
حادثة سوهاج … وإشكاليات التفسير القانوني لنص المادة 237 من قانون العقوبات
بقلم الدكتور/ محمد شعبان
أثارت حادثة قتل فتاة واثنين من الأشخاص بدافع الشرف، جدلاً واسعاً على صفحات التواصل الاجتماعي، ما بين مستهجن لجريمة القتل ومطالب بتوقيع أقصى عقوبة، وما بين متعاطف مع القاتل متعللاً بجدارته برأفة القضاة وأحقيته في أن يعامل على ضوء نص المادة 237 من قانون العقوبات التي تجعل من هذه الجريمة مجرد جنحة معاقب عليها بالحبس.
وحينما يعرض الخلاف على المختصين بالقانون فإن أول ما يثار على بساط بحثهم هي المشكلة الأساسية التي تفرع عنها هذا الخلاف، وهذه الإشكالية هي إشكالية قانونية متعلقة بفكرة مدى قبول التوسع في التفسير القواعد الجنائية المقررة لأسباب الإباحة أو موانع العقاب أو الظروف والأعذار القانونية المخففة للعقاب أو المعفية منه؟
فالقاعدة العامة في مجال تفسير القواعد الجنائية هو مبدأ عدم جواز التوسع في تفسير النص الجنائي أو القياس عليه، لما في ذلك من مخالفة لمبدأ الشرعية الجنائية.
وقد أورد الفقه الجنائي -ومن بعده القضاء- استثناء على هذا الاصل العام، متعلق بقصر عدم جواز التوسع في التفسير أو القياس إلا في أحوال النصوص التي تقرر التجريم والعقاب؛ فلا يسوغ للقاضي أن يمد انطباق النص العقابي الذي ورد بشأن حالة معينة إلى حالات أخرى لم يرد بشأنها نص تجريم أو عقاب في القانون، لأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ومتى ثبت انتفاء نص التجريم والعقاب انتفت المسئولية تبعا لذلك.
أما فيما يخص الاباحة؛ فقد كان موقف الفقه والقضاء مختلفا؛ فقد أجاز الفقه التوسع في تفسير النصوص المقررة لأسباب الاباحة والقياس بشأنها فيما عدا الأحكام الواردة في قواعد استثنائية، على أساس أن هذا النهج في مصلحة المتهم ومن ثم فهو لا يناقض مبدأ الشرعية الذي ينهض -من بين ما ينهض عليه- على مبدأ افتراض البراءة.
وعلى الرغم من ذلك فقد تعامل الفقه والقضاء مع الاستثناء الوارد على مبدأ التفسير الضيق للقاعدة الجنائية التفسير بحذر شديد، بما يكفل الانضباط والدقة في التعبير عن مضمون ونطاق القاعدة الجنائية، وقد عبرت محكمة النقض عن ذلك بقولها أن الأصل أنه يجب التحرز في تفسير القوانين الجنائية والتزام جانب الدقة في ذلك وعدم تحميل عباراتها فوق ما تحتمل، وأنه متى كانت عبارة القانون واضحة لا لبس فيها ولا غموض، فإنه يجب أن تعد تعبيرا صادقا عن إرادة الشارع ولا يجوز الانحراف عنها عن طريق التفسير أو التأويل أيا كان الباعث على ذلك، ولا الخروج على النص، متى كان واضحا جلي المعنى قاطعا في الدلالة على المراد منه .(على سبيل المثال: يراجع الطعن رقم 13752 لسنة 95ق جلسة 28/04/2026 “غير منشور”)
وفي مجال القواعد المقررة للإباحة والظروف المُحِلَّة أو المخففة للعقوبة، فقد أرست محكمة النقض قاعدة عامة مبناها أنه لا إعفاء من العقوبة بغير نص، وأن النصوص المتعلقة بالإعفاء تُفَسر على سبيل الحصر فلا يصح التوسع في تفسيرها بطريق القياس، ولا كذلك أسباب الإباحة التي ترتد كلها إلى مبدأ جامع هو ممارسة الحق أو القيام بالواجب. (على سبيل المثال: يراجع الطعن رقم 11568 لسنة 85 ق جلسة 14/04/2016 “مكتب فني “سنة ٦۷- قاعدة ٥۲- صفحة ٤٤۳”).
وبمراجعة تطبيقات محكمة النقض التي أقرت فيها بفكرة التفسير الواسع في مجال نصوص الإباحة، ما جرى عليه قضاؤها في خصوص حالات الاستثناء التي تندرج تحت مفهوم حالة ضياع الشيك ـوهى الحالات التي يتحصل فيها على الشيك عن طريق جرائم سلب المال كالسرقة والنصب والتبديد وأيضا الحصول عليه بطريق التهديد- فحالة الضياع وما في حكمها هي التي أبيح فيها للساحب أن يتخذ من جانبه ما يصون به ماله بغير توقف على حكم القضاء تقديرا من الشارع يعلو حق الساحب في تلك الحال على حق المستفيد استنادا إلى سبب من أسباب الإباحة.(على سبيل المثال: يراجع حكم الهيئة العامة للمواد الجنائية الطعن رقم 1084 لسنة 32ق جلسة 01/01/1963 “مكتب فني س14 ص1 قاعدة 1).
وكذلك ما جرى عليه قضاؤها من قياس حالة جناية الضرب المفضي إلى الموت والضرب المفضي إلى عاهة مستديمة على حالة القتل في تطبيق نص المادة (237) من قانون العقوبات، وقالت محكمة النقض في ذلك أن صراحة النص لا تحول دون تفسيره وصولاً إلى مراد الشارع الذي عبر عنه، ومن الطرق التي يستعان بها وصولاً لذلك الهدف القياس من باب أولى، … فإن صراحة هذا النص (نص المادة 237 من قانون العقوبات) بتحديده جريمة القتل لم تحل دون تطبيقه على من يحدث بزوجته إصابة تتخلف لديها من جرائه عاهة مستديمة إذا ما فاجأها في تلك الحالة وذلك بطريق القياس من باب أولى. كما أعملت ذات الحالة بخصوص ما نصت عليه المادة 312 عقوبات صراحة من أنه (لا تجوز محاكمة من يرتكب سرقة إضراراً بزوجه أو زوجته أو أصوله أو فروعه إلا بناءً على طلب من المجني عليه)، وقالت إن صراحة هذا النص بتحديده جريمة السرقة لم تحل دون تطبيقه على النصب وخيانة الأمانة تحقيقاً لمراد الشارع وذلك بطريقة الاستنتاج بطريق القياس. (على سبيل المثال: يراجع الطعن رقم 27375 لسنة 73ق جلسة 06/07/2003 “مكتب فني سنة 54 صفحة 757 قاعدة 101”)
وباستقراء هذه التطبيقات يمكن استخلاص بأن القاعدة الحاكمة لتفسير القاعدة الجنائية المقررة لأسباب الإباحة، أو موانع المسئولية والعقاب، أو الظروف المُحِلة، أو المخففة من العقاب، هو التقيد بوجه عام بالمعنى الذي قصده المشرع وعدم تحميل عبارات النص فوق ما تحتمل، بحيث يظل التفسير دائراً في فلك الألفاظ والعبارات دلالة ومضموناً.
وقد عبرت محكمة النقض عن ذلك بقولها إن تفسير النصوص المتعلقة بالإعفاء على سبيل الحصر، فلا يصح التوسع في تفسيرها بطريق القياس، ولا كذلك أسباب الإباحة التي ترتد كلها إلى مبدأ جامع هو ممارسة الحق أو القيام بالواجب. وعلى ذلك فلا يجوز للقاضي أن يعفي من العقوبة إلا إذا انطبقت شروط الإعفاء في النص التشريعي على الواقعة المؤثمة انطباقاً تاماً سواء من ناحية كنهها أو ظروفها أو الحكمة التي تغياها المشرع من تقرير الإعفاء. (على سبيل المثال: الطعن رقم 11386 لسنة 80ق جلسة 07/07/2018 “مكتب فني سنة 69 – صفحة رقم 565 – قاعدة 72”)
وبإعمال هذا المضمون لفكرة التفسير في مجال القواعد الجنائية المقررة للإباحة أو الظروف المحلة أو المخففة للعقاب، وتطبيقه على ما نصت عليه المادة (237) من قانون العقوبات بقولها “من فاجأ زوجته حال تلبسها بالزنا وقتلها في الحال هي ومن يزني بها يعاقب بالحبس بدلاً من العقوبات المقررة في المادة 234 و236”.
فإن تفسيرنا الفقهي لعبارة “حال تلبسها بالزنا” في تطبيق هذا النص -أو التفسير القضائي لها- لا ينبغي أن يخرج عن نطاق المصلحة التي استهدفها هذا النص بالحماية، ولا ينبغي كذلك أن يخرج يأتي التفسير منفصلاً عن النظام القانوني الذي يعتبر هذا النص جزءاً لا يتجزأ منه.
فالمصلحة التي استهدفها النص بالحماية هي ضمان عدم وقوع اعتداء على الحق في حياة الإنسان، مع مراعاة عذر الاستفزاز الناشئ عن مفاجئة الزوج زوجته حال تلبسها بالزنا، فلم يشأ المشرع أن يجعل الجريمة بلا عقاب، حتى مع مراعاته للظرف الشخصي الذي أحاط بالقاتل.
ومن ناحية أخرى النص المشار إليه لا يقرأ بمنأى عن النظام القانوني الذي يعتبر جزءاً منه؛ فإذا كان المشرع جعل مناط تحقق العذر القانوني المخفف للعقوبة هو مفاجأة الزوج حال تلبس زوجته بارتكاب جريمة الزنا، فينبغي أن يفهم التلبس هنا -على ضوء ما جرى عليه نص المادة “30” من قانون الإجراءات الجنائية وما جرى عليه قضاء محكمة النقض- على أنه صفة تلازم الجريمة ذاتها لا شخص مرتكبها، ومن ثم فإن مقصود الشارع من عبارة «حال تلبسها بالزنا» أن يعاين الزوج زوجته حال ارتكابها لجريمة الزنا أو عقب ارتكاب هذه الجريمة ببرهة يسيرة، أو أن يستدل على جريمة الزنا من معالمها التي لم تزل موجودة وقائمة بعد وقوعها بوقت قريب تتابعت فيه الأحداث بحيث لم يفصل بينها فاصل زمني، أخذاً من العلامات أو الآثار التي يعاينها أو يكتشفها وتكون ناطقة بوقوع هذه الجريمة.
ولذلك أيدت محكمة النقض حكما بإدانة أحد الأشخاص قتل زوجته حال تفاجئه بوجود شخص في غرفة نومه وهي المحل المخصص للحريم وعامله على ضوء العذر القانوني المخفف المنصوص عليه بالمادة 237 من قانون العقوبات، وردت على نعي النيابة العامة في طعنها على هذا الحكم بقولها أنه لا يشترط لتوافر التلبس بجريمة الزنا أن يكون المتهم قد شوهد حال ارتكابه الزنا بالفعل، بل يكفي أن يكون قد شوهد في ظروف تنبئ بذاتها وبطريقة لا تدع مجالا للشك في أن جريمة الزنا قد ارتكبت فعلا (نقض جنائي، الطعن رقم 1357 لسنة 53ق – جلسة 12/10/1983)
وعبارة “برهة يسيرة” و “وقت قريب” في مفهوم نص المادة (30) من قانون الإجراءات الجنائية تفيد أهمية المعاصرة الزمنية للحدث بحيث لا يفصل بينه وبين علم الزوج فترة زمنية تتلاشى معها آثار الفعل. وقد عبرت محكمة النقض عن ذلك بقولها إن الأعذار القانونية استثناء لا يقاس عليه وعذر الزوج في قتل زوجته خاص بحالة مفاجأة الزوجة متلبسة بالزنا فلا يكفي ثبوت الزنا بعد وقوعه بمدة. (الطعن رقم 615 لسنة 46ق جلسة 01/11/1976 “مكتب فني سنة 27 – صفحة 817- قاعدة 187”)
ومن جماع ما تقدم؛ فإنه لا يمكن التسليم بفكرة استفادة المتهم بارتكاب جريمة قتل لزوجته، أو لمن زعم في حقهم أنهم ارتكبوا جريمة مواقعتها برضاها، بالعذر القانوني المخفف وفقاً لنص المادة 237 من قانون العقوبات، بعد افتراض ثبوت جريمة الزنا بعد مدة من وقوعها، حتى ولو قيل أن الزوجة اعترفت وأقرت لزوجها قبل قتلها بارتكابها لهذه الجريمة، بل ولو حتى تحقق الزوج من ارتكاب الزوجة للجريمة بناء على ما نشر من مقاطع مرئية أو مسموعة تثبت وقوع هذه الجريمة فعلاً، لأن مناط تحقق العذر هو تحقق المفاجأة عند التلبس بوقوع الزنا فعلاً أو بعد وقوعه بفترة يسيرة متصلة الأحداث والظروف، أما إن طالت المدة وانفصل التعاصر الزمني، فلا يسعنا إلا أن نقول أننا أمام جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار مكتملة الأركان.
ولا ننفي عن هذا الزوج جدارته برأفة القضاة وفقاً لنص المادة 17 من قانون العقوبات، ونكون بذلك أمام نوع آخر من الأعذار المخففة، وهي الأعذار القضائية وليس الأعذار القانونية، فالعذر القانوني يتطلب لصحة تطبيقه على الواقع أن يجري القاضي مطابقة يتحقق من خلالها بتوافر شروط العذر كما نص عليها القانون، فإن تعذرت المطابقة، انتقل القاضي إلى مرحلة البحث في شخصية المتهم وظروف وملابسات ارتكابه للجريمة المسند إليه ارتكابها؛ فلو وجد منها ما يقتضي رأفته، كان له استبدال العقوبة المناسبة بالعقوبة المقررة قانوناً للجريمة المحال بها المتهم وفقاً للترتيب الذي أورده المشرع بنص المادة (17) من قانون العقوبات.