
الطبقية المزيفة
مقال بقلم د. أشرف نجيب الدريني
لم تكن الواقعة التي شغلت الرأي العام هي أول واقعة يثار فيها الحديث عن انتحال صفة، فهذه الجرائم عرفها القانون منذ زمن، وعرفتها المحاكم قبل أن تعرفها وسائل التواصل الاجتماعي. لكن ما جعل هذه الواقعة مختلفة أنها لم تقف عند حدود ادعاء(وظيفة أو لقب) وإنما ارتبطت بمنصة القضاء، ذلك المكان الذي لم يعتد الناس ان ينظروا إليه إلا بوصفه عنوانا للهيبة والعدل وسيادة القانون. ولهذا خرجت الواقعة من صفحات الحوادث إلى حديث المجتمع كله.
ولن أسبق التحقيقات، فهي وحدها صاحبة الكلمة الأخيرة، لكن بعيدا عن تفاصيل (المسؤولية الجنائية) استوقفني أمر آخر. فمنذ اللحظة الأولى لم يكن الانطباع الغالب عند كثير ممن شاهدوا المقاطع المتداولة أنهم أمام انتحال بالغ الإحكام، بل أمام (انتحال مفضوح) أشبه بذلك (التزوير المادي المفضوح) الذي لا ينطلي حتى على الرجل العادي، فضلا عمن يعرف طبيعة العمل القضائي وتقاليده. تفاصيل تثير التساؤلات: إلى أي جهة قضائية ينتمي؟ هل هو من القضاء العادي أم من مجلس الدولة؟! وهي تساؤلات تكشف أن بعض الأشياء يصعب اصطناعها مهما اجتهد صاحبها، لأن الوقار لا يُستعار والخبرة لا ترتدى والهيبة لا يمنحها وشاح ولا منصة!
لكنني، في الحقيقة خرجت من تلك الواقعة وأنا أفكر في شيء آخر تماما قلت لنفسي: لعل المشكلة ليست في شخص انتحل صفة، وإنما في مجتمع أصبح (الانتحال) فيه يتجاوز الوظائف والألقاب، حتى امتد إلى أسلوب الحياة نفسه. أصبحنا نرى كل يوم من ينتحل مكانة ليست له أو نجاحا لم يحققه أو ثقافة لم يتعب في تحصيلهاأو طبقة اجتماعية لا ينتمي إليها. وكأن الزيف لم يعد استثناءً بل أصبح عند البعض، وسيلة للصعود السريع أو محاولة لاختصار الطريق. من هنا جاءت فكرة هذا المقال. لسنا أمام قاضٍ مزيف فحسب، وإنما أمام (طبقية مزيفة) أخذت تتسلل إلى تفاصيل حياتنا، حتى أصبحت تفرض معاييرها علينا دون أن نشعر. لم يعد كثير من الناس يبحث عن أن يكون أفضل بقدر ما أصبح مشغولا بأن يبدو أفضل. فرق كبير بين الأمرين الأول يحتاج إلى سنوات من العمل والاجتهاد والصبر، أما الثاني فقد تكفيه صورة أو لقب أو مكان أو مشهد يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي. ولعل هذا ما جعلني أتوقف طويلا أمام الشعار الذي يتردد هذا العام على شاشات:(يلا ساحل) وليس في الذهاب إلى الساحل ما ينتقد، فمن حق الناس جميعا أن يسافروا، وأن يستمتعوا بإجازاتهم، وأن يفرحوا بالحياة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبح الهدف من الرحلة هو الاستمتاع فعلا أم أن الاستمتاع نفسه أصبح في المرتبة الثانية بينما يحتل نشر الصورة المرتبة الأولى؟!
كم من شخص ذهب إلى هناك لا لأن البحر يناديه ولا لأنه كان في حاجة إلى الراحة، وإنما لأنه كان في حاجة إلى صورة يقول بها للناس: انظروا… أنا هنا انظروا إلى المكان الذي أقف فيه، وإلى الفندق الذي أقيم فيه، وإلى الشاطئ الذي أجلس عليه. وقد يكون بعض هؤلاء قد (اقترض) نفقات الرحلة نعم كما قرأت (اقترض) أو تحمل فوق طاقته، لكنه كان مستعدا لكل ذلك في سبيل أن ينتمي، ولو في الصورة فقط، إلى طبقة يتمنى أن يكون واحدًا منها. هنا بالضبط تبدأ الطبقية المزيفة؛ إنها لا تقوم على حقيقة، وإنما على انطباع لا تقوم على قيمة الإنسان، وإنما على قيمة الصورة التي يقدم بها نفسه. ولذلك فهي طبقية (هشة) سريعة اللمعان سريعة الانطفاء أيضًا، لأنها لا تستند إلى أساس حقيقي.
وإذا تركنا الشواطئ وعدنا إلى البيوت، سنجد أن العدوى نفسها تسللت إلى أخطر ما تملكه أي أمة، وهو التعليم.كان التعليم في يوم من الأيام وسيلة لتحقيق تكافؤ الفرص، فإذا به يتحول في نظر البعض إلى وسيلة لصناعة الفوارق. لم يعد السؤال: ماذا يتعلم الطفل؟ بل أصبح السؤال: في أي مدرسة يدرس؟! وقد يجلس ثلاثة أطفال من أبناء الأسرة الواحدة أو أبناء العمومة حول مائدة واحدة، لكن كل واحد منهم يشعر بأنه ينتمي إلى طبقة مختلفة عن الآخر لا بسبب علمه ولا بسبب خلقه، وإنما بسبب (اسم المدرسة) التي يحمل حقيبتها. هذا في مدرسة تتجاوز مصروفاتها مئات الآلاف من الجنيهات، وذاك في مدرسة لا تتجاوز مصروفاتها بضعة آلاف، وثالث في مدرسة حكومية. أي رسالة نغرسها في نفوس هؤلاء الأطفال؟هل نعلمهم أن قيمة الإنسان فيما يتعلمه أم فيما يدفعه ولي أمره من مصروفات؟ والأخطر من ذلك أن المحتوى العلمي قد لا يختلف بالقدر الذي يبرر هذه الفجوة الهائلة لكننا رغم ذلك نجحنا في أن نصنع طبقات داخل الشريحة الاجتماعية الواحدة، حتى أصبح الطفل يشعر بأنه أعلى من ابن عمه لا لأنه أكثر اجتهادا، وإنما لأن المدرسة التي يدرس فيها أكثر بريقا! وهكذا لم تعد المدرسة عند البعض مؤسسة للتعليم بل أصبحت (بطاقة انتماء اجتماعي) بينما ظل العلم كما كان دائمًا لا يعترف إلا بمن يجتهدولا يمنح احترامه إلا لمن يستحق.
ولم يتوقف الأمر عند المدرسة بل امتد معنا إلى الجامعة حتى اخترعنا تعبيرات لم ينزل بها علم ولم يعرفها منطق ثم تعاملنا معها وكأنها حقائق لا تقبل الجدل. أصبحنا نتحدث عن كليات القمة وكليات القاع، وكأن المجتمع يمكن أن يعيش بكلية واحدة، أو أن الوطن لا يحتاج إلا إلى أصحاب المجموع المرتفع. لا أدري من الذي أقنعنا أن كلية ترفع من قيمة الإنسان وأخرى تنقص منها. فالقمة ليست اسمًا يُكتب على لافتة وإنما قيمة يصنعها صاحبها. والطبيب الذي لا يتقن مهنته لا يرفعه مجموع الثانوية العامة، كما أن المعلم المخلص أو المهندس المبدع أو المحاسب الأمين أو الحرفي الذي يحترم عمله قد يكون أكثر أثرًا في حياة الناس من آلاف يحملون شهادات أكبر لكنهم لم يحملوا معها علمًا ولا ضميرًا.
لقد ارتكبنا خطأ كبيرا حين اختزلنا مستقبل الإنسان كله في رقم حصل عليه وهو في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره. جعلنا يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة يومًا لتوزيع الألقاب الاجتماعية لا لإعلان نتائج امتحان دراسي. فهذا أصبح من (أهل القمة) وذاك أُلحق ظلما بمن يطلق عليهم أهل (القاع) مع أن الحياة نفسها لا تعترف بهذه التصنيفات. كم من شاب لم يحصل على مجموع مرتفع ثم أصبح صاحب مشروع ناجح أو فنانا ترك أثرا أو باحثا أضاف إلى وطنه أو وزيرا أو رجل أعمال بدأ من الصفر حتى صنع لنفسه مكانا بين الكبار. وفي المقابل كم من متفوق دخل الكلية التي كان يحلم بها ثم توقف عند لحظة التفوق الأولى، وكأنها نهاية الطريق لا بدايته. بل إن الواقع يثبت بين الحين والآخر، أن التفوق في الثانوية لا يكفي وحده. فالجامعة مرحلة مختلفة تحتاج إلى اجتهاد مختلف وإرادة مختلفة وشخصية مختلفة. وليس سرًا أن بعض الكليات تشهد نسب رسوب مرتفعة في سنواتها الأولى رغم أن طلابها كانوا من أصحاب أعلى المجاميع. وليس في ذلك انتقاص منهم، وإنما تذكير بحقيقة بسيطة؛ أن النجاح لا يمنح مرة واحدة، وإنما يكتسب كل يوم.
ولذلك أرى أن الاحتفاء بأوائل (الثانوية العامة) أمر جميل ما دام في حدوده الطبيعية، لكن تحويلهم إلى رموز لنجاح مضمون، وكأن الحياة قد انتهت عند ورقة النتيجة، هو نوع من (تزييف الوعي) فالحياة لا توزع جوائزها في شهر يوليو، ولا تمنح أوسمتها على بوابة مكتب التنسيق. الحياة أكثر عدلًا من ذلك، وأكثر تعقيدًا أيضا إنها تكافئ من يواصل السعي لا من اكتفى بما حققه في بداية الطريق. وإذا تأملت كل هذه الصور ستجد أنها تبدو متفرقة لكنها في الحقيقة تنتمي إلى أصل واحد. ذلك الذي يريد أن يبدو أكثر مما هو شخص يظن أن منصة تصنع قاضيًا وآخر يظن أن صورة على شاطئ البحر تصنع مكانة وثالث يظن أن اسم مدرسة يصنع إنسانًا ورابع يظن أن كلية بعينها ترفع قدر صاحبها إلى الأبد تختلف المشاهد لكن الفكرة واحدة.
ولهذا وصفتها بالطبقية المزيفة نعم مزيفة لأنها لا تقوم على قيمة حقيقية، وإنما على انطباع عابر ومزيفة لأنها تجعل الإنسان مشغولا بإقناع الناس بما ليس فيه، بدلا من أن ينشغل ببناء ما ينقصه. ومزيفة لأنها تزرع في النفوس شعورًا بالتفوق لا يستند إلى علم ولا إلى خلق ولا إلى عمل وإنما إلى مظهر سرعان ما يزول. ولعل أخطر ما في هذه الطبقية أنها لا تفرق بين غني وفقير ولا بين كبير وصغير. فهي قد تسكن إنسانًا يملك الكثير، وقد تسكن آخر لا يملك شيئًا لكنها تدفع الاثنين إلى اللهاث وراء الصورة حتى يصبح الإنسان أسيرًا لنظرة الآخرين إليه لا لنظرته إلى نفسه. ومن هنا فإن واقعة (القاضي المزيف) لن تكون أخطر ما في الأمر الأخطر أن نظل نتصور أن الزيف يبدأ عند منصة القضاء وينتهي عندها، بينما هو يتسلل كل يوم إلى بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وإعلاناتنا، ولغتنا وحتى أحلامنا!! إن المجتمعات لا تنهار حين يظهر فيها مزيف فالمزيفون وجدوا في كل عصر لكنها تبدأ في فقدان بوصلتها حين تتحول المظاهر إلى معايير وحين يصبح الانطباع أهم من الحقيقة ويصبح اللقب أهم من صاحبه وتصبح الصورة أهم من الواقع. وعندها لا يكون السؤال: كيف ظهر القاضي المزيف؟! بل يصبح السؤال الذي يستحق أن يقلقنا جميعا: كم صورة أخرى من صور الزيف أصبحت جزءا من حياتنا حتى ألفناها ولم نعد نراها؟ والله من وراء القصد.