الشخصية القانونية مناطاً لأهلية الوجوب: قراءة تصحيحية

بقلم: د. مدحت طلعت

جرى التعريف بأهلية الوجوب على أنها صلاحية الشخص لوجوب الحق له أو عليه. إلا أن هذا التعريف في تقديري قاصر، إذ قصر الأهلية على مجرد الصلاحية والقدرة على التحمل، والحال أن تلك الصلاحية ليست إلا أثراً ونتيجة لوجود الأهلية ذاتها.

ومرد ذلك إلى أن أهلية الوجوب لا تقوم إلا على وجود شخصية قانونية لها كيان مادي ومعنوي مستقل، تصلح لأن تكون محلاً لثبوت الحقوق ووجوب الالتزامات، خارج نطاق التصرف أو الواقعة القانونية.
وقد حسم المشرع المصري هذه المسألة بنص المادة 29 من القانون المدني حين قرر أن “شخصية الإنسان تبدأ بتمام ولادته حياً وتنتهي بموته”. فبتمام هذه الولادة يكتسب الإنسان وجوده القانوني المستقل، فتظهر معه أهلية الوجوب كمرآة عاكسة لهذا الوجود. أما إذا سقط الجنين ميتاً في بطن أمه أو أثناء ولادته وقبل انفصاله، فلا وجود لشخصية قانونية له، وبالتالي لا تقوم له أهلية وجوب لانعدام مناطها.

وبذلك يتضح أن الشخص وأهلية الوجوب متلازمان تلازم الظل لصاحبه، فإذا زال أحدهما زال الآخر حتماً. ومن ثم فإن مناط أهلية الوجوب هو النفس الإنسانية القائمة، المتمتعة بشخصية قانونية على قيد الحياة.
ولا شك أن المعني بهذه الأهلية هو الشخص الطبيعي الذي انفصل عن رحم أمه حياً، فبدأ له وجود مستقل. أما الجنين فلا استقلال له قبل الولادة، ومن ثم لا شخصية قانونية قائمة له.

وهدانا هذا العرض إلى تأصيل نراه مستحدثاً في فهم أهلية الوجوب، مفاده أنها صلاحية تثبت بميلاد الشخصية القانونية للوجود ، وتكون من نتائجها تحمل هذه الشخصية للحقوق والالتزامات. وتتجلى أهمية هذا التعبير في ربط الصلاحية مباشرة بوجود الشخصية القانونية الصالحة للتحمل.

ويستقيم هذا التصور مع كافة صور انتهاء الشخصية القانونية وعلى رأسها الموت. وقد عرفه مجمع البحوث الإسلامية وأقرته دار الإفتاء المصرية بأنه “التوقف الذاتي لجميع مظاهر الحياة وأجهزة الجسم وأعضائه”.
كما يستقيم مع ما يعرف بالموت الحكمي، وهو الذي لا يثبت إلا بحكم من المحكمة بعد تحقق شروطه، فبه تنتهي الشخصية القانونية حكماً وتترتب آثارها.

بل ويمتد هذا التأصيل ليشمل المسائل المستحدثة كالموت الدماغي. إذ ذهب مجمع البحوث بالأزهر الشريف إلى أن الموت الدماغي لا يعد وحده معياراً لثبوت الوفاة. فما دامت الشخصية القانونية قائمة ويتحقق معها مظهر من مظاهر الحياة، بقيت أهلية الوجوب وثبتت معها الحقوق وتحملت الالتزامات. فالعبرة إذن ببقاء الشخصية القانونية وجوداً، لا بمجرد صلاحية التحمل، وتنتهي هذه الصلاحية حتماً بوفاته.

وخلاصة القول أن تعريف أهلية الوجوب هو: صلاحية ميلاد الشخصية القانونية للوجود ، والتي من نتائجها تحمل الحقوق والالتزامات.

زر الذهاب إلى الأعلى