دراسة ملف الشخصية

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني

من أكثر الأخطاء التي تقع فيها العدالة أن تنشغل بالفعل، وتنسى الفاعل. فالجريمة لا تولد وحدها ولا تنشأ في فراغ، وإنما تصدر عن إنسان له تكوينه، وله بيئته، وله ظروفه التي صنعت شخصيته عبر سنوات طويلة. وهذا لا يعني أن تلك الظروف ترفع عنه المسؤولية الجنائية أو تمنحه عذرًا لم يقرره القانون، وإنما يعني أن العدالة لا ينبغي أن تغض الطرف عنها وهي تتخذ قرارات قد تمس حريته قبل أن يصدر حكم بإدانته. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كثيرًا من الإجراءات ليس: ماذا ارتكب هذا المتهم؟ وإنما: من هو هذا المتهم؟

قد يبدو السؤال لأول وهلة أقرب إلى (علم النفس أو علم الاجتماع) لكنه في حقيقته سؤال قانوني من الطراز الأول. لأن القانون لا يطبق على جريمة مجردة، وإنما يطبق على إنسان. والإنسان لا يولد صفحة واحدة، ولا يتكون في بيئة واحدة، ولا يعيش الظروف ذاتها التي يعيشها غيره. فمن الناس من نشأ في أسرة مستقرة، ومنهم من نشأ وسط التفكك والعنف، ومنهم من وجد من يحتويه إذا أخطأ، ومنهم من لم يجد إلا الشارع أو ((العالم الافتراضي)) يربيه ويوجه أفكاره ويعيد تشكيل قناعاته. ولهذا لا أرى أن العدالة تكتمل إذا عرفت الجريمة، وجهلت الإنسان الذي ارتكبها.

ومن هنا تتجلى قيمة واحدة من أرقى الأفكار التي عرفها قانون الإجراءات الجنائية (الفرنسي) وهي دراسة ملف شخصية المتهم أثناء مرحلة (التحقيق) الابتدائي. وهي فكرة لا تقوم على البحث عن مبررات للجريمة، ولا على تخفيف المسؤولية عن مرتكبها، وإنما تقوم على أن حسن تطبيق القانون يبدأ بحسن معرفة من سيطبق عليه القانون.

وقد يتساءل البعض: وما الذي ستضيفه دراسة شخصية المتهم إلى التحقيق؟ أليست الأوراق، وأقوال الشهود، والأدلة الفنية، كافية للوصول إلى الحقيقة؟! والواقع أنها تكفي لمعرفة الجريمة، لكنها لا تكفي دائمًا لمعرفة الجاني. كما تعلم أن المحقق لا يقف دوره عند جمع الأدلة، وإنما يتخذ خلال التحقيق قرارات شديدة الخطورة، قد يكون أخطرها قرار يتعلق بحرية إنسان لم يصدر ضده حكم بعد. وهذه القرارات لا ينبغي أن تبنى على صورة ناقصة، وإنما على رؤية متكاملة تجمع بين الواقعة وصاحبها. ولهذا لم يكتف المشرع الفرنسي بمحاضر التحقيق، وإنما جعل إلى جوار سلطة التحقيق مختصين في (الجوانب الاجتماعية) ويستعان – عند الاقتضاء – بمتخصصين في (الجوانب النفسية) يتولون إعداد ملف عن شخصية المتهم، يتناول بيئته الأسرية، وظروفه الاجتماعية، ومستواه التعليمي، وطبيعة عمله، وسلوكه العام، وحالته النفسية، وما إذا كان قد مر بظروف استثنائية أو أزمات أثرت في تكوين شخصيته. ثم يوضع هذا الملف بين يدي سلطة التحقيق، لا لتحكم من خلاله بالإدانة أو البراءة، وإنما لتستعين به في حسن تقدير الإجراءات التي ستتخذها.

وهنا يبرز سؤال آخر: أليس مكان هذه الدراسة هو المحكمة عند تقدير العقوبة؟ وفي تقديري، هنا تكمن عبقرية المشرع الفرنسي. فهو لم ينتظر مرحلة المحاكمة، وإنما نقل هذه الدراسة إلى مرحلة التحقيق الابتدائي، لأن التحقيق هو المرحلة التي تتخذ فيها أخطر القرارات الإجرائية. فالحبس الاحتياطي، وإخلاء السبيل، والتدابير المقيدة للحرية، وطلبات الخبرة، كلها قرارات تصدر قبل أن تنطق المحكمة بكلمة واحدة في موضوع الدعوى. فكيف نتخذ هذه القرارات دون أن نعرف الإنسان الذي ستطبق عليه؟ ولنتصور أن أمام المحقق شخصين ارتكبا الجريمة ذاتها، وفي الظروف ذاتها، وبالوصف القانوني ذاته. هل يكون القرار في شأنهما واحدًا؟!

قد يكشف ملف الشخصية أن أحدهما يعيش حياة مستقرة، ولم يعرف طريق الجريمة من قبل، وله عمل ثابت، وأسرة مستقرة، ولا يخشى من هروبه أو العبث بأدلة الدعوى. بينما يكشف الملف أن الآخر متعدد السوابق، اعتاد الإجرام، ولا يتورع عن التأثير في الشهود أو إخفاء الأدلة أو الفرار من العدالة. فهل يستقيم، بعد ذلك، أن ننظر إليهما النظرة الإجرائية ذاتها؟ أحسب أن الإجابة واضحة، فكما تعرف أن
العدالة لا تعني أن نساوي بين الناس رغم اختلافهم، وإنما تعني أن نطبق القاعدة القانونية الواحدة تطبيقًا يراعي ما بين الأشخاص من فروق تؤثر في القرار الإجرائي، دون أن تمس أصل المساواة أمام القانون. ولعل أقرب مثال إلى ذلك هو الطبيب. فهو لا يصف العلاج لأن اسم المرض واحد، وإنما لأنه عرف المريض الذي أمامه… قد يتشابه التشخيص، لكن الجرعة تختلف، وطريقة العلاج تختلف، بل وقد يمنع دواء يصلح لغيره إذا تبين أن حالته لا تحتمله. والعدالة الجنائية، في جوهرها، لا تختلف عن ذلك. فالعقوبة لم تشرع للإيذاء، ولم تجعل للانتقام، وإنما شرعت لحماية المجتمع، وردع الجاني، وتقويم سلوكه. وإذا كانت الغاية هي الإصلاح، فمن الطبيعي أن يكون الطريق إلى الإصلاح مختلفا من شخص إلى آخر. وما يصلح مع جانٍ معتاد على الإجرام، قد يكون قاسيا وغير لازم في مواجهة آخر دفعت به ظروف استثنائية إلى الوقوف لأول مرة أمام سلطة التحقيق.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية لدراسة ملف الشخصية؛ فهي لا تغير النص القانوني، ولا تعطل تطبيقه، وإنما تجعل تطبيقه أكثر حكمة، وأكثر عدلا، وأكثر قدرة على تحقيق الغاية التي شرع من أجلها. فهي لا تبحث في الجريمة وحدها، وإنما تبحث أيضًا في الإنسان، لأن القانون قد يحاكم الفعل، لكن العدالة لا يجوز أن تغفل صاحب الفعل. وإذا كانت دراسة ملف الشخصية تعين سلطة التحقيق على فهم الإنسان الذي تجري مساءلته، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: ما الثمرة العملية لهذه الدراسة؟ هل تبقى مجرد معلومات تضاف إلى أوراق الدعوى، أم أنها تنعكس بالفعل على القرارات التي تصدر أثناء التحقيق؟ في تقديري، هنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا النظام. فأخطر ما يميز مرحلة التحقيق الابتدائي أنها ليست مرحلة لإثبات الوقائع فحسب، وإنما هي مرحلة تتخذ فيها قرارات قد تكون أشد أثرًا في حياة المتهم من الحكم ذاته. فالإنسان قد يقضي أشهرًا، وربما سنوات، رهن الحبس الاحتياطي، ثم تنتهي الدعوى إلى البراءة أو إلى عقوبة لا تستوجب أصلًا تلك المدة التي قضاها خلف القضبان. ومن هنا، فإن كل قرار يصدر في هذه المرحلة ينبغي أن يبنى على أكبر قدر ممكن من المعرفة، لا على مجرد الظن أو الانطباع.

ولهذا لم ينظر المشرع الفرنسي إلى الحبس الاحتياطي باعتباره إجراءً معتادًا، وإنما باعتباره استثناءً لا يلجأ إليه إلا إذا اقتضته مصلحة التحقيق، وتوافرت مبرراته القانونية. ولم يترك هذا القرار يدار بالتصور المجرد، بل أحاطه بضمانات متعددة، وأسنده إلى قاضٍ متخصص هو قاضي الحريات والحبس، الذي يوازن بين حق المجتمع في حماية التحقيق، وحق الإنسان في أن تظل حريته هي الأصل ما لم تفرض الضرورة غير ذلك.

وهنا تصبح دراسة ملف الشخصية أداة بالغة الأهمية بين يدي من يتخذ القرار. فقد تكشف هذه الدراسة أن المتهم مستقر في محل إقامته، وله عمل ثابت، ويرتبط بأسرة مستقرة، وليس من المتوقع أن يهرب أو يؤثر في الشهود أو يعبث بالأدلة. فهل يكون الحبس الاحتياطي، في هذه الحالة، هو الخيار الوحيد؟! وفي المقابل، قد تكشف الدراسة أن المتهم اعتاد الإجرام، أو سبق فراره من تنفيذ أحكام أو إجراءات أو يتمتع بنفوذ يمكنه من التأثير في الشهود أو إخفاء الأدلة أو أن شخصيته تكشف عن درجة مرتفعة من الخطورة الإجرائية. عندئذ يصبح الحبس الاحتياطي أكثر اتساقًا مع الغاية التي شرع من أجلها.

واللافت للنظر أن هذه الدراسة لا تنظر إلى الماضي وحده، وإنما تساعد أيضًا في استشراف السلوك المتوقع أثناء سير التحقيق. فهي لا تسأل فقط: ماذا كان هذا الشخص؟ وإنما تسأل أيضًا: كيف يحتمل أن يكون سلوكه إذا أخلي سبيله؟
ومن هنا، فإن دراسة ملف الشخصية لا تخدم المتهم وحده، كما قد يتصور البعض، وإنما تخدم المجتمع كذلك. فقد تكون سببًا في عدم حبس شخص لا تستوجب حالته الحبس، وقد تكون في الوقت نفسه سببًا في تشديد الرقابة على شخص تكشف ظروفه عن خطورة حقيقية. فهي تحقق العدالة في الاتجاهين معًا، لا في اتجاه واحد. وهنا يبرز تطور آخر لا يقل أهمية، وهو الاتجاه الحديث نحو البدائل المقيدة للحرية.

ولعل من الضروري أن نفرق بين التدابير السالبة للحرية والتدابير المقيدة للحرية، لأن الخلط بينهما لا يزال شائعًا.
فالتدبير السالب للحرية هو الذي يؤدي إلى إيداع الشخص داخل المؤسسة العقابية، فيفقد حريته كاملة طوال مدة التنفيذ. أما التدبير المقيد للحرية، فلا يسلب الحرية بالكامل، وإنما يقيد ممارستها بضوابط معينة، مع بقاء الشخص خارج المؤسسة العقابية، بما يحقق مصلحة التحقيق دون اللجوء إلى الحبس متى لم تكن هناك ضرورة حقيقية إليه.

ولهذا اتجهت التشريعات الحديثة إلى الاستفادة من الوسائل التكنولوجية في هذا المجال، وفي مقدمتها المراقبة الإلكترونية باستخدام السوار الإلكتروني، وهو نظام عرفه التشريع الفرنسي، وأخذت به كذلك تشريعات أوروبية عدة، كما عرفه التشريع الإنجليزي، فأصبح وسيلة فعالة تتيح متابعة المتهم والتأكد من التزامه بالقيود المفروضة عليه، دون أن تقطع صلته بأسرته أو عمله أو مجتمعه إذا كانت ظروف الدعوى تسمح بذلك. وهنا تعود دراسة ملف الشخصية لتؤدي دورها مرة أخرى. فليس كل متهم يصلح لأن يخضع للمراقبة الإلكترونية، كما أن ليس كل متهم يستوجب حبسه احتياطيًا. والاختيار بين هذين الطريقين لا ينبغي أن يكون قائمًا على جسامة الجريمة وحدها، وإنما على طبيعة الشخص الذي ارتكبها، ومدى التزامه، وخطورة سلوكه، واحتمالات هروبه أو عبثه بسير العدالة.

ومن اللافت أن المشرع المصري بدأ بالفعل يقترب من هذه الفلسفة عندما استحدث في قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 عددًا من التدابير المقيدة للحرية، والتي يبدأ العمل بها في الأول من أكتوبر سنة 2026. وهي خطوة مهمة تعكس تطورًا في الفكر الإجرائي، لأنها تؤكد أن الحبس الاحتياطي لم يعد الوسيلة الوحيدة لحماية التحقيق. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، تظل بحاجة إلى خطوة أخرى لا تقل عنها أهمية، وهي أن يسبق اختيار التدبير المناسب دراسة علمية لشخصية المتهم. فكيف نختار بين الحبس الاحتياطي، أو المراقبة الإلكترونية، أو غيرها من التدابير، إذا كنا لا نملك صورة واضحة عن الإنسان الذي سيطبق عليه أي من هذه الإجراءات؟! القرار السليم لا يصنعه النص وحده، وإنما تصنعه أيضًا المعرفة الكاملة بالإنسان محل هذا القرار. ومن هنا تبدو دراسة ملف الشخصية ليست مجرد إجراء إضافي، وإنما الأساس الذي يمنح كثيرًا من القرارات الإجرائية معناها الحقيقي، ويجعلها أقرب إلى العدالة التي لا تكتفي بمعرفة الجريمة، وإنما تحرص كذلك على معرفة من ارتكبها.

وإذا كان المشرع المصري قد خطا خطوة مهمة نحو تطوير السياسة الإجرائية باستحداث عدد من التدابير المقيدة للحرية في قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، فإن هذه الخطوة، في تقديري، تظل بحاجة إلى استكمال حتى تؤتي ثمارها كاملة. فالتدبير، أيا كان نوعه، لا يكون ناجحا لمجرد النص عليه، وإنما ينجح عندما يطبق على الشخص المناسب، وفي الوقت المناسب، وبالقدر الذي تقتضيه حالته. وهنا تبرز أهمية أن يصاحب التحقيق الابتدائي نظام علمي لدراسة ملف شخصية المتهم، على نحو ما أخذ به المشرع الفرنسي. فلا يكون المحقق وحده في مواجهة أوراق الدعوى، وإنما يعاونه مختصون في الجوانب الاجتماعية والنفسية، يقدمون دراسة مهنية تساعده على تكوين صورة متكاملة عن المتهم، قبل أن تتخذ في مواجهته القرارات التي تمس حريته أو ترسم مسار الدعوى. وقد يظن البعض أن مكان هذه الدراسة هو قاعة المحكمة، لكنني أرى أن قيمتها الحقيقية تكمن في أن تجرى أثناء التحقيق الابتدائي، لا بعد انتهائه. فالتحقيق الابتدائي تحكمه السرية، وهي ليست سرية لمصلحة سلطة التحقيق وحدها، وإنما هي كذلك ضمانة للمتهم. ففي هذه المرحلة يمكن أن يكشف الفحص الاجتماعي أو النفسي عن أمور تتعلق بحياته الخاصة، أو بأسرته، أو بحالته الصحية أو النفسية، وهي أمور قد تكون ضرورية لتكوين القرار الإجرائي، لكنها ليست بالضرورة مما ينبغي أن يطرح في جلسة علنية يتابعها الجميع.

أما المحاكمة، فالأصل فيها العلانية، وهي ضمانة أساسية من ضمانات العدالة، لكنها بطبيعتها ليست البيئة الأنسب لإجراء دراسة متعمقة لشخصية المتهم، أو لكشف تفاصيل حياته الخاصة، بعد أن أصبحت الدعوى مطروحة على الملأ. ولعل هذه الحكمة هي التي دفعت المشرع الفرنسي إلى أن يجعل دراسة ملف الشخصية جزءًا من مرحلة التحقيق، حيث تكون السرية أقرب إلى تحقيق الغاية المرجوة، وأقدر على حماية خصوصية الإنسان، دون إخلال بحقوق الدفاع أو بضمانات المحاكمة العادلة. وأحسب أن الحاجة إلى هذا النظام أصبحت اليوم أشد من أي وقت مضى. فنحن لا نعيش المجتمع الذي عرفناه قبل عشرين أو ثلاثين عاما. لقد تبدلت مصادر التأثير في الإنسان، ولم تعد الأسرة أو المدرسة أو الشارع وحدها هي التي تشكل السلوك. بل دخلت إلى حياتنا عوالم رقمية مفتوحة، ومنصات تواصل اجتماعي، ومحتوى عابر للحدود، وأنماط جديدة من العنف، والتقليد، والتحديات، حتى أصبح من الممكن أن يتأثر شاب داخل غرفته بما كان يحتاج في الماضي إلى سنوات حتى يصل إليه. لقد تغيرت البيئة التي تصنع الجريمة، ومن الطبيعي أن تتغير معها وسائل فهمها.
وليس المقصود بذلك أن ننسب كل جريمة إلى وسائل التواصل الاجتماعي أو إلى الاضطرابات النفسية، فالجريمة كانت موجودة قبلها وستظل موجودة بعدها. لكن المقصود أن العوامل المؤثرة في السلوك الإجرامي أصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا، وهو ما يفرض على العدالة أن تطور أدواتها في الفهم، كما طورت أدواتها في كشف الجريمة وإثباتها.لقد أنفقنا الكثير من الجهد على تطوير وسائل جمع الدليل الرقمي، وتحليل البصمة الوراثية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في الإثبات، وهي خطوات مهمة لا خلاف عليها. غير أن العدالة لا تحتاج فقط إلى تطوير وسائل معرفة كيف وقعت الجريمة، وإنما تحتاج أيضا إلى تطوير وسائل معرفة من هو الإنسان الذي ارتكبها.

ومن هنا، فإنني أرى أن الوقت قد حان لأن يلتفت المشرع المصري إلى فكرة (دراسة ملف الشخصية) وأن يجعلها جزءا من منظومة (التحقيق الابتدائي) في الأحوال التي تستدعي ذلك، باعتبارها وسيلة تعين سلطة التحقيق، وتساعد القاضي، وتحقق مصلحة المجتمع، وتحفظ في الوقت ذاته حقوق المتهم وكرامته. هذه الدعوة ليست نقلا لتجربة أجنبية لمجرد نجاحها، وليست افتتانا بتشريع على حساب آخر، وإنما هي دعوة إلى الاستفادة من فكرة أثبتت قيمتها العملية، وإعادة توظيفها بما يتلاءم مع البيئة القانونية المصرية وخصوصية المجتمع المصري. فالسياسة التشريعية الرشيدة لا تقاس بعدد النصوص التي تضيفها، وإنما بقدرتها على أن تجعل كل نص أقرب إلى تحقيق العدالة. وأحسب أن العدالة لا تبدأ من لحظة النطق بالحكم، بل تبدأ منذ اللحظة الأولى التي يجلس فيها المتهم أمام سلطة التحقيق. ففي تلك اللحظة تتشكل أولى القرارات، وتوضع أولى اللبنات، وقد يترتب عليها من الآثار ما لا يقل أهمية عما ينتهي إليه الحكم ذاته.

ولهذا، فإن معرفة الجريمة وحدها لم تعد تكفي.أما معرفة الإنسان الذي ارتكبها، فقد أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة المجتمع المعاصر، وتقتضيها السياسة الجنائية الحديثة.
ولعلها تكون همسة صادقة في أذن المشرع المصري: إذا كنا قد نجحنا في تطوير وسائل كشف الجريمة، فقد آن الأوان أن نطور كذلك وسائل فهم مرتكبها. فذلك ليس خروجًا على العدالة، بل هو اقتراب منها، لأن القانون يحاكم الفعل، أما العدالة فلا يليق بها أن تغفل الإنسان. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى