دور الجزاءات الإجرائية في العدالة الناجزة.. دعوى التزوير الفرعية

الدكتور أحمد عبد الظاهرـ أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة- المستشار القانوني بدائرة القضاء – أبو ظبي

 

تنظم التشريعات الإجرائية الادعاء بالتزوير أو الطعن بالتزوير الذي يثور بمناسبة نظر الدعاوى أمام القضاء، وتدور هذه الأحكام في الغالب حول سلطة المحكمة في نظر الطعن بالتزوير والتحقيق فيه والفصل في صحة الورقة – وإحالة الأوراق إلى جهة التحقيق ووقف الدعوى عند الاقتضاء – والجزاء المقرر عند عدم ثبوت التزوير.

 

وفيما يتعلق بالجزاء المقرر عند عدم ثبوت التزوير، وباستقراء خطة التشريعات العربية في هذا الشأن، يبدو سائغاً التمييز بين اتجاهات ثلاثة، وهي:

الاتجاه الأول: جواز الحكم بالغرامة على مدعي التزوير حال رفض دعواه.

الاتجاه الثاني: وجوب الحكم بالغرامة على مدعي التزوير حال رفض دعواه.

الاتجاه الثالث: تباين الحكم بين قانون الإجراءات الجزائية وقانون الإثبات.

 

الاتجاه الأول

جواز الحكم بالغرامة على مدعي التزوير حال رفض دعواه

 

في سلطنة عمان، وطبقاً للمادة (202) من قانون الإجراءات الجزائية، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 97 لسنة 1999م، «إذا رأت المحكمة أن الفصل في الدعوى يتوقف على الورقة المطعون فيها وأن هناك وجهًا للسير في تحقيق أدلة التزوير، تحيل الأوراق إلى الادعاء العام وتوقف الدعوى إلى أن يفصل في التزوير من المحكمة المختصة، أما إذا كان الفصل في واقعة التزوير يدخل في اختصاصها تحقق الطعن بنفسها وتفصل في صحة الورقة». «وللمحكمة أن تعاقب مدعي التزوير بغرامة لا تزيد على خمسمائة ريال في حالة الحكم برفض دعواه».

 

وفي الإطار ذاته، ووفقاً للمادة الرابعة والثلاثين من قانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 68/ 2008، «إذا حكم برفض الطعن بالتزوير أو بسقوطه جاز الحكم على الطاعن بغرامة لا تقل عن خمسين ريالاً ولا تزيد على خمسمائة ريال، ولا يحكم عليه بشيء إذا ثبت بعض ما ادعاه، وتتعدد الغرامة بتعدد المحررات المطعون بتزويرها إلا إذا وجد ارتباط بينها».

 

الاتجاه الثاني

وجوب الحكم بالغرامة على مدعي التزوير حال رفض دعواه

 

تبني المشرع المصري اتجاه وجوب الحكم بالغرامة

طبقاً للمادة (298) من قانون الإجراءات الجنائية المصري الجديد رقم 174 لسنة 2025م، «إذا رأت المحكمة المنظور أمامها الدعوى وجهاً للسير في تحقيق الادعاء بالتزوير، وكان الفصل في الدعوى المنظورة أمامها يتوقف على الورقة المطعون فيها، تحقق المحكمة الواقعة بنفسها، ومع ذلك يجوز لها إذا تعذر عليها ذلك أن تحيل الأوراق إلى النيابة العامة، وفي هذه الحالة توقف الدعوى إلى أن يفصل في الادعاء بالتزوير». «وإذا تبين للمحكمة أن الورقة المطعون فيها مزورة تفصل في الدعوى وتحيل الواقعة للنيابة العامة لاتخاذ شئونها فيها». «وفي حالة عدم وجود تزوير تقضي المحكمة بإلزام مدعي التزوير بغرامة لا تجاوز عشرة آلاف جنيه».

 

وهذه المادة تقابل المادة (297) من قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 150 لسنة 1950م، «إذا رأت المحكمة المنظور أمامها الدعوى وجها للسير في تحقيق الادعاء بالتزوير، وكان الفصل في الدعوى المنظورة أمامها يتوقف على الورقة المطعون فيها، تحقق المحكمة الواقعة بنفسها، ومع ذلك يجوز لها، إذا تعذر عليها ذلك، أن تحيل الأوراق إلى النيابة العامة، وفي هذه الحالة توقف الدعوى إلى أن يفصل في الادعاء والتزوير». «وإذا تبين للمحكمة أن الورقة المطعون فيها مزورة تفصل في الدعوى وتحيل الواقعة للنيابة العامة لاتخاذ شئونها فيها». «وفي حالة عدم وجود تزوير تقضى المحكمة بإلزام مدعى التزوير بغرامة لا تجاوز خمسة آلاف جنيه».

 

وطبقاً للمادة السادسة والخمسين من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، الصادر بالقانون رقم 25 لسنة 1968م، «إذا حكم بسقوط حق مدعى التزوير في ادعائه أو برفضه حكم عليه بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز أربعة آلاف جنيه. ولا يحكم عليه بشيء إذا ثبت بعض ما ادعاه».

 

تبني المشرع البحريني اتجاه وجوب الحكم بالغرامة

في مملكة البحرين، ووفقاً للمادة (243) من قانون الإجراءات الجنائية، الصادر بالمرسوم بقانون رقم (46) لسنة 2002م، «إذا رأت المحكمة المنظورة أمامها الدعوى وجها للسير في تحقيق التزوير تحيل الأوراق إلى النيابة العامة». «ولها أن توقف الدعوى إلى أن يفصل في التزوير من الجهة المختصة إذا كان الفصل في الدعوى المنظورة أمامها يتوقف على الورقة المطعون فيها». وتحدد المادة (244) من القانون ذاته الجزاء الإجرائي في حالة رفض الادعاء بالتزوير، بنصها على أنه «في حالة رفض الادعاء بالتزوير يقضي في الحكم أو القرار الصادر بعدم وجود التزوير بإلزام مدعي التزوير بغرامة قدرها مائتي دينار».

 

وطبقاً للمادة السابعة والخمسين من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، الصادر بالمرسوم بقانون رقم (14) لسنة 1996م، «إذا حكم بسقوط حق مدعي التزوير في ادعائه أو برفضه حكم عليه بغرامة لا تقل عن مائتين وخمسين دينارًا ولا تجاوز ألف دينار». «ولا يحكم عليه بشيء إذا ثبت بعض ما ادعاه». «وتتعدد الغرامة بتعدد الأوراق المدعى بتزويرها إلا إذا وجد ارتباط بينها».

 

تبني المشرع الكويتي اتجاه وجوب الحكم بالغرامة مع الاكتفاء بالنص الوارد في قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية

في دولة الكويت، وبالاطلاع على قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، الصادر بالقانون رقم (17) لسنة 1960م، نجد أنه قد ورد خلواً من نص خاص يحدد الجزاء الإجرائي في حالة رفض الادعاء بالتزوير.

 

ولكن، وبالاطلاع على المادة السادسة والثلاثين من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية، الصادر بالمرسوم بقانون رقم 39 لسنة 1980م، معدلة بالقانون رقم 107 لسنة 2013م، «إذا حكم برفض الطعن بالتزوير أو سقوط حق الطاعن في الإثبات حكم عليه بغرامة لا تقل عن ثلاثمائة دينار ولا تجاوز ألف دينار– ولا يحكم عليه بشيء إذا ثبت بعض ما ادعاه». «وإذا ثبت تزوير الورقة، أرسلتها المحكمة مع صور المحاضر المتعلقة بها إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات الجنائية في شأنها». «ويجب على المحكمة –إذا قضت بصحة المحرر أو برده – تحديد أقرب جلسة لنظر الموضوع».

 

الاتجاه الثالث

تباين الحكم بين قانون الإجراءات الجزائية وقانون الإثبات

 

تباين الحكم بين الوجوب والجواز في القانون الإماراتي

في دولة الإمارات العربية المتحدة، وطبقاً للمادة (183) من قانون الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم 38 لسنة 2022م، وتحت عنوان «صلاحية الفصل في الطعن بالتزوير»، «1- إذا رأت المحكمة المنظورة أمامها الدعوى أن الفصل فيها يتوقف على الورقة المطعون فيها وأن هناك وجهاً للسير في تحقيق أدلة التزوير فلها أن تحيل الأوراق إلى النيابة العامة وتوقف الدعوى إلى أن يفصل في التزوير من الجهة المختصة، ولها إذا كان الفصل في واقعة التزوير يدخل في اختصاصها أن تحقق الطعن بنفسها وتفصل في صحة الورقة. 2- يجوز أن تحكم هذه المحكمة على مدعي التزوير بغرامة لا تزيد على (5,000) خمسة آلاف درهم في حالة صدور حكم أو قرار بعدم وجود تزوير». والبين من هذا النص أن المشرع يجيز الحكم بغرامة لا تزيد على خمسة آلاف درهم على مدعي التزوير في حالة صدور حكم أو قرار بعدم وجود تزوير.

 

ومع ذلك، ووفقاً للمادة التاسعة والأربعين من قانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية، الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم (35) لسنة 2022م، «1. إذا حكم برفض الادعاء بتزوير المحرر أو سقوط حق مدعي التزوير في الإثبات، حكم عليه بغرامة لا تقل عن (3,000) ثلاثة آلاف درهم ولا تزيد على (10,000) عشرة آلاف درهم، وذلك دون الإخلال بحق ذوي الشأن في المطالبة بالتعويض. 2. لا يحكم بالغرامة على مدعي التزوير إذا تنازل عن ادعائه قبل انتهاء إجراءات التحقيق فيه، ما لم يثبت للمحكمة أنه قصد الكيد لخصمه أو تأخير الفصل في الدعوى. 3. لا يحكم بالغرامة على مدعي التزوير إذا ثبت بعض ما ادعاه. 4. إذا ثبت تزوير المحرَّر أحالته المحكمة إلى النيابة العامة مع صور المحاضر المتعلقة به، لاتخاذ الإجراءات اللازمة». ويستفاد من هذا النص أن الحكم بالغرامة وجوبي متى حكم برفض الادعاء بتزوير المحرر أو سقوط حق مدعي التزوير في الإثبات. كذلك، يلاحظ اختلاف مقدر الغرامة التي يجب الحكم بها وفقاً لقانون الإثبات عن مقدار الغرامة الجائز الحكم بها وفقاً لقانون الإجراءات الجزائية.

 

تباين الحكم بين الوجوب والجواز في القانون القطري

في دولة قطر، ووفقاً للمادة (207) من قانون الإجراءات الجنائية، الصادر بالقانون رقم (23) لسنة 2004م، «إذا رأت المحكمة، المنظورة أمامها الدعوى، أن الفصل فيها يتوقف على الورقة المطعون فيها وأن هناك وجهاً للسير في تحقيق أدلة التزوير فلها أن تحيل الأوراق إلى النيابة العامة، وتوقف الدعوى إلى أن يفصل في التزوير، وللمحكمة إذا كان الفصل في واقعة التزوير يدخل في اختصاصها أن تحقق الطعن بنفسها وتفصل في صحة الورقة». «ويجوز أن تحكم، هذه المحكمة، على مدعي التزوير بغرامة مقدارها ألف ريال في حالة صدور حكم أو أمر بعدم وجود تزوير». وهكذا، فإن الحكم بالغرامة على مدعي التزوير في حالة صدور حكم أو أمر بعدم وجود تزوير هو محض مكنة مخولة للمحكمة، إن شاءت قضت بها وإن شاءت لم تقض بها.

 

ومع ذلك، ووفقاً للمادة (254) من قانون المرافعات المدنية والتجارية، الصادر بالقانون رقم (13) لسنة 1990م، «إذا ثبت تزوير المحرر، أرسلته المحكمة مع صورة المحاضر المتعلقة به إلى الشرطة لاتخاذ الإجراءات اللازمة». «أما إذا حكم بسقوط حق مدعي التزوير في ادعائه أو برفضه حكم عليه بغرامة لا تجاوز خمسمائة ريال». «ولا يحكم عليه بشيء إذا ثبت بعض ما ادعاه».

 

تباين الحكم بين الوجوب والجواز في القانون السعودي

في المملكة العربية السعودية، وطبقاً للمادة السادسة والسبعين بعد المائة من المرسوم الملكي رقم (م/2) وتاريخ 22/1/1435هـ بالموافقة على نظام الإجراءات الجزائية، «إذا رأت المحكمة المنظورة أمامها الدعوى وجهًا للسير في التحقق من التزوير، فعليها إحالة هذه الأوراق إلى الجهة المختصة نظاماً بالتحقيق في قضايا التزوير، وعليها أن توقف الدعوى إلى أن يفصل في دعوى التزوير إذا كان الفصل في الدعوى المنظورة أمامها يتوقف على الورقة المطعون فيها». وتحدد المادة السابعة والسبعون بعد المائة من النظام ذاته الجزاء في حالة رفض الادعاء بالتزوير، بنصها على أنه «في حال الحكم بانتفاء التزوير تقضي المحكمة بتعزيز مدعي التزوير متى رأت مقتضى لذلك».

 

وقد ورد النص على إجراءات نظر دعوى التزوير الفرعية، وذلك في قرار مجلس الوزراء رقم (142) بتاريخ 21/ 3 /1436هـ بالموافقة على اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (2/م) وتاريخ 22 /1 /1435هـ، حيث تنص المادة السادسة والعشرون بعد المائة من هذه اللائحة على أنه «1- إذا قررت المحكمة وقف الدعوى المنظورة أمامها – استناداً إلى ما ورد في المادة (السادسة والسبعين بعد المائة) من النظام- فتدون ذلك في الضبط وتبين سببه.

2- إذا رأت المحكمة إحالة الأوراق المطعون فيها بالتزوير إلى الجهة المختصة نظامًا بالتحقيق في التزوير، فتبعثها إلى تلك الجهة محرزة.

3- إذا لم تر المحكمة وجهاً للسير في التحقيق من التزوير، أو أن الفصل في الدعوى المنظورة أمامها لا يتوقف على الورقة المطعون فيها بالتزوير، فتبين سبب ذلك في ضبط الدعوى، ويكون الاعتراض على ذلك مع الاعتراض على الحكم في القضية.

4- يكون نظر دعوى التزوير الفرعية من قبل المحكمة المنظورة أمامها الدعوى، فإن كانت غير مختصة بالنظر في قضايا التزوير، فتحيلها إلى المحكمة المختصة».

 

ومع ذلك، ووفقاً للمادة التاسعة والأربعين من نظام الإثبات، الصادر بالمرسوم ملكي رقم (م/ 43) وتاريخ 26/ 05/ 1443ه، «1- إذا حكم برفض الادعاء بتزوير المحرر أو سقوط حق مدعي التزوير في الإثبات، حكم عليه بغرامة لا تزيد على (عشرة آلاف) ريال، وذلك دون إخلال بحق ذوي الشأن في المطالبة بالتعويض. 2- لا يحكم بالغرامة على مدعي التزوير إذا تنازل عن ادعائه قبل انتهاء إجراءات التحقيق فيه؛ ما لم يثبت للمحكمة أنه قصد الكيد لخصمه أو تأخير الفصل في الدعوى. 3- لا يحكم بالغرامة على مدعي التزوير إذا ثبت بعض ما ادعاه. 4- إذا ثبت تزوير المحرر أحالته المحكمة إلى النيابة العامة؛ لاتخاذ الإجراءات اللازمة».

 

*********************

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى