتها الصورة. لا يحول المال لأنه رأى حسابا إلكترونيا، وإنما لأنه اعتقد أن وراء الحساب شخصًا حقيقيًا يملك السيارة أو يملك حق التصرف فيها. ولا يدفع العربون لمجرد أن الجاني طلبه، وإنما لأنه اعتقد أن دفعه سيؤدي إلى حجز سيارة حقيقية وإتمام بيع حقيقي.

ومن هنا فإن الصورة المصطنعة ليست مجرد كذبة بصرية، والحساب الوهمي ليس مجرد اسم مستعار، والسعر المنخفض ليس مجرد وسيلة تسويقية؛ فقد تتحول هذه العناصر، إذا اجتمعت واتجهت إليها إرادة واحدة، إلى حلقات متصلة في سلسلة احتيالية واحدة. والأخطر من ذلك أن بعض الجناة يعمدون إلى تخفيض السعر بصورة كبيرة، لا لأنهم يريدون البيع، وإنما لأن السعر المنخفض هو (الطعم) الذي سيجذب الضحية. فحين يرى الإنسان سيارة يعلم أن قيمتها في السوق أعلى بكثير مما هو معروض، قد يتغلب الطمع في الفرصة على الحذر، ويبدأ هو بنفسه في البحث عن الجاني بدلًا من أن يبحث الجاني عنه. وهنا تبلغ (الحيلة الاحتيالية) درجة أكثر دهاءً؛ إذ يتحول المجني عليه من شخص يُستدرج إلى شخص يعتقد أنه هو الذي اكتشف الفرصة. ثم تبدأ المرحلة الثانية: «العربون» مبلغ يبدو صغيرا مقارنة بقيمة السيارة، ولذلك يسهل على المجني عليه اتخاذ قرار التحويل. وقد يقول له الجاني إن السيارة عليها أكثر من مشترٍ، وإن العربون وحده كفيل بحجزها، أو إن المبلغ مطلوب لإيقاف الإعلان، أو لتأكيد الجدية، أو لأي سبب آخر. فإذا وصل المال، لم تعد هناك حاجة إلى استمرار المسرحية. وهنا نصل إلى لحظة شديدة الدلالة في المشروع الإجرامي: اللحظة التي يتحول فيها ((الوهم)) إلى مال حقيقي. فقبل التحويل يكون الجاني قد صنع واقعة وهمية، وبعد التحويل يصبح الوهم وسيلة للاستيلاء على مال المجني عليه.

ولهذا فإن التحقيق في هذه الجرائم لا ينبغي أن يتوقف عند الحساب الذي ظهر أمام المجني عليه. الحساب قد يكون مجرد واجهة، والاسم قد يكون مستعارا، والصورة قد تكون مسروقة أو مولدة، ورقم الهاتف قد يكون مسجلا باسم شخص آخر، والحساب المالي الذي استقبل الأموال قد يكون بدوره حلقة في سلسلة أوسع. ولذلك فإن كشف الحقيقة يقتضي إعادة بناء الواقعة كاملة : من أنشأ الحساب؟ من نشر الإعلان؟ من امتلك وسيلة الاتصال ؟ من تحدث مع المجني عليه؟ إلى أين ذهبت الأموال؟ ومن كانت له السيطرة الفعلية على الحساب أو الهاتف أو وسيلة استلام المال؟وفي هذا النوع من الجرائم، قد يكون الأثر الرقمي أكثر صدقا من الصورة التي شاهدها المجني عليه. فالصورة يمكن اصطناعها، والاسم يمكن تغييره، والحساب يمكن أن يحمل شخصية غير حقيقية، أما آثار الاتصال والتحويل وتوقيتات الدخول والرسائل والبيانات الفنية فقد تكشف في مجموعها الطريق الذي سلكته الجريمة . ولا يعني ذلك أن كل شخص يستخدم صورة غير مملوكة له أو ينشئ حسابا باسم مختلف يصبح نصابا. فهذه نتيجة لا يقبلها المنطق الجنائي. التكييف لا يبنى على الشبهة ولا على مجرد استخدام التقنية، وإنما على توافر عناصر الجريمة وإثبات الصلة بين الأفعال والنتيجة والقصد الجنائي. فالمشرع لا يعاقب الإنسان لأنه استخدم التكنولوجيا، وإنما يعاقبه عندما يستخدمها في سلوك تتوافر فيه أركان الجريمة.

ومن هنا تبرز أهمية إثبات القصد الجنائي فإذا ثبت أن الشخص كان يعلم أنه لا يملك السيارة، وأنه مع ذلك قدم نفسه باعتباره مالكها أو بائعها، وأنه استخدم صورا مصطنعة أو منسوبة إلى الغير لإقناع المشتري، وأنه حدد سعرا بقصد استدراجه، ثم طلب المال وهو يعلم أنه لن ينفذ البيع ، فإننا لا نكون أمام فشل في تنفيذ عقد بيع، وإنما أمام فارق جوهري بين من أراد أن يبيع ولم يتمكن، ومن لم يرد البيع أصلا وإنما أراد المال . وهذه التفرقة بالذات مهمة ؛ لأن ليس كل خلاف ينشأ عن بيع إلكتروني جريمة نصب. فقد يتفق شخصان على بيع سيارة حقيقية، ثم يتعذر التسليم، أو ينشأ نزاع حول الثمن أو حالة السيارة أو تنفيذ الالتزام، فهذه مسألة تختلف عن الحالة التي يكون فيها البيع نفسه مجرد ستار للاستيلاء على المال. العبرة ليست بما يقال بعد الواقعة، وإنما بحقيقة المشروع منذ بدايته وما تكشف عنه الأدلة. إننا أمام صورة من صور الاحتيال الذي تغيرت أدواته بينما بقي جوهره الإنساني والقانوني واحدا : إحداث الغلط في نفس المجني عليه، ثم دفعه إلى التصرف في ماله بناءً على هذا الغلط.
لكن الجديد أن الجاني أصبح قادرا على بناء هذا الغلط بدرجة من الإتقان لم تكن متاحة من قبل. يستطيع أن يصنع صورة، ويضع لها قصة، وينشئ لها حسابا، ويمنح الحساب مظهرا اجتماعيا ، ويتحدث مع الضحية، وربما يستخدم أكثر من حساب لتأكيد المعلومة ذاتها، ثم ينتظر اللحظة التي تتحول فيها الثقة إلى تحويل مالي. وهنا لا مناص من الاعتراف بأن الجريمة دخلت مرحلة جديدة: لم يعد الجاني يكتفي بانتحال اسم إنسان، وإنما يستطيع أن يصنع حول هذا الاسم وجودا رقميا كاملا. ولم يعد يكتفي بادعاء وجود سيارة، وإنما يستطيع أن يقدم صورة لها، ومواصفات لها، وسعرا لها، ومكانا لها، وربما مقاطع مرئية لها، وكل ذلك قد يكون مصنوعا من العدم. وهذه هي النقطة التي تستحق أن يتوقف عندها الفكر الجنائي طويلا ؛ لأن الخطر الحقيقي ليس في أن يصبح الكذب أكثر سهولة، وإنما في أن يصبح الكذب قابلا للتجسيد. فالإنسان كان يستطيع أن يقول كلاما كاذبا، أما اليوم فقد يستطيع أن يقدم لك صورة وفيديو ومحادثة وملفا رقميا يوحي بأن الكذب حقيقة ماثلة أمامك.

ومن ثم فإن المواجهة الجنائية لهذه الظاهرة لا ينبغي أن تنحصر في السؤال عن «الحساب الفيك»، لأن الحساب قد يغلق وينتهي أثره ، وإنما ينبغي أن تنصرف إلى المشروع الإجرامي كله. من أين بدأت الفكرة؟ كيف صنعت الصورة؟ من أنشأ الإعلان؟ من أدار التواصل؟ من طلب المال؟ أين ذهب المال؟ ومن استفاد منه ؟ وهل كان هناك أكثر من حساب أو أكثر من رقم أو أكثر من شخص؟ فالجريمة الحديثة قد لا يكون لها وجه واحد، وقد لا يكون لها هاتف واحد، وقد لا يكون لها حساب واحد. وقد يكون الشخص الذي يتحدث مع الضحية ليس هو الشخص الذي يستلم المال، ومن يستلم المال ليس بالضرورة صاحب الفكرة. ولذلك فإن (الإثبات الجنائي) في هذه الوقائع يحتاج إلى قراءة متكاملة للآثار الرقمية والمالية والاتصالية، لا إلى الوقوف عند المظهر الخارجي للحساب. أخطر ما في هذه الصورة من الإجرام أن الجاني لا يبيع سيارة، وإنما يبيع ((وهم)) امتلاك سيارة، ولا يطلب ثمن صفقة، وإنما يطلب ثمن (الثقة) التي نجح في صناعتها داخل عقل المجني عليه.

وحين يصل المال إلى يده، تكون السيارة قد اختفت، والحساب قد اختفى، والصورة لم تعد تعني شيئا، لكن الجريمة تكون قد تركت أثرها الحقيقي: مال انتقل من ذمة إلى ذمة بسبب (واقعة كاذبة) صنعت بعناية. وهنا ينبغي أن ندرك أن الذكاء الاصطناعي لم يخلق جريمة النصب، لكنه منح النصاب أدوات لم تكن متاحة له من قبل. أما الجريمة نفسها فبقيت في جوهرها جريمة إنسان؛ إنسان كذب، ودبّر، واستدرج، وأحدث الغلط، وقصد المال. ولذلك فإن المعركة الجنائية المقبلة لن تكون مع الصورة وحدها، ولا مع الحساب الوهمي وحده، وإنما مع صناعة الحقيقة الزائفة التي يستطيع الجاني أن يضعها أمام الإنسان حتى يصدقها، ثم يدفع من ماله ثمنا لشيء لم يكن موجودا قط. إنها ليست جريمة بيع سيارة على الإنترنت ؛ إنها جريمة بيع الوهم مقابل مال حقيقي. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى