
في عمق الحدث
بقلم المستشار/ حسن دويدار
مقدمة
رسالة المحاماة أرفع شأنًا وأعظم أمرًا وأسمى فكرًا من أن تُختزل في الطائرات المستأجرة والحراسات الوهمية ومظاهر الاستعراض، فالعبرة بالجوهر والمضمون لا بالشكل والمنظور…
في السنوات الأخيرة ظهرت في المجال العام ظاهرة تستحق التأمل والدراسة، وهي ظاهرة صناعة البطل القضائي، حيث لم يعد النجاح المهني وحده كافيًا في نظر البعض، بل أصبح من الضروري إحاطة بعض الشخصيات بهالة إعلامية ضخمة تتجاوز حدود الواقع، لتصنع نموذجًا استثنائيًا يبدو وكأنه فوق المهنة وفوق المؤسسات وفوق القواعد التي تحكم العمل القانوني ذاته.
وليس من العيب أن يحقق إنسان نجاحًا مهنيًا أو أن يحظى بالتقدير والاحترام بين زملائه، فالتفوق أمر محمود والنجاح حق مشروع لكل مجتهد، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التقدير إلى تقديس، والإعجاب إلى أسطورة، والنجاح المهني إلى روايات خارقة للعادة لا تحتملها طبائع الأمور ولا منطق المؤسسات.
فالمحاماة في جوهرها ليست استعراضًا إعلاميًا، وليست صورة يتم تسويقها عبر منصات التواصل، وليست مواكب من الحراسات ولا طائرات خاصة ولا مظاهر بذخ يُراد منها لفت الانتباه، وإنما هي علم وفكر وثقافة وخبرة وتراكم معرفي وقدرة على التحليل والاستنباط وإقناع المحكمة بحجة القانون ومنطق العدالة.
وقد عرف تاريخ المحاماة المصرية والعربية عشرات القامات الكبيرة التي صنعت أمجادها داخل ساحات المحاكم لا أمام عدسات الكاميرات، وخلدت أسماءها بما قدمته من علم واجتهاد ومواقف مهنية راسخة، لا بما أحاطت نفسها به من مظاهر أو هالات دعائية.
ومن المؤسف أن البعض بات يخلط بين الشهرة والتميز، وبين الانتشار والتفوق، وبين الضجيج والأثر الحقيقي، فليس كل مشهور عظيمًا، وليس كل من كثر الحديث عنه أصبح علامة فارقة في تاريخ المهنة.
والحقيقة التي يدركها كل من عاش داخل أروقة المحاكم أن قيمة المحامي لا تُقاس بما يُنشر عنه ولا بما يُروج له، وإنما بما يقدمه من فكر قانوني رصين، وما يملكه من قدرة على بناء الدفاع وصياغة الدفوع وتحليل الوقائع واستخراج مواطن الخلل القانوني فيها.
بل إن المتابع المنصف يجد في كثير من الأحيان بين شباب المحامين أمام محاكم الجنح والجنح المستأنفة نماذج متميزة من المرافعات القانونية الرصينة التي تجمع بين سلامة البناء القانوني وقوة المنطق وبلاغة العرض، دون أن تُحاط بضجيج إعلامي أو دعاية منظمة أو محاولات متواصلة لصناعة بطولات استثنائية.
ولذلك فإن اختزال مهنة المحاماة في مظاهر خارجية، أو ربط عظمتها بالطائرات المستأجرة أو الحراسات الشخصية أو المواكب المصطنعة، يمثل ظلمًا للمهنة قبل أن يكون ظلمًا للحقيقة؛ لأن تلك المظاهر لا تضيف حرفًا واحدًا إلى العلم، ولا تقدم دفعًا قانونيًا، ولا تؤسس مبدأً قضائيًا، ولا تصنع محاميًا عظيمًا.
والحق الذي لا مراء فيه أن هذه المظاهر جميعًا لا قيمة لها في ميزان العدالة، ولا وزن لها في محراب القضاء؛ فلا الطائرات المستأجرة تزيد دليلًا، ولا الحراسات المصطنعة تخلق دفعًا قانونيًا، ولا المواكب والاستعراضات تغير من عقيدة المحكمة قيد أنملة. فالمحاكم لا تقضي بالصور ولا بالهالات ولا بما يُثار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما تقضي بما تطمئن إليه من واقع الأوراق وحقيقتها، وما يقدم أمامها من دفوع قانونية صحيحة ومرافعات جادة ومنضبطة.
فالقاضي لا ينظر إلى شهرة المترافع، ولا إلى حجم الضجيج المحيط به، ولا إلى ما يُنسج حوله من أساطير، وإنما ينظر إلى المستندات والأدلة والوقائع ومواضع القوة والضعف في الدعوى، ويزن ذلك كله بميزان القانون والضمير المجرد، ولذلك كان الرهان الحقيقي دائمًا على قوة الحجة وسلامة الفكر القانوني لا على مظاهر الاستعراض.
فالمهن العريقة لا ترتفع بالشكل، وإنما بالمضمون، ولا تُبنى بالهالات، وإنما بالإنجاز الحقيقي، ولا تُخلد أصحابها بالمظاهر، وإنما بما يتركونه من أثر علمي ومهني باقٍ.
كما أن العدالة في الدول المحترمة لا يصنعها فرد مهما بلغت قدراته، ولا تُختزل في شخص مهما علا نجمه، وإنما هي منظومة متكاملة يشترك فيها القضاء والنيابة والمحاماة والخبراء وجهات التحقيق، في إطار من الضمانات القانونية والمؤسسية التي تكفل الوصول إلى الحقيقة.
ومن ثم فإن محاولة تقديم أي شخص باعتباره البطل الأوحد أو المنقذ الوحيد أو الرجل الذي تتوقف عليه الموازين، هي في حقيقتها انتقاص غير مباشر من قيمة المؤسسات ومن الدور العظيم الذي تقوم به منظومة العدالة بكامل عناصرها.
ولعل ما يدعو إلى التأمل أكثر أن بعض من يتم تقديمهم إعلاميًا باعتبارهم ظواهر استثنائية أو عبقريات قانونية نادرة، لا تعكس المرافعات المتداولة والمنقولة لهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي هذا القدر الهائل من الانبهار الذي يُراد ترسيخه في أذهان الناس، بل إن كثيرًا من رجال القانون يدركون أن ساحات المحاكم المصرية تعج بشباب من المحامين يمتلكون قدرات علمية ومهنية ومهارات في المرافعة لا تقل بحال من الأحوال عما يتم الترويج له، بل ربما تفوقه في كثير من الأحيان.
والحقيقة أنني تابعت عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعض المرافعات المصورة التي يتم تقديمها باعتبارها نماذج استثنائية أو مشاهد قانونية فارقة يُفترض أنها تثير الانبهار، غير أن القراءة المتأنية لها تكشف أنها لا ترقى إلى مستوى هذا التوصيف، ولا تعكس في جوهرها ذلك الحجم من التفوق الذي يُروج لها، بل تبدو في كثير من الأحيان بعيدة عن عمق الموضوع محل الدعوى، ومحدودة الأثر في البناء القانوني الحقيقي للقضية.
وما يزيد الأمر وضوحًا أن هذه المقاطع غالبًا ما تُنتزع من سياقها الكامل داخل ملف الدعوى، فتُعرض بصورة مجتزأة لا تظهر الصورة الكلية للمرافعة، ولا تكشف عن المنهج القانوني الكامل الذي بُنيت عليه، الأمر الذي يجعل التقييم العام لها أقرب إلى الانطباع الإعلامي منه إلى التقدير المهني الموضوعي القائم على الدراسة والفحص.
وفي المقابل، فإن الواقع داخل ساحات القضاء يكشف عن حقيقة مختلفة تمامًا، حيث يعمل كثير من شباب المحامين في صمت واجتهاد، ويقدمون مرافعات تتسم بالرصانة والعمق القانوني، وتقوم على تحليل دقيق للوقائع وبناء متماسك للدفوع واستيعاب واعٍ لأحكام القانون وروحه، وهي مرافعات في أحيان كثيرة يمكن أن توضع بكل جدارة في مراجع التدريب والدراسة القانونية، غير أن أصحابها لا يحظون بذات المساحة من الضوء أو الاهتمام، وكأن معيار القيمة قد تحول من جوهر الأداء إلى حجم الانتشار، ومن قوة المضمون إلى بريق الصورة، في مشهد يختلط فيه التقدير المهني الحقيقي بالضجيج الإعلامي المصنوع.
إن هذه الممارسات لم تعد تمر مرور الكرام داخل أوساط المهنة، بل باتت تثير لدى كثير من أبناء المحاماة حالة من الاستياء العميق والرفض المهني الصامت، لما تحمله من اختزال فجّ لقيم المهنة وتشويه غير مباشر لصورتها الراسخة عبر التاريخ.
فحين يُستبدل معيار الكفاءة العلمية والمهنية بمعايير الاستعراض والمظاهر، وحين يُقدم الوهج الإعلامي على حساب الجهد الحقيقي داخل ساحات القضاء، تتولد حالة من التباعد بين جوهر المهنة وبين الصورة التي يُراد فرضها عليها، وهو ما يخلق شعورًا متناميًا بعدم الرضا داخل الأوساط القانونية الجادة.
ولعل الأخطر من ذلك أن هذا النمط من التناول قد يفتح الباب أمام شيء من الاحتقان المهني غير المعلن، ويغذي إحساسًا لدى كثير من المحامين بأن ميزان التقدير لم يعد منصفًا، وأن البروز الإعلامي قد طغى على القيمة العلمية، بما قد يحدث نوعًا من التوتر غير الصحي داخل المهنة الواحدة التي يُفترض أن تقوم على الاحترام المتبادل والتقدير القائم على الجهد الحقيقي لا على الصورة المصطنعة أو الحضور الإعلامي.
وفي هذا السياق يصبح من الضروري أن تضطلع نقابة المحامين بدورها الطبيعي والتاريخي في ضبط إيقاع المهنة، ووضع الضوابط والمعايير التي تحد من مظاهر التضخيم غير المهني، وتحفظ للمحاماة مكانتها الاعتبارية، وتعيد التأكيد على ثوابتها الراسخة باعتبارها مهنة علم ورسالة وعدالة قبل أن تكون أي شيء آخر. فدور النقابة لا يقتصر على التنظيم الإداري فحسب، بل يمتد إلى حماية الهوية المهنية للمحاماة من أي تشويه أو انحراف عن مسارها التاريخي، بما يضمن بقاءها في صورتها الحقيقية التي عرفها بها المجتمع عبر الأجيال.
ولعل الأستاذ الجليل عبد الحليم بك علام، نقيب المحامين، ذلك الرجل الصعيدي الجليل ابن محافظة سوهاج، القيمة والقامة القانونية، بما عُرف عنه من حكمة واتزان وحرص على كرامة المحاماة وهيبتها، يدرك تمامًا ما يمكن أن تتركه هذه الظواهر من آثار سلبية على وجدان المهنة وصورتها في أعين الناس، ومن ثم فإن كثيرين يتطلعون إلى دور فاعل من النقابة في ترسيخ القيم المهنية الأصيلة ووضع الضوابط الكفيلة بالحفاظ على ثوابت المحاماة وتاريخها المجيد.
وتستحق نقابة المحامين المصرية كل التقدير لما قامت به عبر تاريخها الطويل من دور وطني ومهني في حماية العدالة وصون استقلال المهنة والحفاظ على قيمها الراسخة، وستظل بإذن الله الحصن الذي يحفظ للمحاماة مكانتها الرفيعة وهيبتها المستحقة بين سائر المهن.
وستظل المحاماة واحدة من أشرف وأعظم المهن التي عرفتها البشرية، وستبقى عظمتها الحقيقية كامنة في العلم والفكر والبحث والاجتهاد والاستقلال والشجاعة الأدبية ونبل الرسالة، لا في المظاهر العارضة ولا في الهالات المصنوعة ولا في حملات التسويق مهما بلغت قوتها.
فالعبرة دائمًا وأبدًا بالجوهر والمضمون، لا بالشكل والمنظور.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾