البدلة السوداء.. ليست ثوبًا بل تاريخًا
بقلم : سمر سمير – محامية بالإستئناف العالي و مجلس الدولة ، عضو إتحاد المحامين العرب.
حين تُذكر المحاماة، فلا ينبغي أن يتجه الذهن إلى مهنة يتكسب منها أصحابها فقط، بل إلى رسالة حملها رجال كتبوا أسماءهم في تاريخ الوطن قبل أن يكتبوها في سجلات المحاكم. فالمحاماة في مصر لم تكن يومًا طريقًا إلى الشهرة، ولا وسيلة إلى النفوذ، وإنما كانت مدرسة تخرج منها رجال دولة، وقادة رأي، وفقهاء قانون، وزعماء وطن، حتى أصبحت واحدة من أكثر المهن تأثيرًا في صناعة التاريخ المصري.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يستهل المشرع قانون المحاماة بالنص على أن المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة، وتأكيد سيادة القانون، وكفالة حق الدفاع. فهذه الكلمات ليست افتتاحية أدبية، وإنما إعلان دستوري عن مكانة المحامي في المجتمع، ودليل على أن العدالة لا تكتمل بقاضٍ يجلس على المنصة، وإنما تحتاج أيضًا إلى محامٍ يقف أمامها حرًا، مستقلًا، أمينًا على حقوق الناس، أي انها ضلع للعدالة.
ولعل أعظم ما يميز هذه المهنة أنها لم تصنع محامين فقط، بل صنعت رجال دولة.
من بين صفوفها نجد مصطفى النحاس ، و مكرم عبيد باشا، و عبد العزيز فهمي باشا، و الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا، الذي لم يكن مجرد محامٍ أو أستاذ قانون، بل كان مدرسة قائمة بذاتها. صاغ الفكر القانوني العربي، ووضع مؤلفات ما زالت مرجعًا للقضاة والمحامين والباحثين، وأسهم في وضع وتقنين تشريعات عربية لا تزال حية حتى اليوم.
و الدكتور أحمد فتحي سرور، الذي جمع بين المحاماة والفقه الجنائي والعمل التشريعي، فكان واحدًا من أبرز رجال القانون ، وترك للمكتبة القانونية مؤلفات لا يستغني عنها دارس أو ممارس للقانون.
هؤلاء وغيرهم لم ترفعهم المحاماة لأنهم أصحاب ألقاب، بل ارتفعت المحاماة بهم، وارتفعوا هم بما حملوه من علم، وخلق، وانضباط، وإيمان بأن المحامي ليس أجيرًا في خصومة، وإنما صاحب رسالة.
ولم تكن هيبة المحامي وقتها وليدة الخوف، ولا نتيجة منصب، وإنما كانت ثمرة احترام اكتسبه بعلمه وسلوكه. كان حضوره يفرض الاحترام قبل أن يتحدث، وكانت كلمته تزن بقدر ما يحمل من أمانة، لا بقدر ما يرفع من صوته.
ثم دق ناقوس الخطر مع انتشار مغريات العصر و تبدلت بعض الأشياء .
لم تتغير المحاماة، لكن تغير فهم بعض المنتسبين إليها.
فأصبحنا نرى من يقف بداخل طرقات المحاكم أو المصالح الحكومية مترقبًا أصحاب المشكلات، يسابق زملاءه إلى اجتذاب الموكلين، وكأن المحاماة أصبحت سلعة، لا رسالة.
وأصبحنا نرى من يظن أن قيمة المحامي تقاس بعدد المتابعين و الفلوارز، لا بعدد القضايا التي أجاد فيها، ولا بعدد الحقوق التي أعادها إلى أصحابها .
وأصبح بعضهم يسيء إلى زميله أمام موكله، أو ينتقص من مهنة أفنى فيها غيره عمره، ظنًا منه أن هدم الآخرين طريق إلى بناء نفسه.
ولذلك لم يكتف قانون المحاماة بتنظيم الحقوق، بل ألزم المحامي في المادة (62) بأن يلتزم في سلوكه المهني والشخصي بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة، وأن يحافظ على تقاليد وآداب المحاماة. فلم يفصل بين الإنسان والمحامي.
كما أوجب القانون ارتداء روب المحاماة أمام المحاكم، لأن لهذا الروب قيمة تتجاوز القماش الذي صنع منه. إنه رمز لاستقلال الدفاع، وعنوان للمساواة بين المحامين، فلا يعلو أحد على أحد إلا بعلمه و خبرته التي أكتسبها علي مدار السنين، و أخلاقه و كفاءته .
لكن هذا الروب و النجوم الذي نضعها عليه وحدها لا تصنع محاميًا، و اللافتة الكبيرة اعلي مكاتبنا لا تصنع مكتبًا محترمًا، واللقب لا يصنع قيمة بل القيمة يصنعها الإنسان.
إن أكثر ما يهدد المحاماة اليوم ليس كثرة خريجي الحقوق، ولا صعوبة الظروف الاقتصادية، بل اعتياد بعض المنتسبين إليها على ما كان ينبغي أن يرفضوه.
اعتياد امتهان الكرامة ، واعتياد التقليل من الزملاء، واعتياد السعي إلى الشهرة بأي ثمن، واعتياد تحويل رسالة العدالة إلى تجارة.
و من هنا تبدأ المهنة في خسارة شيء لا يعوض بسهولة، وهو احترام المجتمع لها.
ولذلك جعل القانون كل عمل ينال من شرف المهنة أو يحط من قدرها موجبًا للمساءلة التأديبية، لأن المشرع أدرك أن المحاماة لا يحميها القانون وحده، وإنما يحميها أيضًا ضمير المحامين.
الناس بالمجتمع لا تقرأ قانون المحاماة و لا تطلع عليه، و لكنها تقرأ المحامي في مظهره، وفي حديثه، وفي تعامله مع خصومه قبل موكليه ،وفي احترامه لزملائه قبل مطالبته الآخرين باحترامه.
ولهذا فإن الدفاع الحقيقي عن المحاماة لا يكون بالشعارات، ولا بالغضب إذا تعرضت للنقد، وإنما يبدأ عندما يرفض المحامون أنفسهم كل سلوك ينتقص من قيمتها، أيًا كان مرتكبه.
معالي أصحاب البدلة السوداء…
أنتم ورثة تاريخ لم يصنعه يوم واحد، ولا جيل واحد.
ورثة السنهوري، والنحاس، ومكرم عبيد، وعبد العزيز فهمي، وفتحي سرور، وغيرهم الكثير ممن جعل من المحاماة علمًا، ومن الأخلاق منهجًا، ومن الدفاع عن الحقوق شرفًا.
فلا تجعلوا هذا الإرث العظيم يضيع أمام مقطع يبحث عن الانتشار، أو خلاف يسيء إلى زميل، أو تصرف يقلل من رسالة حملها من سبقونا بكل إخلاص.
فاحفظوا هذا التاريخ كما حفظه من سبقكم
ليظل أصحاب البدلة السوداء عنوانًا للعدالة، لا مجرد وصف لثوب يرتدى، وليبقى اسم المحامي في مصر كما كان دائمًا… عنوانًا للعلم، والكرامة، والوقار.
بقلم : سمر سمير
محامية بالإستئناف العالي و مجلس الدولة ، عضو إتحاد المحامين العرب .