التقادم ودعوى صحة التوقيع: تصحيح لمسار قضائي

بقلم/ مدحت طلعت- المحامي – باحث دكتوراه- جامعة عين شمس
أولاً: المقدمة
شكلت دعوى صحة التوقيع على مدار عقود طويلة ملاذاً تحفظياً لصاحب السند العرفي، يحميه من خطر جحود التوقيع أو إنكاره. وقد حرص المشرع والقضاء على إبقائها دعوى شكلية لا تتناول أصل الحق ولا تمس نفاذ التصرف، قاصداً بها تثبيت دليل الإثبات في مواجهة الغير.

إلا أن هذا الأصل البديهي قد اهتز مؤخراً بصدور أحكام لمحكمة النقض ذهبت إلى القول بسقوط الحق في رفع دعوى صحة التوقيع بمضي خمس عشرة سنة، قياساً على القواعد العامة للتقادم في الالتزامات. مقرراً المبدأ القضائي الآتي :”دعوى صحة التوقيع دعوى شخصية تحفظية تسقط بالتقادم الطويل بمضي خمس عشرة سنة من تاريخ نشوء الحق في إقامتها”
( الطعن 2923 لسنة 63 ق جلسة 2 / 7 / 2018 )
ولئن كان هذا الاتجاه قد استند إلى ظاهر النصوص المدنية، إلا أنه قد أغفل الطبيعة الخاصة لدعوى صحة التوقيع، وخلط بين الحق الموضوعي وبين الحق في الإثبات، وأدى تطبيقه إلى نتائج خطيرة تهدد استقرار المعاملات وتُهدر حجية المستندات العرفية بعد انقضاء المدة.

ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة النقدية، التي تسعى إلى تفكيك الأسانيد التي بُني عليها الحكم محل النقد، وبيان أوجه القصور القانوني والمنطقي فيه، والتدليل على أن دعوى صحة التوقيع – بوصفها دعوى إثبات ملازمة للحق الأصلي – لا تسقط بالتقادم، وأن القول بغير ذلك يصادم الغاية التي شرعت من أجلها.

ثانياً: موقف المشرع من المادة (45) من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968
نصت المادة (45) من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968 على أنه: “يجوز لمن بيده محر غير رسمي أن يختصم من يشهد عليه ذلك المحرر ليقر بأنه بخطه أو بإمضائه أو بختمه أو ببصمة أصبعه ولو كان الالتزام الوارد به غير مستحق الأداء، ويكون ذلك بدعوى أصلية بالإجراءات المعتادة”.

ويظهر من هذا النص أن المشرع قد منح كل من بيده محرر غير رسمي الحق في اختصام من يشهد عليه ذلك المحرر، ولو لم يحل ميعاد استحقاق الدين الثابت به، وذلك بقصد إثبات صحة التوقيع المنسوب إليه دون التعرض لموضوع المحر المطلوب إثبات صحة التوقيع عليه.

وسبب هذه الشكلية أن المشرع قصد بها أن يطمئن من بيده محرر عرفي إلى أن المنسوب إليه التوقيع لن يستطيع، بعد صدور الحكم بصحة التوقيع، أن ينازع في صحة هذا التوقيع.

وكل ما تقدم كان مدعاة للقول بأن دعوى صحة التوقيع دعوى تحفظية، ذلك أن مهمة القاضي فيها ممتنعة عن التعرض للتصرف الثابت بالورقة من جهة صحته أو بطلانه أو نفاذه أو تقرير الحقوق المترتبة عليه.

وعليه، فإن مهمة القاضي في دعوى صحة التوقيع تنحصر في إصدار حكم يقوم مقام تصديق صاحب التوقيع على توقيعه، فالحكم الصادر فيها لا يوثق إلا صحة التوقيع الموقع به على المحرر.

كما أن الحكم الصادر بصحة التوقيع لا يكون له أثر رجعي مطلقاً، إذ يبدأ أثره من تاريخ قيد صحيفة دعوى صحة التوقيع. ويقتصر دور القاضي في بحثه على التحقق مما إذا كان التوقيع قد صدر فعلاً ممن نسب إليه أم لا.

ثالثاً: ميعاد رفع دعوى صحة التوقيع
جاءت المادة (45) من قانون الإثبات سالفة الذكر خالية من تقييد دعوى صحة التوقيع بمدة معينة. ويرجع ذلك إلى أن هذا الطلب ما هو إلا إجراء مقصود به الظفر بحكم مثبت لصحة التوقيع المنسوب إلى من نسب إليه، وبذلك لم يقصد المشرع تقييد هذا الحق بميعاد، سواء قبل استحقاق الدين المنسوب لصاحب التوقيع أو بعد استحقاقه.

رابعاً: دعوى صحة التوقيع والخروج عن نطاق التقادم المسقط
إزاء ما تبين من أن دعوى صحة التوقيع ذات طبيعة شكلية، وأنها إجراء لإثبات واقعة مادية تتمثل في صحة التوقيع ممن نسب إليه، دون التعرض لموضوع المحرر المطلوب إثبات صحة التوقيع عليه، فضلاً عن أن المشرع لم يقصد من ورائها تقرير التزام ما.
وحيث إن الالتزامات هي التي يرد عليها السقوط عملاً بالمادة (374) من القانون المدني التي تنص على أنه: “يتقادم الالتزام بانقضاء خمس عشرة سنة فيما عدا الحالات التي ورد عنها نص خاص في القانون وفيما عدا الاستثناءات التالية”.
ويبدو من نص المادة سالفة الذكر صراحة في أن الذي يسقط بمضي المدة هو الالتزامات، وليست دعوى صحة التوقيع ديناً ولا التزاماً.
ولما كان ذلك، فإن دعوى صحة التوقيع لا تعد التزاماً يجوز عليه السقوط بمضي المدة، وإنما هي رخصة اختيارية منحها القانون لمن بيده سند غير رسمي.

فالأمر جوازي، إن شاء أقام دعوى بطلب صحة التوقيع، وإن شاء ترك هذا الحق الممنوح له، وهو غير معلق بمدة معينة يمتنع استعماله بعدها. وعليه، يمكن القول بأنها منحة ممنوحة للدائن متروكة لخياره، وبالتالي فليس من المنطق القانوني السليم أنه إذا كان المشرع قد منح الدائن هذا الخيار، أن ينقلب هذا الخيار وبالاً عليه بسقوط حقه في طلب صحة التوقيع.

خامساً: الخاتمة
مما تقدم، يتضح أن دعوى صحة التوقيع دعوى تحفظية شرعها القانون ليطمئن بها من بيده محرر عرفي إلى أن المنسوب إليه ذلك المحرر لا يستطيع، بعد صدور الحكم بصحة التوقيع، أن ينازع في تلك الصحة.

وهي بإجراءاتها المنصوص عليها في قانون الإثبات، وبما حدد لها من مدى، ممتنع على قاضيها أن يتعرض للتصرف الثابت بالمحرر من جهة صحته أو بطلانه أو نفاذه أو تقرير الحقوق المترتبة عليه، فالحكم الصادر فيها لا يوثق إلا صحة التوقيع الموقع به على المحرر.

وكل ذلك إعمالاً لنص المادة (45) من قانون الإثبات. وإذ كانت دعوى صحة التوقيع من هذه الطبيعة، فهي ليست ديناً أو التزاماً، مما يدفع عنها التعرض للسقوط بمضي المدة، إذ تخرج عن نطاق سقوط الالتزامات المنصوص عليه بالمادة (374) من القانون المدني، وعليه لم يحدد المشرع أجلاً للدائن لرفع دعوى صحة التوقيع.

زر الذهاب إلى الأعلى