
العدالة لا تصنع الضمير
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
ليست العدالة مطالبة بأن تصلح كل شيء، وربما يكون من الظلم لها أن نضع على كتفيها أخطاء لم تصنعها ثم نحاسبها لأنها لم تستطع إصلاحها. فالعدالة الجنائية لها لحظتها وحدودها ووظيفتها، وتبدأ في الأصل عندما يتحول السلوك إلى جريمة تستوجب تدخل القانون أما ما يسبق ذلك من بناء الإنسان وتكوين وعيه وتهذيب سلوكه وغرس احترام الآخر في نفسه، فذلك شأن أوسع من (القانون) وأسبق منه.
فالإنسان لا يولد وهو يعرف معنى الكرامة أو احترام الآخرين أو ضبط الغضب أو قبول الاختلاف، وهذه أشياء لا تصنعها مواد قانون العقوبات. الطفل يتعلمها أولا في البيت ، ثم يأخذها معه إلى المدرسة والشارع والجامعة والعمل، وتشارك في تشكيلها الأسرة والمعلم والقدوة والمجتمع والثقافة والدين والإعلام وكل ما يحيط به. ولهذا فإن الإنسان الذي يتعلم منذ صغره أن إهانة الآخرين ليست قوة، وأن الاختلاف لا يبرر العدوان، وأن الفقر لا ينتقص من صاحبه ، وأن المال لا يجعل صاحبه أعلى من غيره، يدخل الحياة وفي داخله قدر من (المناعة) التي لا تحتاج كل لحظة إلى شرطي أو نص عقابي.
وهنا تظهر قيمة (الوعي الجمعي) الذي لا نلتفت إليه إلا بعد أن يبدأ في التراجع. كانت هناك أشياء كثيرة في حياة الناس يحكمها شعور داخلي بسيط اسمه (هذا لا يليق). لم يكن كل شيء يحتاج إلى قانون، لأن هناك مساحة واسعة كانت (الأخلاق) تقوم فيها مقام القانون. كان الإنسان يستطيع أن يمتنع عن فعل ما لأنه يخجل منه، لا لأنه يخاف عقوبته، وكان يعرف أن بعض التصرفات قد لا تدخله السجن، لكنها تُسقطه من أعين الناس ومن عينه هو قبل ذلك . وهذه المساحة بين (القانون والضمير) كانت واحدة من أهم وسائل حماية المجتمع، لأنها تعمل في اللحظة التي لا يكون فيها قانون حاضر ولا شرطي ولا كاميرا.
أما حين تضيق هذه المساحة، يبدأ القانون في الظهور أكثر لا لأن القانون تغير، وإنما لأن المجتمع أصبح يطلب منه أن يتدخل في أشياء كان يمكن أن تتوقف في مراحل أبكر بكثير. يصبح كل خلاف قابلا للتحول إلى خصومة، وكل خصومة قابلة للتحول إلى إهانة، وكل إهانة قابلة لأن تتطور إلى اعتداء، ثم نلتفت في النهاية إلى المحكمة ونسألها لماذا لم تمنع ما حدث. والحقيقة أن المحكمة لم تكن موجودة في بداية الحكاية أصلًا؛ كانت هناك أسرة، ومدرسة، وبيئة اجتماعية، وثقافة، وقدوة، وضمير، وكان يمكن أن تنتهي الحكاية هناك قبل أن تصل إلى باب النيابة أو المحكمة. ولعل هذا هو السبب الذي يجعلني أتحفظ على النظر إلى تزايد الجرائم باعتباره دليلا مباشرا على فشل العدالة. قد تكون العدالة هي أكثر مؤسسات الدولة التي ما زالت تؤدي وظيفتها في مواجهة النتائج، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في الأسباب التي أنتجت هذه النتائج. فإذا ضعفت الأسرة، واضطربت التربية، وتراجع دور المدرسة، وتآكلت مكانة القدوة، واختلطت القيم، وأصبح المجتمع أكثر تسامحا مع بعض مظاهر الانحراف، فمن الطبيعي أن يصل جزء أكبر من هذا الخلل في النهاية إلى القانون.
القانون هنا لا يصنع المشكلة، وإنما يجد نفسه أمام حصيلتها. ومن الخطأ أيضا أن نتصور أن كل ما هو سيئ يجب أن يتحول إلى جريمة. ليس كل سلوك قبيح فعلا مجرما، وليس كل انحراف أخلاقي يصلح أن يكون محلا للعقاب. ولو فعلنا ذلك لأصبح القانون يتدخل في تفاصيل الحياة الإنسانية كلها، ولتحولت العدالة الجنائية من وسيلة لحماية الحقوق والمصالح الأساسية إلى أداة لتقويم كل ما لا يعجبنا. وهذه ليست قوة للقانون، وإنما خروج به عن وظيفته. القانون الجنائي لا يقول للإنسان: كن صالحا، وإنما يقول له في حدود التجريم: لا تعتد على حقوق الآخرين، وإذا فعلت فستتحمل مسؤولية فعلك وفقا للقانون. أما أن نطلب منه أن يزرع الرحمة، ويعلم الأدب، ويصنع الذوق، ويبني الضمير، فهذه أمور لا تستطيع المحكمة أن تقوم بها، ولا ينبغي أن نحملها لها.
والأمر يصبح أكثر تعقيدا عندما ننظر إلى التحولات التي أصابت المجتمع نفسه. فقد تغيرت طريقة الناس في النظر إلى بعضهم، وتغيرت معايير كثيرة كانت تمنح الإنسان قيمته. أصبح المال عند البعض أكثر حضورا من الأخلاق، والمظهر أكثر تأثيرا من الجوهر، والمكانة الاجتماعية أحيانا مرتبطة بما يملكه الإنسان لا بما هو عليه. وأصبح من الممكن أن يعيش إنسان بجوار آخر في العقار نفسه، لكن بين حياتيهما مسافة اجتماعية ونفسية هائلة؛ أحدهما يكافح حتى يوفر احتياجاته الأساسية، والآخر يمتلك من مظاهر الرفاه ما يكفي لأن يشعر من حوله بالفارق كل يوم.
ولا يعني هذا أن الغنى مشكلة، ولا أن الفقر فضيلة. المشكلة تبدأ عندما يتحول التفاوت الطبيعي بين الناس إلى (طبقية مهينة) وعندما يصبح المال معيارا (للقيمة الإنسانية) فينظر صاحب المال إلى غيره باعتباره أقل منه، أو ينظر محدود الدخل إلى نفسه باعتباره أقل قيمة لمجرد أنه لا يملك ما يملكه غيره. عندها لا يعود الأمر مجرد تفاوت اقتصادي، وإنما يصبح جزءًا من المناخ (النفسي والاجتماعي) الذي تتشكل داخله بعض السلوكيات. والعامل الاقتصادي مهم في فهم الجريمة، ولا يصح إنكاره. الفقر والحرمان والبطالة وانسداد الأفق قد تضغط على الإنسان، وقد تدفع بعض الأشخاص إلى خيارات منحرفة، وقد تولد مشاعر من الغضب أو الإحباط أو الحرمان. لكن اختزال الجريمة في الاقتصاد وحده خطأ لا يقل خطورة عن تجاهل الاقتصاد. فقد عاش أناس في أقصى درجات البساطة ولم يكن المال عندهم إلا ضرورة محدودة، ومع ذلك كانوا يملكون من الكرامة والحياء وضبط النفس ما جعل حياتهم أكثر استقامة من حياة كثيرين امتلكوا كل أسباب الرفاه.
ولأن المال قد يغير ظروف الإنسان، لكنه لا يصنع بالضرورة شخصيته. وهنا نصل إلى شيء ربما يكون أهم من المال نفسه: ماذا يحدث عندما تتراجع التربية التي كانت تعطي الإنسان معنى يتجاوز ما يملك؟ ماذا يحدث عندما لا يعود الطفل يتعلم أن قيمة الإنسان في إنسانيته، وإنما يتعلم منذ وقت مبكر أن قيمته فيما يرتدي، وما يركب، وأين يسكن، ومن يعرف، وكم يملك؟! ماذا يحدث عندما يصبح الاستعراض نوعا من القوة، ويصبح التواضع ضعفا في نظر البعض، ويصبح الاعتذار هزيمة، ويصبح الصوت المرتفع دليل حضور؟! لا نحتاج إلى أن تتحول هذه الأشياء كلها إلى جرائم حتى ندرك خطورتها. يكفي أنها تغير تدريجيا الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه ويرى بها غيره. وعندما تتغير هذه النظرة، تتغير معها الحدود التي كان الإنسان يضعها لنفسه من تلقاء ذاته. وهنا تحديدا تتراجع وظيفة (الضمير) ويزداد العبء على القانون. فالإنسان الذي كان يمنع نفسه بنفسه أصبح يحتاج إلى من يمنعه. والذي كان يخشى أن يخسر احترامه أصبح لا يرى مشكلة في خسارة هذا الاحترام ما دام يستطيع أن يكسب المال أو الشهرة أو النفوذ. والذي كان يرى في كرامة الآخرين قيمة أصبح يرى في إهانتهم وسيلة لإثبات ذاته. وعندما يصل الأمر إلى هذه المرحلة، يصبح القانون أمام نتائج (تراكمات اجتماعية) لا يستطيع وحده أن يمحوها.
ولهذا فإن الحديث عن الوقاية من الجريمة يجب ألا يختزل في العقوبة. الوقاية الحقيقية تبدأ قبل الجريمة بكثير، في الطريقة التي نربي بها أبناءنا، وفي الصورة التي نقدم بها النجاح، وفي احترامنا لمن يختلف عنا، وفي موقفنا من الفقير، وفي علاقتنا بالمال، وفي اللغة التي نستخدمها مع بعضنا، وفي الأشياء التي نضحك عليها، وفي السلوكيات التي نسمح لها بأن تصبح عادية. فالمجتمع لا يصنع الجريمة فقط عندما يشجع عليها، وإنما قد يصنع بيئتها أيضا عندما يتسامح طويلا مع مقدماتها. ومع ذلك تظل مسؤولية الفرد قائمة. فالحديث عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتربوية ليس إعفاءً للجاني من مسؤوليته، وإلا فقدنا معنى المسؤولية الجنائية من أساسه. تفسير السلوك شيء وتبريره شيء آخر. قد نفهم لماذا انحرف الإنسان، لكن فهمنا للأسباب لا يعني أن نرفع عنه مسؤولية اختياره متى توافرت شروطها القانونية. العدالة لا تحاكم الفقر، ولا تحاكم البيئة، ولا تحاكم الأسرة؛ العدالة تحاكم الفعل المنسوب إلى شخص وفقًا للقانون وأدلة الدعوى وضماناتها. وهذا هو بالضبط ما يجعل العدالة جديرة بالاحترام: أنها تعرف حدودها. لا تدخل لتربي حيث يجب أن تربي الأسرة، ولا تعلم حيث يجب أن تعلم المدرسة، ولا تعظ حيث يكون دور المؤسسات الدينية، ولا تعالج ما هو في حقيقته أزمة اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية. لكنها عندما تقع الجريمة لا تتردد في القيام بدورها؛ تحمي الحق، وتكشف الحقيقة، وتحاسب من تثبت مسؤوليته، وتحفظ في الوقت نفسه الضمانات التي لا يجوز أن تسقط حتى أمام الجريمة.
لذلك فإن قوة العدالة ليست في أن تمتد يدها إلى كل شيء، وإنما في أن تكون حاضرة في المكان الذي يجب أن تكون فيه، وألا تُستدعى كل مرة لتعويض غياب الآخرين. نحن بحاجة إلى قانون عادل وقوي، نعم، لكننا بحاجة قبله إلى مجتمع لا ينتظر القانون في كل صغيرة وكبيرة. بحاجة إلى إنسان يعرف أن هناك أشياء لا يفعلها ولو لم يره أحد، وأن هناك حدودا يحترمها لأنه يحترم نفسه، وأن كرامة الآخر ليست شيئا يمنحه له القانون وإنما قيمة يحملها الإنسان معه أينما ذهب. عند هذه النقطة يصبح القانون في مكانه الطبيعي. يأتي عندما يفشل الضمير، لا ليحل محله. ويتدخل عندما تتحول الإساءة إلى جريمة، لا ليصنع الأخلاق من الصفر. ويعاقب من يستحق العقاب، لا لأنه يستطيع أن يعيد تربية المجتمع كله، وإنما لأنه يحمي المجتمع من أن يصبح الاعتداء على حقوق الناس أمرا عاديا. وهذه في النهاية ليست مشكلة العدالة وحدها إنها مشكلة مجتمع كامل؛ مجتمع إذا أراد أن يقلل الجريمة فلا يكفيه أن يسأل عن العقوبة التي تليها ، بل عليه أن ينظر طويلا إلى الإنسان الذي يسبقها، وإلى البيت الذي خرج منه، والمدرسة التي تعلم فيها، والبيئة التي عاش فيها، والقيم التي رآها تكافأ من حوله، والأشياء التي اعتاد أن يراها حتى لم يعد يراها خطأ. فالعدالة تستطيع أن تمنع الجريمة من أن تمر بلا حساب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع أسبابها من أن تتكون. وهناك فرق كبير بين الأمرين. الأول شأن العدالة أما الثاني، فهو شأننا جميعًا. والله من وراء القصد.