الوسائل التقنية في الإجراءات الجنائية

عقبات تطبيق الإعلانات الإلكترونية والتوثيق الرقمي بقانون الإجراءات الجنائية رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥

بقلم د. نيفين محي الدين محمد- دكتوراه في الحقوق و محامية استئناف

شهدت المنظومة التشريعية المصرية تحولاً نوعياً بصدور قانون الإجراءات الجنائية الجديد بالقانون رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥. حيث أن المشرع استهدف من خلال نصوص هذا القانون إدماج الوسائل التكنولوجية في منظومة العدالة الجنائية، سعياً نحو تبسيط الإجراءات وتحقيق سرعة الفصل في الدعاوى. ولما كان تنزيل هذه النصوص المستحدثة إلى ساحات المحاكم والواقع العملي يفرض تحديات إجرائية ولوجستية، فإن الأمر يستوجب تحليلاً دقيقاً لعقبات التطبيق، خاصة فيما يتعلق بآليات الإعلان الإلكتروني، واستخدام التقنية في التدابير الاحترازية، ورقمنة التحقيقات والأحكام.

أولاً: إشكاليات نظام الإعلانات الإلكترونية والهاتفية

تدخل المشرع الجنائي لمعالجة أزمات الإعلانات الورقية وبطلانها، فقد أرسى قواعد جديدة تعتمد على الوسائط الرقمية، وهو ما يفرز تحديات تطبيقية ترتبط بمدى جاهزية البنية التحتية:

  • استلزمت المادة (٧٢) على الخصوم، وتحديداً المتهم عقب مثوله في أي إجراء، تعيين موطن مختار أو رقم هاتف محمول أو بريد إلكتروني لإعلانه عليه.
  • وعليه، في حال تعذر تسليم الورقة الإعلانية بالطرق المعتادة، ألزمت المادة (٢٣١) المحضر بأن يوجه للمعلن إليه رسالة نصية على الهاتف المحمول المثبت ببيانات رقمه القومي خلال أربع وعشرين ساعة، مع إرفاق تقرير من مركز الإعلانات يثبت استلام الرسالة.
  • :و تبرز الإشكالية في مدى دقة وتحديث قواعد بيانات الرقم القومي بأرقام هواتف نشطة تخص المعلن إليه شخصياً. ومن هنا، أوردت ذات المادة حلاً استثنائياً ينص على أنه في حال تعذر استلام الرسالة، أو لعدم وجود هاتف مسجل، يعود المحضر لتسليم الإعلان إلى مأمور القسم أو العمدة أو شيخ البلد خلال أربع وعشرين ساعة. ومع ذلك، فإن هذا الاستثناء العملي قد يعيد الإجراءات إلى دائرة البطء التقليدية إذا غابت الآلية الدورية لتحديث بيانات الاتصال القومية.

وأرى في هذا الصدد أن الاعتماد الواسع على الوسائل الرقمية في الإعلان يثير إشكالية خطيرة تتعلق بـ “افتراض العلم”. فالعدالة الجنائية تُبنى في أساسها على اليقين لا الاحتمال، والأحكام الجنائية تمس الحريات. ولذلك، أميل إلى ضرورة تقييد هذا الاستثناء بضوابط صارمة تضمن عدم إهدار حق المتهم في الدفاع نتيجة خلل تقني أو انقطاع في الخدمة، حتى لا تتحول التسهيلات الإجرائية إلى سيف مسلط يخل بمبدأ المواجهة والمحاكمة العادلة.

ثانياً: تحديات تفعيل مركز الإعلانات الهاتفية وحماية البيانات

وتأسيساً على ما تقدم، ولضمان مركزية النظام الرقمي، أقر القانون إنشاء بنية مؤسسية جديدة تتولى مهمة الإعلانات:

  • حيث نصت المادة (٢٣٢) على إنشاء “مركز للإعلانات الهاتفية” يتبع وزارة العدل في دائرة كل محكمة جزئية، يختص بالاستعلام من قطاع الأحوال المدنية عن الرقم القومي للمتهم ورقم الهاتف المثبت به، مع التزامه بإرسال الإعلانات وإعداد تقارير الاستلام.
  • ولما كانت هذه المادة قد اشترطت أن يتم الاستعلام بما لا يتعارض مع مقتضيات الأمن القومي وسرية قواعد البيانات القومية.
  • فقد أناطت المادة (٢٣٣) بوزير العدل إصدار قرار يحدد آلية إثبات تسلسل الإعلانات الهاتفية والإلكترونية وكيفية التحقق من وصولها إلي المعلن إليه.
  • :مما يستلزم تفعيل هذه المراكز تأسيساً شبكياً معقداً، مما يتطلب بروتوكولات حماية سيبرانية صارمة لمنع تسريب البيانات. علاوة على ذلك، فإن العمل الفعلي بهذه المراكز يظل معلقاً ومقيداً بصدور القرارات الوزارية المنظمة لآليات الإثبات التقني

وبناء عليه، لابد من هيمنة الجانب التقني البحت على الضمانات القضائية. فمشروعية الدليل المستمد من هذا المركز تعتمد على مدى موثوقية الأنظمة التكنولوجية. وأعتقد أنه من الأفضل أن تُكفل للمتهم صراحة حقوق الطعن على تقارير الاستلام والاستعانة بخبراء تقنيين إذا قامت قرائن على اختراق النظام أو تعطله، وذلك إرساءً لمبدأ تكافؤ الأسلحة بين الاتهام والدفاع وحماية للبيانات الشخصية للمواطنين.

ثالثاً: التحديات العملية لتطبيق التدابير التقنية البديلة للحبس الاحتياطي

ولم يقتصر الأمر على الإجراءات الشكلية، بل امتدت الثورة التقنية في القانون لتشمل الجوانب الماسة بحريات الأفراد، حيث أقر المشرع بدائل حديثة للحبس الاحتياطي:

  • فقد منحت المادة (١١٤) للنيابة العامة سلطة إصدار أمر بتدابير بديلة للحبس الاحتياطي، شملت في بندها السابع “استخدام الوسائل التقنية في تتبع المتهم”.
  • : ونظراً لأن المشرع ربط تنفيذ هذا التدبير بعبارة “حال توافر ظروف العمل بها”، وأحال تنظيمه لقرار يصدر من وزير العدل بالتنسيق مع وزيري الداخلية والاتصالات، فإن التطبيق يتطلب واقعياً توفير أجهزة التتبع الإلكترونية وتجهيز غرف مراقبة مركزية، فضلاً عن وجود فرق أمنية سريعة التدخل.

واعتقد ان المادة سالفة الذكر تعزز قرينة البراءة وتقلص  الاثار الاجتماعية والنفسية المدمرة للحبس الاحتياطي.إلا أنني أحذر من تحول “المراقبة الإلكترونية” إلى عقوبة مقنعة تُقيد حرية المتهم وتقتحم خصوصيته لمدد غير محددة دون حكم إدانة. لذا، أرى أن التطبيق السليم يقتضي خضوع هذا التدبير لرقابة قضائية دورية وصارمة، وألا يُتخذ كذريعة للتراخي وإطالة أمد التحقيقات المبدئية بلا مسوغ.

رابعاً: التوثيق الرقمي للتحقيقات وتحرير الأحكام إلكترونياً

وفي ذات السياق، فرض القانون أدوات رقمية في مرحلتي التحقيق والمحاكمة لحفظ الأدلة وضمان سلامة الإجراءات

  • فمن جهة، أجازت المادة (٣٤٨) للمحقق تسجيل أقوال الطفل المجني عليه سمعياً وبصرياً، وحفظ هذا التسجيل بواسطة إحدى وسائط التخزين الرقمية لتودع في ملف القضية.
  • ومن جهة أخرى، أجازت المادة (٣١٢) للقاضي الجزئي وضع أسباب حكمه بنفسه باستخدام إحدى الوسائل الإلكترونية، مع ترتيب البطلان على عدم صياغة القاضي للأسباب بنفسه.
  • مما يتطلب حفظ وسائط التخزين الرقمية حماية خاصة لمنع تلفها المادي أو العبث بها. أما فيما يخص صياغة الأحكام إلكترونياً، فإن الأمر يتطلب توفير أجهزة مؤمنة للقضاة وتفعيل أنظمة “التوقيع الإلكتروني” لضمان موثوقية نسبة الأسباب إلى القاضي الذي أصدرها، درءاً لعيوب البطلان.وتعدد حماية المجني عليهم لاسيما الأطفال بتوثيق أقوالهم رقمياً تطوراً محموداً يُجنبهم الاستجواب المتكرر ويتماشى مع مبادئ العدالة الإصلاحية. أما فيما يخص رقمنة الأحكام، فإنني أشير إلى ضرورة الحذر الشديد؛ فالأحكام الجنائية هي “عنوان العدالة”، فأى اختراق تقني يمس توقيع القاضي أو تسبيب الحكم سيؤدي حتماً إلى بطلانه بطلاناً مطلقاً لتعلقه بالنظام العام. وبالتالي، مما يستلزم أن تُحاط هذه الإجراءات بضمانات تشفير سيبراني غير قابلة للاختراق.

خامساً: الدور المحوري للقرارات التنفيذية وتأهيل الكوادر البشرية:

وبناءً على ما سلف بيانه، يتبين أن نجاح هذه الوسائل التقنية لا يتوقف فقط على وجود النص التشريعي، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بصدور اللوائح المكملة وتأهيل العنصر البشري. فحيث أن المادة الخامسة من مواد إصدار هذا القانون قد أناطت بوزير العدل إصدار القرارات اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون والقانون المرافق له، فإن غياب أو تأخر هذه القرارات سيؤدي حتماً إلى إرجاء تفعيل العديد من الضمانات التقنية، كمركز الإعلانات وتدابير التتبع. وإضافة إلى ذلك، فإن الانتقال الآمن من بيئة العمل الورقية إلى البيئة الرقمية يوجب تأهيلاً شاملاً ومكثفاً للكوادر البشرية من قضاة وأعضاء نيابة وموظفين إداريين، لضمان قدرتهم على التعامل مع وسائط التخزين الرقمية وأنظمة الإعلان الإلكتروني بكفاءة لا تخل بضمانات المحاكمة العادلة ولا تتسبب في بطلان الإجراءات.

خلاصة القول، يعكس قانون الإجراءات الجنائية رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ طفرة تشريعية متطورة تضع القضاء المصري على مسار العدالة الرقمية، ولكي تؤتي نصوص قانون الإجراءات الجنائية الجديد ثمارها المرجوه، وتتماشى بفاعلية مع استراتيجية التحول الرقمي ومتطلبات التقاضي عن بٌعد، فإن التطبيق الامثل يتجاوز مجرد إقرار النصوص التشريعية  بل  يتطلب لتحديث البنية التحتية التكنولوجية، وتدريب الكوادر إذ يقع علي عاتق المؤسسات المعنية التزام حتمي بتأهيل القضاه وأعضاء النيابة العامة،والمحامين، والطواقم الإدارية، وتزويدهم بالمهارات التقنية اللازمة من أجل التعامل الاحترافي مع المنظومة الرقمية الحديثة، لضمان تفعيل القانون بكفاءة لا تخل بضمانات المحاكمة العادلة ولا تعوق مسار العدالة الناجزة. وإيضَا الإسراع في إصدار اللوائح الفنية المنظمة، لضمان استقرار المراكز القانونية للمتقاضين وعدم إهدار الضمانات الإجرائية بسبب القصور التقني.

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى