الاحتيال التفاعلي الرقمي

مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني 

أحيانا لا تبدأ الجريمة بصوت رصاص ولا بكسر باب ولا بخطة هروب في منتصف الليل بل تبدأ أمام شاشة هاتف صغيرة وضحكة مصطنعة وبث مباشر يظنه الناس عابرا بينما تخفي خلفه نية أكثر ظلمة مما يبدو. نجلس لساعات نتابع مشاجرات (التيك توك) وسبابا متبادلا وانفعالات حادة ودموعا وصراخا وتهديدات ثم نغادر المشهد باعتباره مجرد (ترفيه) أو مادة للتسلية اليومية دون أن نسأل أنفسنا السؤال الأخطر ماذا لو كان كل ذلك كذبا؟ ماذا لو كانت الإهانة متفقا عليها؟ والغضب تمثيلا؟ والفضيحة صناعة؟ والمشاهدات هي الهدف الحقيقي لكل هذا العبث؟!

 

كيف تحولت الكلمة الجارحة إلى وسيلة ربح؟ وكيف أصبح بعض صناع المحتوى مستعدين لبيع الاحترام والخصوصية والكرامة الإنسانية مقابل زيادة عدد المتابعين؟! وهل ما نراه اليوم مجرد انحدار أخلاقي عابر أم أننا أمام صورة حديثة من صور الاحتيال النفسي والاجتماعي تمارس على الجمهور تحت غطاء البث المباشر؟ الأمر لم يعد متعلقا فقط بألفاظ خارجة أو تجاوزات أخلاقية بل أصبح يمس فكرة الحقيقة نفسها فالمتابع يدخل إلى البث باعتباره شاهدا على واقع حقيقي بينما يكون في الحقيقة ضحية لمشهد مدار بعناية توزع فيه الأدوار بدقة ويصنع فيه الغضب كما تصنع الإعلانات وتختلق فيه الأزمات كما تكتب السيناريوهات وهنا تظهر أخطر صور الجريمة الحديثة جريمة لا تسرق المال مباشرة بل تسرق (وعي الناس) وثقتهم وإدراكهم للحقيقة

ومن هنا يبرز مصطلح (الاحتيال التفاعلي الرقمي) باعتباره أحد أخطر الأنماط الإجرامية المستحدثة في العصر الإلكتروني لأنه يقوم على استغلال الطبيعة الإنسانية ذاتها فضول الناس وتعاطفهم وانفعالهم ورغبتهم الدائمة في المتابعة فكل تعليق وكل مشاركة وكل مشاهدة تتحول إلى قيمة مالية بينما يتحول الجمهور نفسه إلى وقود لمنظومة قائمة على التضليل والإثارة المصطنعة.

 

والخطورة القانونية في هذا النموذج لا تكمن فقط في السلوك الظاهر وإنما في البنية الاحتيالية الكامنة خلفه إذ إن جوهر الاحتيال هنا لا يقوم على الاستيلاء التقليدي على المال بل على (خداع الإدراك الجمعي) للجمهور فالمتابع يدخل إلى البث المباشر معتقدا أنه يشاهد واقعة حقيقية بينما يكون في الحقيقة أمام مشهد تمثيلي معد سلفا قائم على توزيع الأدوار وإدارة الانفعال وافتعال الصدامات اللفظية لتحقيق أعلى معدلات الانتشار وهنا يتحقق (الركن المعنوي) للجريمة في صورته الأحدث قصد جنائي يتجاوز الإساءة العابرة إلى (نية مبيتة) لاستغلال التفاعل الإنساني وتحويله إلى مورد ربحي قائم على التضليل.

 

ومن الناحية الجنائية فإن هذا السلوك يفتح الباب أمام تكييفات قانونية متعددة ومتداخلة إذ قد تتوافر فيه أركان جرائم السب والقذف العلني وإساءة استخدام وسائل الاتصال ونشر المحتوى المخالف للآداب العامة. والأخطر أن هذا النموذج الإجرامي يعتمد على ما يمكن تسميته (اقتصاد الإثارة الرقمية) حيث أصبحت الخوارزميات الإلكترونية تكافئ المحتوى الأكثر استفزازا وصخبا بغض النظر عن قيمته الأخلاقية أو حقيقته الواقعية فكلما ارتفع مستوى الجدل والشتائم والانفعال زادت فرص الانتشار وتحقيق الأرباح الأمر الذي دفع بعض صناع المحتوى إلى تصنيع الأزمات عمدا باعتبارها وسيلة (تسويق رقمية) منخفضة التكلفة وعالية العائد!

 

غير أن الإشكالية الأعمق تكمن في الأثر المجتمعي طويل المدى لهذا النوع من المحتوى إذ إن تكرار مشاهد السباب والإهانة والادعاءات الكاذبة بصورة يومية يؤدي تدريجيا إلى تطبيع الانحراف اللفظي داخل الوعي الجمعي ويمنح الأجيال الأصغر انطباعا خطيرا بأن الشهرة لا تتحقق إلا عبر الصخب والانفلات الأخلاقي وهنا تتجاوز الجريمة حدودها الفردية لتصبح عدوانا على المنظومة القيمية ذاتها بما يهدد الأمن الاجتماعي والفكري بصورة قد تكون أشد خطورة من بعض الجرائم التقليدية. غير أن تحميل المسؤولية كاملة لصانع المحتوى وحده يظل معالجة قانونية ناقصة لأن هذا النوع من الجرائم لا ينمو داخل فراغ بل يتحرك داخل منظومة رقمية متكاملة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والتقنية والإعلامية فالمتابع الذي يمنح المشاهدة والتفاعل يتحول بصورة غير مباشرة إلى عنصر دعم لاستمرار هذا المحتوى بينما تبقى المنصات الرقمية ذاتها المستفيد المالي الأكبر من تصاعد المحتوى الصادم والمثير للجدل.

 

فالحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن كثيرا من خوارزميات المنصات الإلكترونية أصبحت تدفع تلقائيا بالمحتوى الأكثر استفزازا وإثارة إلى نطاق انتشار أوسع لأنه يحقق زمن مشاهدة أعلى وتفاعلا أكبر وعوائد إعلانية أضخم وهنا تبرز إشكالية قانونية وأخلاقية معقدة تتعلق بما إذا كانت تلك المنصات مجرد وسيط تقني محايد أم أنها أصبحت شريكا اقتصاديا غير مباشر في صناعة المحتوى المنحرف. ومن زاوية القانون الجنائي الحديث يثور تساؤل بالغ الخطورة هل يمكن اعتبار المنصة الرقمية مساهما معنويا في تفاقم هذا النمط الإجرامي طالما أنها تمتلك أدوات الخوارزمية والترويج والربح وتدرك طبيعة المحتوى المتداول ثم تستمر رغم ذلك في تعظيم انتشاره لتحقيق المكاسب؟ هذه الرؤية تنقل النقاش من فكرة (الفاعل الفرد) إلى فكرة (المنظومة الرقمية المنتجة للجريمة) وهي مقاربة قانونية أكثر تطورا واتساقا مع طبيعة الجرائم الإلكترونية الحديثة التي لم تعد ترتبط بشخص واحد فقط بل بشبكة كاملة من المصالح والتفاعلات الاقتصادية والإعلامية.

 

ولذلك فإن المواجهة القانونية لهذا النمط المستحدث من الجرائم لا ينبغي أن تقتصر على العقوبة الجنائية وحدها بل يجب أن تمتد إلى تطوير المفاهيم التشريعية المتعلقة بالخداع الرقمي والتلاعب الجماهيري والإثراء القائم على المحتوى (الاحتيالي) مع فرض التزامات قانونية أكثر صرامة على المنصات الرقمية فيما يتعلق بالرقابة والشفافية وآليات الترويج والربح لأن الجريمة الإلكترونية الحديثة لم تعد ترتدي القناع التقليدي للمجرم وإنما قد تظهر في صورة (صانع محتوى) يجلس أمام كاميرا هاتف ويبث الفوضى على الهواء مباشرة تحت ستار الترفيه بينما تعمل خلفه منظومة رقمية كاملة تحول الانفلات الأخلاقي إلى سلعة قابلة للاستثمار.

 

الاحتيال التفاعلي الرقمي ليس مجرد انحراف فردي معزول بل هو انعكاس لتحول خطير أصاب العلاقة بين الحقيقة والجمهور في العصر الرقمي حيث أصبح الزيف أكثر قابلية للانتشار من الحقيقة وأصبحت الإثارة تدر أرباحا تفوق أحيانا قيمة الصدق ذاته ومن هنا تبرز المسؤولية الكبرى الواقعة على القانون والمجتمع والمنصات الرقمية معا فالقانون مطالب بأن يطور أدواته لملاحقة الجرائم المستحدثة والمجتمع مطالب بألا يتحول إلى شريك غير مباشر في صناعة هذا العبث عبر مكافأة المحتوى المنحرف بالمشاهدة والتفاعل والمنصات الرقمية مطالبة بألا تجعل من الفوضى والإهانة والكذب نموذجا اقتصاديا مشروعا تحت ستار حرية المحتوى لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات ليس انتشار الجريمة فحسب بل اعتيادها والتصالح معها بوصفها أمرا طبيعيا في الحياة اليومية. والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى