عقد الهاتف المحمول بين الخصوصية وانتهاكها

محمد إبراهيم الجوهري – باحث دكتوراه

للهاتف المحمول أهمية بالغة في حياة الإنسان اليومية لما له من خصوصية وسرية ومعاملات يومية، فمن خلاله تنجز المعاملات، وتحول الأموال، وتصل الأرحام، وتقضي المصالح، ولذلك أضحت وتيرة استخدام الهاتف المحمول في تزايد لما تمثله من أهمية قصوي في حياة الفرد والمجتمع، وعقد الهاتف المحمول هو عقد مثل باقي العقود مُكون من طرفين الأول: هي الشركة التي تزود الطرف المتلقي بالخدمة اللازمة، والطرف الثاني: هو متلقي الخدمة من الطرف الأول، ومحل العقد مكون من أمرين، الأمر الأول: هو خدمة الاتصالات التي يقدمها مقدم الخدمة المتمثلة في الشركة التي تقدم الخدمة للطرف الأول، والأمر الثاني: هو المقابل المادي مقابل تلقي الخدمة، فالعقد هنا عقد رضائي مُلزم للطرفين، وهو من العقود الزمنية المستمرة تنفيذه، وكذلك هو عقد من عقود الإذعان يُسلم فيه القابل بشروط مقررة يضعها الموجب، ولا يقبل المناقشة فيها والمتمثلة في شركة الاتصالات، ويُكيف العقد هنا فقهيًا أنه من عقود التوريد أي: توريد الخدمات، كعقد توريد خدمات الماء والكهرباء والغاز وغيرها، وعقد التوريد من العقود الجائزة إذا توافرت شروطها وضوابطها، وعلي ذلك فللعقد شروطًا وآثارًا مُلزمة للطرفين منها: الدفع المسبق أو اللاحق من قبل الطرف الأول وهو متلقي الخدمة، واحترام غرض التعاقد، أما مُقدم الخدمة فيلتزم بالسرية والتأمين والخصوصوية للطرف الأول، ولم يقف القانون مكتوفي الأيدي في مواجهة تنظيم وتقديم خدمات الهاتف المحمول، ولقد نظم الدستور والقانون ذلك.

فجاءت المادة 57 من الدستور المصري الصادر عام 2014م تنص علي: “للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس، وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب، ولمدة محددة، وفى الأحوال التي يبينها القانون، كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين فى استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفى، وينظم القانون ذلك”.

ونصت المادة 2 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018م، في الفقرة (2) علي: المحافظة على سرية البيانات التى تم حفظها وتخزينها، وعدم افشائها أو الافصاح عنها بغير أمر مسبب من إحدى الجهات القضائية المختصة، ويشمل ذلك البيانات الشخصية لأى من مستخدمى خدمته أو أى بيانات أو معلومات متعلقه بالمواقع والحسابات الخاصة التى يدخل عليها هؤلاء المستخدمون، أو الأشخاص والجهات التى يتواصلون معها.

وكذلك نصت الفقرة (3) على تأمين البيانات والمعلومات بما يحافظ على سريتها، وعدم اعتراضها أو اختراقها أو تلفها.

بل وجاءت المادة (4) من القانون رقم 151 لسنة 2020م بإصدار قانون حماية البيانات الشخصية، فنصت المادة (4): مع مراعاة أحكام المادة (12) من هذا القانون، يلتزم المتحكم بما يأتي:

1 – الحصول علي البيانات الشخصية أو تلقيها من الحائز أو من الجهات المختصة بتزويده بها بحسب الأحوال بعد موافقة الشخص المعني بالبيانات، أو في الأحوال المصرح بها قانونا.

2 – التأكد من صحة البيانات الشخصية واتفاقها وكفايتها مع الغرض المحدد لجمعها.

3 – وضع طريقة وأسلوب ومعايير المعالجة طبقـــًا للغرض المحدد، ما لم يقرر تفويض المعالج في ذلك بموجب تعاقد مكتوب.

4 – التأكد من انطباق الغرض المحدد من جمع البيانات الشخصية لأغراض معالجتها.

5 – القيام بعمل أو الامتناع عن عمل يكون من شأنه إتاحة البيانات الشخصية إلا في الأحوال المصرح بها قانونًا.

6 – اتخاذ جميع الإجراءات التقنية والتنظيمية وتطبيق المعايير القياسية اللازمة لحماية البيانات الشخصية وتأمينها حفاظا علي سريتها، وعدم اختراقها أو إتلافها أو تغييرها أو العبث بها قِبَل أي إجراء غير مشروع.

7 – محو البيانات الشخصية لديه فور انقضاء الغرض المحدد منها، أما في حال الاحتفاظ بها لأي سبب من الأسباب المشروعة بعد انتهاء الغرض، فيجب ألا تبقي في صورة تسمح بتحديد الشخص المعني بالبيانات.

8 – تصحيح أي خطأ بالبيانات الشخصية فور إبلاغه أو علمه به.

9 – إمساك سجل خاص للبيانات، علي أن يتضمن وصف فئات البيانات الشخصية لديه، وتحديد من سيفصح لهم عن هذه البيانات أو يتيحها لهم وسنده والمدد الزمنية وقيودها ونطاقها وآليات محو البيانات الشخصية لديه أو تعديلها وأي بيانات أخري متعلقة بنقل تلك البيانات الشخصية عبر الحدود ووصف الإجراءات التقنية والتنظيمية الخاصة بأمن البيانات.

10 – الحصول علي ترخيص أو تصريح من المركز للتعامل مع البيانات الشخصية.

11 – يلتزم المتحكم خارج جمهورية مصر العربية بتعيين ممثل له في جمهورية مصر العربية وذلك علي النحو الذي تبينه اللائحة التنفيذية.

12 – توفير الإمكانيات اللازمة لإثبات التزامه بتطبيق أحكام هذا القانون وتمكين المركز من التفتيش والرقابة للتأكد من ذلك. وفي حال وجود أكثر من متحكم يلتزم كل منهم بجميع الالتزامات المنصوص عليها في هذا القانون، وللشخص المعني ممارسة حقوقه تجاه كل متحكم علي حدة، وتحدد اللائحة التنفيذية لهذا القانون السياسات والإجراءات والضوابط والمعايير الفنية لتلك الالتزامات.

ونصت المادة 29 على: يلتزم المورد الذي أبرم العقد بالحفاظ على المعلومات والبيانات الخاصة بالمستهلك، وألا يتداولها أو يفشيها بما يخالف أحكام هذا القانون أو القوانين المتعلقة بهذا الشأن، ما لم يثبت قبول المستهلك صراحة بذلك، كما يلتزم باتخاذ جميع الاحتياطيات الضرورية للحفاظ على سرية وخصوصية هذه البيانات والمعلومات.

إلا أن هناك أخطاء واردة ومنها ما ارتكب من شركات الهاتف المحمول في حق الأشخاص وخاصة في تسجيل خطوط الهاتف المحمول منها:

الواقعة الأولى:

وهي إحدي الوقائع التي حدثت من السماح لشخص غير مصرح له بالحصول على شريحة هاتف لإحدي السيدات، ففي فبراير 2025م، أصدرت المحكمة الاقتصادية في الإسكندرية حكمًا يلزم شركة إحدي شركات الهاتف المحمول في مصر، بدفع تعويض قدره عشرة ملايين جنيه لامرأة تعرضت لانتهاك بياناتها الشخصية، حيث جاء هذا الحكم على خلفية قيام الشركة باستبدال شريحة هاتف المدعية دون موافقتها.

واعتبرت المحكمة أن شركة الاتصالات، قد أخفقت في الالتزام بقانون حماية المستهلك فيما يخص المحافظة على سرية بيانات المدعية، حيث سمحت بتداول بيانات تعاقدها وشريحة هاتفها بشكل غير مشروع، وألزمت المحكمة الإقتصادية شركة المحمول بتعويضًا جابرًا للمدعي.

حيث أنه وجدت عناصر المسؤولية التقصيرية متوافرة في الدعوى، وهي الخطأ والضرر وعلاقة السببية. فالخطأ تمثل في إخلال شركة المحمول بالتزاماتها القانونية والأمنية تجاه المدعية من خلال السماح عمليًا لشخص غير مصرح له بالحصول على شريحة هاتفها وما تبع ذلك من انتهاك خصوصيتها.

فالضرر تمثل ماديًا فيما لحق المدعية من خسائر أو تكاليف محتملة وأدبيًا تمثل في معاناتها النفسية وضغوط الابتزاز وانتهاك خصوصيتها. والعلاقة السببية واضحة، حيث أن تقصير الشركة في حفظ البيانات وتغيير الشريحة دون إذن لما وقع الضرر من الأساس.

واعتبرت المحكمة شركة الهاتف المحمول في مقام حارس الشيء الخطر فيما يتعلق ببيانات وخطوط عملائها، فقررت المحكمة أن شركة الاتصالات هي حارس بيانات المشتركين بحكم تحكمها الفعلي في منظومة تشغيل شرائح الهواتف وما يرتبط بها من بيانات واتصالات، وبناء علي ذلك تسأل الشركة علي ضرر يقع جراء ذلك الانتهاك.

الواقعة الثانية:

حدثت في 17 نوفمبر 2022م، حيث أنه وفي أثناء تواجد إحدي السيدات خارج مصر، قام مجهولون باستصدار شريحة هاتف جديدة لخطها المحمول دون علمها أو موافقتها، وتمكن المجهولون من الاستيلاء على حساب واتساب الخاص بالمدعية وابتزازها للتنازل عن دعاوى قضائية كانت قد أقامتها ضد شركة عقارية في الخارج.

وعلي ذلك قامت المدعية بتحرير محضرًا بالواقعة، وطالبت شركة الهاتف المحمول بنسخة من عقد الهاتف إلا أن الشركة رفضت تسليمها نسخة العقد، فقامت المدعية برفع دعوى أمام المحكمة الاقتصادية طالبت فيها بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بها.

الواقعة الثالثة:

حكمت محكمة القاهرة الاقتصادية – الدائرة الاولي الاستئنافية – يوم الاثنين 7/11/2022م، ضد احدي شركات الهاتف المحمول، حيث اتهم أحد الأشخاص يعمل محاميًا، وحين توجهه للتقدم لوظيفة شؤن قانونية بإحدي الشركات الكبري، وحين استخراج أوراق التعيين تفاجأ بوجود حكم عليه بالحبس شهر مع الشغل والنفاذ، بجنحة سرقة تبين أنها عن جنحة سرقة هاتف محمول، وقد أسند إليه الاتهام بناء علي شهادة صادرة من شركة فودافون بأنه مالك الخط، والذي تم استعماله في الهاتف محل السرقة، وعلي ذلك أضحي متهمًا وصدر ضده حكم بالحبس.

وحيث تقدم المذكور بشكوي للجهاز القومي للاتصالات، وبعد الفحص تبين أن الخط تم تسجيله باسم المذكور عن طريق الخطأ وتم الغاؤه، فأقام المدعي دعواه لما في ذلك من تأثيرًا وضررًا أمام أسرته وأقرانه وممن يشتغلون بمهنته والمتعاملون معه.

فهل نحن بحاجة ضرورية لمراجعة ومعالجة تشريعية لقانون تنظيم الاتصالات رقم (10) لسنة 2003م، بحيث يتم تجريم أي تلاعب أو إهمال في عمليات تسجيل الخطوط، مع النظر إلي الجهات التي يثبت تورطها في إصدار شرائح بالمخالفة القانونية وما يتبعها؟ الإجابة بكل تأكيد نعم.

زر الذهاب إلى الأعلى