التعويض عن الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية الجديد.. خطوة جديدة لتعزيز ضمانات الحرية الشخصية
بقلم: د. عماد الدين منير – المحامي
تمثل الحرية الشخصية أحد أهم الحقوق التي كفلها الدستور والقانون، ويُعد المساس بها من أخطر الإجراءات التي قد تتخذها الدولة في مواجهة الأفراد. ورغم أن الحبس الاحتياطي يظل أداة مشروعة تقتضيها ضرورات التحقيق في بعض الجرائم، فإنه يبقى إجراءً استثنائيًا قد يترتب عليه أضرار جسيمة إذا انتهت الإجراءات الجنائية إلى براءة المتهم أو إلى عدم صحة الاتهام من الأساس.
وفي هذا الإطار، جاء قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 ليترجم الضمانات الدستورية إلى قواعد قانونية واضحة، من خلال إقرار حق التعويض عن الحبس الاحتياطي في حالات محددة، تأكيدًا لحرص الدولة على حماية الحقوق والحريات وجبر الأضرار التي قد تلحق بالأفراد نتيجة الإجراءات الجنائية.
وتستند هذه الفلسفة إلى مبدأ دستوري راسخ مؤداه أن الفرد لا ينبغي أن يتحمل وحده عبء الأضرار الاستثنائية التي قد تفرضها مقتضيات العدالة الجنائية لمصلحة المجتمع، ومن ثم فإن تعويضه لا يعد انتقاصًا من هيبة القضاء أو تشكيكًا في سلامة إجراءاته، وإنما يمثل التزامًا قانونيًا تتحمله الدولة تحقيقًا للعدالة والإنصاف.
وقد نظمت المادة (528) من القانون الجديد حالات استحقاق التعويض، ومن بينها صدور أمر نهائي بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم صحة الواقعة أو لعدم كفاية الأدلة، أو صدور حكم بات بالبراءة في الأحوال التي حددها القانون، فضلًا عن بعض الحالات الأخرى المرتبطة بطبيعة الجريمة وظروف المتهم.
كما أكد المشرع أن التعويض تتحمله الخزانة العامة للدولة، وهو ما يعكس توجهًا تشريعيًا حديثًا يوازن بين حق المجتمع في مكافحة الجريمة وحق الفرد في جبر الضرر إذا انتهت الإجراءات إلى عدم ثبوت الاتهام.
ولم يكتف القانون بإقرار الحق في التعويض، بل رسم الطريق القانوني للمطالبة به، حيث نصت المادة (529) على رفع طلب التعويض بالطرق المعتادة لرفع الدعاوى، بما يكفل للمتضرر اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقه وفقًا للإجراءات القانونية المقررة.
ويُعد هذا التنظيم التشريعي امتدادًا للاتجاهات القانونية الحديثة في العديد من النظم المقارنة التي أقرت حق التعويض عن الحبس الاحتياطي غير المبرر، إدراكًا منها لما قد يترتب على سلب الحرية من آثار اجتماعية ونفسية ومهنية قد تمتد لسنوات طويلة حتى بعد صدور حكم البراءة.
إن إقرار هذا الحق يمثل خطوة مهمة في مسار تطوير العدالة الجنائية المصرية، ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة وسيادة القانون، ويؤكد أن العدالة لا تقتصر على معاقبة الجاني، بل تمتد أيضًا إلى جبر الضرر الذي قد يلحق بمن ثبتت براءته أو انتهت الإجراءات الجنائية في حقه دون إدانة.
فالدولة القانونية الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على مكافحة الجريمة، وإنما تقاس كذلك بمدى قدرتها على حماية الحقوق والحريات وضمان الإنصاف لكل من تضرر من الإجراءات الاستثنائية التي تفرضها ضرورات العدالة.