
إهانة النقود جريمة أخلاقية
مقال للدكتور أحمد عبد الظاهر – أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة
ثمة بعض الممارسات المستهجنة التي يرتكبها البعض، والتي تمثل إهانة وإساءة للنقد، مثل تمزيق العملات الورقية ورمي النقود المعدنية على الأرض، أو إلقاء بعض العملات الورقية على أجساد الراقصات. وقد تفتك ذهن البعض عن استخدام العملات النقدية في المباخر لإطالة زمن حرق البخور. وقد يحدث من البعض أن يلعن الفلوس أو النقود، متذرعاً في ذلك بأنها كانت – من وجهة نظره أو في رأيه – السبب في سلوكيات بعض أصحاب الأموال. ومع الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في عالم اليوم، قد يعمد البعض إلى نشر بعض المشاهد التي تتضمن إهانة أو إساءة للنقود.
وقد يجهل العديد من الأشخاص أن هذه الوقائع تقع تحت طائلة التجريم، وقد تقود إلى حبس مرتكبيها في بعض الدول العربية. ففي القانون المصري، على سبيل المثال، ووفقاً للمادة التاسعة والخمسين من قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي، الصادر بالقانون رقم 194 لسنة 2020م، «… تحظر إهانة النقد أو تشويهه أو إتلافه أو الكتابة عليه بأي صورة من الصور». وطبقاً للمادة 226 الفقرة الثانية من القانون ذاته، «يعاقب بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه كل من خالف حكم المادة (59) من هذا القانون فيما يتعلق بإهانة أو تشويه النقد».
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، ووفقاً للمادة (173) من مرسوم بقانون اتحادي رقم (6) لسنة 2025 في شأن المصرف المركزي وتنظيم المنشآت والأنشطة الماليَّة وأعمال التأمين، «يُعاقب بالحبس والغرامة التي لا تقل عن (10,000) عشرة آلاف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من يشوه أو يتلف أو يمزق النقد عمداً متى كان ذلك علناً». وهذه المادة تقابل المادة (141) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (14) لسنة 2018 في شأن المصرف المركزي وتنظيم المنشآت والأنشطة الماليَّة، والتي وردت بذات النص حرفياً، ودونما أدنى تغيير أو تعديل.
وطبقاً للمادة (209) من قانون مصرف قطر المركزي وتنظيم المؤسسات المالية، الصادر بالقانون رقم (13) لسنة 2012م، «يُعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر وبالغرامة التي لا تزيد على (50.000) خمسين ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من شوه النقد بالقطع أو التمزيق أو الطمس أو التثقيب أو الكتابة أو الطباعة أو الرسم أو الختم أو اللصق أو الإضافة عليه».
وفي سلطنة عمان، وبمقتضى المادة (234) من القانون المصرفي، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (2) لسنة 2025م، «يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن (3) ثلاثة أشهر، ولا تزيد على (6) ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن (1000) ألف ريال عماني، ولا تزيد على (3000) ثلاثة آلاف ريال عماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من قام بأي من الأفعال الآتية: … 2- شوه العملة بأي فعل من الأفعال، ويشمل ذلك القطع أو التمزيق أو الطمس أو التثقيب أو الكتابة أو الطباعة أو الرسم أو الختم أو اللصق أو الإضافة عليها».
وفي المملكة العربية السعودية، وبموجب المادة الثالثة من المرسوم الملكي رقم 12 بتاريخ 20 / 7 / 1379 هــ بشأن النِظام الجزائي الخاص بتزييف وتقليد النقود، «كل من تعمد بسوء قصد تغيير معالم النقود المتداولة نظَاماً في داخل المملكة العربية السعودية أو تشويشها أو تمزيقها أو غسلها بالوسائل الكيماوية أو إنقاص وزنها أو حجمها أو إتلافها جزئياً بأية وسيلة، يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين ثلاث سنوات وخمس سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف ريال ولا تتجاوز عشرة آلاف ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين». وتطبيقاً لهذا النص، قضت المحكمة الابتدائية بإدانة متهم سعودي الجنسية بما نسب إليه من تمزيق عملة رسمية متداولة، وتعزيره عن ذلك بتغريمه مبلغ خمسة آلاف ريال. وتسبيباً لهذا القضاء، تقول المحكمة: «حيث أقر المتهم في سائر مراحل التحقيق والمحاكمة بصحة ما نسب إليه من تمزيق عملة رسمية متداولة، وحيث إن ذلك محرم شرعاً وهو كفران للنعم وامتهان لنعمة المال التي جعل الشرع الحفاظ عليها من الضرورات الخمس التي عليها مدار الدين، إذ إن المسلم مستخلف من الله -جل وعلا- على المال في الدنيا ومستأمن عليه، ومحاسب يوم القيامة عن قليله وكثيره كسباً وإنفاقاً؛ وكذلك فإن ذلك الفعل مجرم نظاماً بموجب النظام الجزائي الخاص بتزييف وتقليد النقود الصادر بالمرسوم الملكي رقم (12) وتاريخ 20/ 7/ 1379هـ؛ الأمر الذي تنتهي معه الدائرة إلى إدانة المتهم بما نسب إليه وتعزيره عن ذلك وفقاً لأحكام المادة الثالثة من النظام المذكور آنفاً. وحيث طلبت الدمعية مصادرة الجوال المستخدم في تصوير تمزيق العملة، إلا إنها لم تشر لمادة معينة تستند عليها في طلب الحكم بالمصادرة؛ مما يكون طلباً بلا سند نظامي، وحيث إنه لا يوجد في النظام الجزائي الخاص بتزييف وتقليد النقود أي مادة تجيز الحكم بمصادرة الجوال، وحيث إنه من المقرر أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ثم إن الواضح أن الجوال لم يكن أداة من أدوات فعل الجريمة أو تكوينها، وإنما كان أداة توثيق لما جرى؛ الأمر الذي تنتهي معه الدائرة إلى رد طلب المدعية مصادرة الجوال المضبوط لما سلف بيانه وإيضاحه». وتعود واقعات هذا الحكم إلى تاريخ 8/ 1/ 1436هـ بمدينة أبها، حيث قام المدعى عليه بتمزيق مبلغ (200) ريال سعودي لقاء ما نذر به عند هزيمة نادي … في المباراة التي تجمعه مع فريق استرالي، وتصوير الجريمة بجواله ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. وباستجواب المدعى عليه المذكور أفاد بصحة ما نسب له من اتهام حيال تمزيق الأوراق النقدية من العملة السعودية وهي مبلغ (200) ريال؛ لوجود تحد بينه وبين زملائه في حال فوز فريق …. الاسترالي على نادي …. السعودي في نهائي كأس آسيا التي أقيمت مساء يوم السبت الموافق 8/ 1/ 1436هـ، فخرج من المنتزه وذهب إلى أبها وفي الطريق توقف عند إحدى محطات البنزين وطلب من أحد الأشخاص تصويره أثناء تمزيق العملة ثم أكمل طريقه إلى أبها، وفي الطريق قام بإرسالها إلى (قروب على برنامج الواتس آب) يسمى (تمرين) لكي يعلمون أنه أوفى بنذره لكونهم من مشجعي نادي …. السعودي، وأن هذا الفعل منه خطأ ارتكبه من دون قصد لإهانة العملة السعودية وأن إرساله للمقطع لزملائه كان من باب الثقة لمشاهدته فقط ولم يعلم أنه سينتشر (الحكم رقم 593/ ق لسنة 1436هـ، رقم القضية الابتدائية 472/ 4/ ق لعام 1436ه، رقم قضية الاستئناف 593/ ق لعام 1436هـ، تاريخ الجلسة 20/ 4/ 1436هـ).
وفي حكم آخر، قضت المحكمة بعدم إدانة متهم سعودي الجنسية بما نسب إليه من تمزيق نقود متداولة نظاماً داخل المملكة. وتسبيباً لهذا القضاء، تقول المحكمة: «لما كان الادعاء قد أسند إلى المدعى عليه تمزيق عملة متداولة نظاماً بالمملكة؛ فإنه ومن المقرر أن المقصود في التجريم المنصوص عليه في المادة الثالثة من النظام الجزائي الخاص بتزييف وتقليد النقود أن يقصد الجاني في تمزيق العملة إنقاص قيمتها والإضرار بها وتشويهها، وفي هذه القضية لم يتوافر ذلك في حال صحة ما نسب إلى المدعى عليه من تمزيق العملة، ومما يدل ويؤكد عدم توافر ذلك القصد أن المدعى عليه في حال قيامه بتمزيق العملة المرقمة -بشهادة الحال- يكون هدفه من ذلك هو التخلص من دليل يدينه في بيع الحبوب المحظورة، وأنه لو كانت بيده ورقة عادية لكان الحال سواء، مع أن الدائرة لم تجد قصاصات العملة الممزقة مرفقة بالقضية في ظل إنكار المدعى عليه لها؛ مما تنتهي معه الدائرة وتطمئن إليه في عدم إدانة المدعى عليه بما نسب إليه». وتتحصل وقائع هذه القضية في ورود بلاغ عن شخص يقوم بترويج حبوب الكبتاجون، وتم الانتقال برفقة المتعاون مع شخصين من أفراد المكافحة ومكن من الاتصال على المدعى عليه وطلب منه المدعى عليه الحضور له بمحافظة حريملاء، وتم الاتفاق على مبلغ مئة ريال مقابل ثلاث حبات كبتاجون، وتم تفتيش المتعاون وسيارته تفتيشاً دقيقاً وتم تزويده بمبلغ مالي حكومي وقدره مئة ريال، وبعد الوصول إلى المكان الذي حدده المدعى عليه وتحت أنظار الفرقة القابضة حضرت سيارة من نوع (..) …. واحدة لون أحمر رقم اللوحة (..) يستقلها شخص ووقف بجانب سيارة المتعاون ومرافقيه واحتك بهم وقام بتسليم المتعاون عدد ثلاث حباب يشتبه أن تكون من حبوب الكبتاجون المحظورة، وقام المدعى عليه بإهداء المتعاون حبة واحدة يشتبه أن تكون من حبوب الكبتاجون المحظورة أمام نظر أفراد فرقة المكافحة، بعدها تم إعطاء الإشارة الدالة على إتمام عملية الترويج وتمت متابعة المدعى عليه، وعند طلب استيقافه من قبل الدورية الرسمية قام برمي شيء من نافذة السائق وعند الرجوع إلى ذلك الشيء اتضح أنه المبلغ الحكومي المرقم وقدره مئة ريال سعودي، وقد قام المدعى عليه بتمزيقه (مائة ريال)، وتمت السيطرة عليه وبتفتيشه عثر على محفظة فيها مجموعة من البطاقات ومبلغ مالي وقدره (660) ستمئة وستون ريال، وعلى جوال من نوع (..) لون أسود، وعلى جوال نوع (..) لون أبيض وهو الجوال الذي استخدمه في عملية التفاوض به شريحة (..)، وبتفتيش السيارة عثر في خلف مرتبة السائق على حبة مشظوف منها الربع يشتبه أن تكون من حبوب الكبتاجون المحظور (تمت معالجة قضية ترويج الحبوب المحظورة المضبوطة مع المدعى عليه وأحيلت إلى دائرة الادعاء العام بفرع الرياض بموجب خطاب مكافحة المخدرات بمحافظة الدرعية رقم (1247) وتاريخ 24/ 10/ 1435هـ)، وأن الفرقة تطالب المتهم المذكور بالمبلغ المالي الحكومي المرقم الذي قام المدعى عليه بتمزيقه. وقد انتهى التحقيق إلى توجيه الاتهام للمدعى عليه (..) بتعمده بسوء قصد منه تمزيق نقود متداولة داخل المملكة العربية السعودية، وهو مبلغ وقدره مئة ريال سعودي، وهو المبلغ الحكومي المرقم أثناء القبض عليه في قضية ترويج الحبوب المحظورة، والمعاقب على ذلك بموجب المادة الثالثة من النظام الجزائي الخاص بتزييف وتقليد النقود الصادر بالمرسوم الملكي رقم (12) وتاريخ 20/ 7/ 14379هـ. ولكن، المحكمة انتهت إلى عدم إدانة المتهم استناداً إلى الأسباب المبينة في حكمها، على النحو سالف الذكر (الحكم رقم 2555/ ق لسنة 1436هـ، رقم القضية الابتدائية 189/ 1/ ق لعام 1436هـ، رقم قضية الاستئناف 2555/ ق لعام 1436هـ، تاريخ الجلسة 29/ 5/ 1436هـ).
وجدير بالذكر أنه لا توجد نصوص قانونية نظيرة في كل من دولة الكويت ومملكة البحرين.
وقد يعتقد البعض أن هذه الجريمة هي من الجرائم التنظيمية البحتة، وأنها تخرج عن نطاق الجرائم الأخلاقية. والواقع أن هذا السلوك مذموم أخلاقاً، محرم ديناً، مجرم قانوناً. وقد أبان القضاء السعودي عن هذا المعنى، مقرراً أن السلوك المجرم بمقتضى المادة الثالثة من النِظام الجزائي الخاص بتزييف وتقليد النقود محرم شرعاً وهو كفران للنعم وامتهان لنعمة المال التي جعل الشرع الحفاظ عليها من الضرورات الخمس التي عليها مدار الدين، إذ إن المسلم مستخلف من الله -جل وعلا- على المال في الدنيا ومستأمن عليه، ومحاسب يوم القيامة عن قليله وكثيره كسباً وإنفاقاً».
ويمكن أن نجد لهذا الفهم ظهيراً وسنداً من القرآن الكريم ومن القصص القرآني. إذ يروي القصص القرآني قصة نبي الله شعيب عليه السلام مع قومه، حيث ردوا على دعوته لهم: )قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ( (سورة هود: الآية 87). وفي تفسير قوله تعالى )أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ(، ورد في تفسير الطبري أن المراد هو ترك ما كانوا عليه من كسر الدراهم وقطعها، وبخس الناس في الكيل والوزن. وروي عن زيد بن أسلم في قول الله: (أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد) قال: كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم، أو قال: قطع الدراهم. وعن أبي مودود قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: بلغني أن قوم شعيب عُذِّبوا في قطع الدراهم، وجدت ذلك في القرآن: (أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء). وروي عن محمد بن كعب القرظي قال: عُذّب قوم شعيب في قطعهم الدراهم فقالوا: (يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء). وقال ابن زيد في قوله: (قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)، قال: نهاهم عن قطع الدنانير والدراهم فقالوا: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها، وإن شئنا صرفناها، وإن شئنا طرَحناها!
وفي الختام، أود الإشارة إلى القول المأثور «أقداركم تؤخذ من أفواهكم». وكما يقولون: «الملافظ سعد». ويعبر البعض عن ذلك باستخدام ما يطلق عليه «قانون الجذب»، وهو الإيمان الروحي والاعتقاد بأن الأفكار الإيجابية أو السلبية تجلب تجارب إيجابية أو سلبية في حياة الشخص. ويعتمد الاعتقاد على فكرة أن الناس وأفكارهم مصنوعة من «الطاقة النقية» وأن مثل هذه الطاقة يمكن أن تجتذب مثل الطاقة، مما يسمح للناس بتحسين صحتهم أو ثروتهم أو علاقاتهم الشخصية. وإذا كان لا يوجد دليل علمي تجريبي يدعم قانون الجذب، ويعتبر على نطاق واسع أنه علم زائف، فأنا شخصياً أعتقد في أن «الملافظ سعد».